[ ٢١ ]
ثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ الْمِقْدَامِ بْنِ شُرَيْحِ بْنِ هَانِئٍ، عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ شُرَيْحٍ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا أَخْبَرَتْ شُرَيْحًا، أَنَّهَا كَانَتْ إِذَا عَرَكَتْ قَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَا بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ، شُدِّي عَلَى وَسَطِكِ»، فَكَانَ يُبَاشِرُهَا مِنَ اللَّيْلِ مَا شَاءَ اللَّهُ حَتَّى يَقُومَ لِصَلَاتِهِ، وَقَلَّ مَا كَانَ يَنَامُ مِنَ اللَّيْلِ كَمَا قَالَ اللَّهُ لَهُ: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [المزمل: ٢] "
[ ٢١ ]
حَدَّثَنَا أَبُو هَمَّامٍ الْوَلِيدُ بْنُ شُجَاعٍ، وَبَحْرُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَا: ثنا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي ⦗٢٢⦘ مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ أَبِي الزَّاهِرِيَّةِ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، قَالَ: حَجَجْتُ، فَدَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ ﵂، فَسَأَلْتُهَا عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَتْ: " كَانَ خُلُقَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْقُرْآنُ. وَسَأَلْتُهَا عَنْ قِيَامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِاللَّيْلِ، فَقَالَتْ: أَمَا تَقْرَأُ: يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ؟ قُلْتُ: بَلَى، قَالَتْ: فَهُوَ قِيَامُهُ "
[ ٢١ ]
حَدَّثَنَا عَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ النَّرْسِيُّ، ثنا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى، عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ، حَدَّثَنَا أَنَّهُ، طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثُمَّ دَخَلَ الْمَدِينَةَ لِيَبِيعَ عَقَارًا لَهُ بِهَا، ثُمَّ يَجْعَلَهُ فِي الْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ، ثُمَّ يُجَاهِدَ الرُّومَ حَتَّى يَمُوتَ. قَالَ: فَلَمَّا قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ لَقِيتُ رَهْطًا مِنَ الْأَنْصَارِ، أَوْ قَوْمِهِ، فَحَدَّثَهُمْ، فَحَدَّثُوهُ أَنَّ رَهْطًا مِنْهُمْ سِتَّةً أَرَادُوا ذَلِكَ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَنَهَاهُمْ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ لَهُمْ: «أَلَيْسَ لَكُمْ فِيَّ أُسْوَةٌ؟»، فَلَمَّا حَدَّثُوهُ حَدِيثَهُمْ هَذَا أَشْهَدَهُمْ عَلَى رَجْعَةِ امْرَأَتِهِ، ثُمَّ أَتَانَا فَأَخْبَرَنَا أَنَّهُ انْطَلَقَ إِلَى عَائِشَةَ ﵂. قَالَ: فَأَتَيْتُ عَلَى حَكِيمِ بْنِ أَفْلَحَ، فَاسْتَلْحَقْتُهُ فَجَاءَ مَعِي، فَاسْتَأْذَنَّا فَدَخَلْنَا عَلَيْهَا. فَقَالَتْ: أَحَكِيمٌ؟ وَعَرَفَتْهُ. قَالَ: نَعَمْ. قَالَتْ: مَنْ هَذَا مَعَكَ؟ قَالَ: سَعْدُ بْنُ هِشَامٍ. قَالَتْ: مَنْ هِشَامٌ؟ قَالَ: ابْنُ عَامِرٍ نِعْمَ الْمَرْءُ كَانَ وَكَانَ أُصِيبَ يَوْمَ أُحُدٍ قُلْتُ: يَا ⦗٢٣⦘ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، أَنْبِئِينِي عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. قَالَتْ: أَلَسْتَ تَقْرَأُ الْقُرْآنَ؟ قُلْتُ: بَلَى، قَالَتْ: فَإِنَّ خُلُقَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانَ الْقُرْآنُ. قَالَ: فَهَمَمْتُ أَنْ أَقُومَ فَلَا أَسْأَلُهَا عَنْ شَيْءٍ أَوْ فَلَا أَسْأَلُ أَحَدًا عَنْ شَيْءٍ فَبَدَا لِي، فَقُلْتُ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، أَنْبِئِينِي عَنْ قِيَامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. قَالَتْ: أَلَسْتَ تَقْرَأُ هَذِهِ السُّورَةَ: يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ؟ قُلْتُ: بَلَى. قَالَتْ: فَإِنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ الْقِيَامَ فِي أَوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ فَقَامَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ حَوْلًا حَتَّى انْتَفَخَتْ أَقْدَامُهُمْ وَأَمْسَكَ اللَّهُ خَاتِمَتَهَا اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا فِي السَّمَاءِ ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ التَّخْفِيفَ فِي آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ، فَصَارَ قِيَامُ اللَّيْلِ تَطَوُّعًا بَعْدَ فَرِيضَةٍ " وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ فِي قَوْلِهِ: " ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [المزمل: ٢] أَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ وَالْمُؤْمِنِينَ بِقِيَامِ اللَّيْلِ إِلَّا قَلِيلًا، فَشَقَّ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ثُمَّ خَفَّفَ عَنْهُمْ وَرَحَمَهُمْ وَأَنْزَلَ بَعْدَ هَذَا: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى﴾ [المزمل: ٢٠] الْآيَةَ. فَوَسَّعَ اللَّهُ لَهُ وَلَمْ يُضَيِّقْ. قَالَ: كَانَ بَيْنَ الْآيَتَيْنِ سَنَةٌ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ﴾ [المزمل: ٢] وَ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ﴾ إِلَى آخِرِ السُّورَةِ "، وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَهُمْ فِي جَيْشٍ وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ أَبَا عُبَيْدَةَ ﵁ وَقَدْ كَانَ كَتَبَ عَلَيْهِمْ قِيَامَ اللَّيْلِ فَكَانُوا يَقُومُونَ حَتَّى انْتَفَخَتْ أَقْدَامُهُمْ فَأَصَابَهُمْ فِي ذَلِكَ الْوَجْهِ جُوعٌ شَدِيدٌ. قَالَ: وَوَضَعَ اللَّهُ عَنْهُمْ قِيَامَ اللَّيْلِ «، وَعَنِ الْحَسَنِ ﵀» أَنَّ اللَّهَ لَمَّا أَنْزَلَ هَذِهِ السُّورَةَ وَكَانَ بَيْنَ أَوَّلِهَا وَآخِرِهَا سَنَةٌ: يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ حَتَّى بَلَغَ ﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ [المزمل: ١٩] ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ بَعْدَ سَنَةٍ ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ﴾ [المزمل: ٢٠] قَالَ: لَا وَاللَّهِ مَا كُلُّ الْقَوْمِ قَامَ بِهَا. قَالَ: ﴿وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ [المزمل: ٢٠]. فَبَكَى الْحَسَنُ عِنْدَ ذَلِكَ. وَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ قِيَامَ اللَّيْلِ تَطَوُّعًا بَعْدَ فَرِيضَةٍ: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونَ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [المزمل: ٢٠] حَتَّى بَلَغَ ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ وَقَالَ: وَلَا بُدَّ مِنْ قِيَامِ اللَّيْلِ قَالَ: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]. ⦗٢٤⦘ قَالَ فَرِيضَتَانِ لَا صَلَاحَ لِلْأَعْمَالِ إِلَّا بِهِمَا "، وَعَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ: " لَمَّا نَزَلَتْ يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ حَوْلًا حَتَّى انْتَفَخَتْ أَقْدَامُهُمْ وَسُوقُهُمْ، حَتَّى نَزَلَتْ ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ [المزمل: ١٩] حَتَّى بَلَغَ ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ "، وَعَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: " ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: ١] افْتَرَضَ اللَّهُ قِيَامَ اللَّيْلِ فِي أَوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ. فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ حَوْلًا فَأَمْسَكَ اللَّهُ خَاتِمَتَهَا فِي السَّمَاءِ أَثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا، ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ التَّخْفِيفَ فِي آخِرِهَا، فَصَارَ قِيَامُ اللَّيْلِ تَطَوُّعًا مِنْ بَعْدِ فَرِيضَةٍ. قَالَ: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونَ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [المزمل: ٢٠] الْآيَةُ فَنَسَخَتْ هَذِهِ الْآيَةُ مَا كَانَ قَبْلَهَا "، وَعَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ قَالَ: «رَخَّصَ لَهُمْ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ»، وَعَنْ عِكْرِمَةَ: " ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [المزمل: ١] قَالَ: " لَبِثُوا بِذَلِكَ سَنَةً فَشَقَّ عَلَيْهِمْ وَتَوَرَّمَتْ أَقْدَامُهُمْ ثُمَّ نَسَخَتْهَا آخِرُ السُّورَةِ قَوْلُهُ: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾. وَعَنْ عَطَاءٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات: ١٧]. قَالَ: ذَلِكَ إِذَا أُمِرُوا بِقِيَامِ اللَّيْلِ إِلَّا قَلِيلًا كَانُوا يَحْتَجِرُونَ احْتِجَارًا بِالصَّلَاةِ. فَقَالَ رَجُلٌ لِعَطَاءٍ مِنَ الْجُوعِ؟ قَالَ: بَلْ لِلَّهِ كَانَ أَبُو ذَرٍّ يَحْتَجِرُ، ثُمَّ يَأْخُذُ الْغِطَاءَ فَيَتَعَبَّدُ عَلَيْهَا حَتَّى نَزَلَتِ الرُّخْصَةُ: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ﴾ إِلَى ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [المزمل: ٢٠] قَالَ: الْمَكْتُوبَةُ "، وَسَأَلَ رَجُلٌ عِكْرِمَةَ: إِنِّي أَتَعْلَمُ الْقُرْآنَ وَيَقُولُونَ لَا تُوَسِّدْهُ. فَقَالَ لَهُ: «إِنَّكَ أَنْ تَنَامَ عَالِمًا خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَنَامَ جَاهِلًا»
[ ٢٢ ]
حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قُلْتُ لِأَبِي أُسَامَةَ: أَحَدَّثَكُمْ عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنِ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ بَعَثَ بَعْثًا ذَوِي عُدَّةٍ فَاسْتَقْرَأَ كُلَّ رَجُلٍ مِنْهُمْ فَأَتَى عَلَى رَجُلٍ مِنْ أَحْدَثِهِمْ سِنًّا. فَقَالَ: مَا مَعَكَ يَا غُلَامُ؟ قَالَ: مَعِي كَذَا وَمَعِي كَذَا وَمَعِي سُورَةُ كَذَا وَمَعِي سُورَةُ الْبَقَرَةِ. فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَشْرَافِهِمْ: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا مَنَعَنِي أَنْ أَتَعَلَّمَ الْقُرْآنَ إِلَّا خَشْيَةَ أَنْ لَا أَقُومَ بِهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «تَعَلَّمُوا الْقُرْآنَ وَاقْرَءُوهُ وَإِنْ لَمْ تَقُومُوا بِهِ فَإِنَّ مَثَلَ الْقُرْآنِ لِمَنْ تَعَلَّمَهُ فَقَرَأَهُ وَقَامَ بِهِ كَمَثَلِ جِرَابٍ مَحْشُوٍّ مِسْكًا يَفُوحُ رِيحُهُ فِي كُلِّ مَكَانٍ وَمَثَلَ مَنْ تَعَلَّمَهُ وَرَقَدَ وَهُوَ فِي جَوْفِهِ كَمَثَلِ جِرَابٍ أُوكِئَ عَلَى مِسْكٍ» وَعَنْ أَبِي رَجَاءٍ قُلْتُ: لِلْحَسَنِ ﵀: مَا تَقُولُ فِي رَجُلٍ قَدِ اسْتَظْهَرَ الْقُرْآنَ كُلَّهُ عَنْ ظَهْرِ قَلْبِهِ وَلَا يَقُومُ بِهِ إِنَّمَا يُصَلِّي الْمَكْتُوبَةَ؟ قَالَ: " لَعَمْرُ اللَّهِ ذَاكَ إِنَّمَا يَتَوَسَّدُ الْقُرْآنَ. قُلْتُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ قَالَ: نَعَمْ وَلَوْ خَمْسِينَ آيَةً "، وَقَالَ مَعْمَرٌ قُلْتُ لِابْنِ طَاوُسٍ: " هَلْ كَانَ أَبُوكَ رُبَّمَا نَامَ اللَّيْلَ حَتَّى يُصْبِحَ؟ قَالَ: رُبَّمَا أَتَى عَلَيْهِ ذَاكَ " ⦗٢٦⦘ وَعَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ ﵀: أَتَيْتُ سَلْمَانَ فَقُلْتُ لَأَنْظُرَنَّ كَيْفَ صَلَاتُهُ؟ فَكَانَ يَنَامُ مِنَ اللَّيْلِ ثُلُثَهُ. وَقَالَ: " حَافِظُوا عَلَى هَذِهِ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ فَإِنَّهُنَّ كَفَّارَاتٌ لِهَذِهِ الْجِرَاحَاتِ مَا لَمْ تُصِبِ الْقِبْلَةَ. فَإِذَا صَلَّى النَّاسُ الْعِشَاءَ كَانُوا عَلَى ثَلَاثَةِ مَنَازِلَ، مِنْهُمْ مَنْ لَهُ وَلَا عَلَيْهِ. وَمِنْهُمْ مَنْ عَلَيْهِ وَلَا لَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَا عَلَيْهِ وَلَا لَهُ. فَقُلْتُ: مَنْ عَلَيْهِ وَلَا لَهُ؟ قَالَ: رَجُلٌ صَلَّى الْعِشَاءَ، فَاغْتَنَمَ غَفْلَةَ النَّاسِ وَظُلْمَةَ اللَّيْلِ، فَرَكِبَ رَأْسَهُ فِي الْمَعَاصِي، وَرَجُلٌ اغْتَنَمَ غَفْلَةَ النَّاسِ وَظُلْمَةَ اللَّيْلِ، فَرَكِبَ رَأْسَهُ وَقَامَ يُصَلِّي، فَذَاكَ لَهُ وَلَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ نَامَ فَذَاكَ لَا عَلَيْهِ وَلَا لَهُ. وَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: إِنِّي لَا أُطِيقُ الصَّلَاةَ بِاللَّيْلِ، فَقَالَ: لَا تَعْصِ اللَّهَ بِالنَّهَارِ وَلَا عَلَيْكَ أَنْ لَا تُصَلِّي بِاللَّيْلِ " وَقَالَ رَجُلٌ لِابْنِ عُمَرَ: إِنِي أُحِبُّ التَّهَجُّدَ وَالصَّلَاةَ لِلَّهِ وَلَا أَقْدِرُ عَلَيْهَا مَعَ الضَّعْفِ. فَقَالَ: ارْقُدْ يَا ابْنَ أَخِي مَا اسْتَطَعْتَ وَاتَّقِ اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتَ. وَقَالَ سُفْيَانُ: «شَرُّ حَالَاتِ الْمُؤْمِنِ أَنْ يَكُونَ نَائِمًا وَخَيْرُ حَالَاتِ الْفَاجِرِ أَنْ يَكُونَ نَائِمًا؛ لِأَنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا كَانَ مُسْتَيْقِظًا فَهُوَ مُتَحَلٍّ بِطَاعَةِ اللَّهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ نَوْمِهِ، وَالْفَاجِرُ إِذَا كَانَ مُسْتَيْقِظًا فَهُوَ مُتَحَلٍّ بِمَعَاصِي اللَّهِ فَنَوْمُهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ يَقَظَتِهِ»
[ ٢٥ ]
حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، ثنا الْأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: جَاءَ النُّعْمَانُ بْنُ قَوْقَلٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: إِنِّي أَحْلَلْتُ الْحَلَالَ وَحَرَّمْتُ الْحَرَامَ وَأَدَّيْتُ الْمَكْتُوبَاتِ. أَأَدْخُلُ الْجَنَّةَ؟ قَالَ: «نَعَمْ». وَفِي لَفْظٍ قَالَ النُّعْمَانُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أَرَأَيْتَ إِنْ صَلَّيْتُ الْمَكْتُوبَاتِ وَأَحْلَلْتُ الْحَلَالَ وَحَرَّمْتُ الْحَرَامَ وَلَمْ أَزِدْ عَلَى ذَلِكَ شَيْئًا أَأَدْخُلُ الْجَنَّةَ؟ قَالَ: «نَعَمْ» وَقَالَ قَتَادَةُ: " ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ [المزمل: ١] هُوَ الَّذِي يُزَمِّلُ ثِيَابَهُ " ⦗٢٧⦘ وَعَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: " زَمَّلْتُ هَذَا الْأَمْرَ فَقُمْ بِهِ: وَ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: ١] دَثَّرْتُ هَذِهِ الْأَمْرَ فَقُمْ بِهِ " وَعَنْ أَبِي عُبَيْدٍ قَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ وَنَافِعٌ وَعَاصِمٌ وَأَبُو عَمْرٍو وَالْكِسَائِيُّ الْمُزَّمِّلُ وَالْمُدَّثِّرُ بِالتَّشْدِيدِ وَالْإِدْغَامِ وَكَذَلِكَ نَقْرَأُهُمَا وَعَلَيْهِمَا الْأُمَّةُ وَالْمُزَّمِّلُ الْمُلْتَفُّ بِثَوْبِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: سَمِعْتُ مَنْ أَثِقُ بِخَبَرِهِ وَعِلْمِهِ يَذْكُرُ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ فَرْضًا فِي الصَّلَاةِ ثُمَّ نَسْخَهُ بِفَرْضٍ غَيْرِهِ، ثُمَّ نَسَخَ الثَّانِي بِالْفَرْضِ فِي الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ. قَالَ: كَأَنَّهُ يَعْنِي قَوْلَ اللَّهِ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ [المزمل: ٢] ثُمَّ نَسْخَهُ فِي السُّورَةِ مَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ﴾ [المزمل: ٢٠] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ فَنَسَخَ قِيَامَ اللَّيْلِ أَوْ نِصْفَهُ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ بِمَا تَيَسَّرَ. قَالَ: وَيُقَالُ نَسَخَ مَا وَصَفَ فِي الْمُزَّمِّلِ بِقَوْلِ اللَّهِ: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] زَوَالُهَا إِلَى ﴿غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ [الإسراء: ٧٨] الْعَتَمَةُ ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء: ٧٨] فَأَعْلَمَهُ أَنَّ صَلَاةَ اللَّيْلِ نَافِلَةٌ لَا فَرِيضَةٌ، وَالْفَرَائِضُ فِيمَا ذَكَرَ مِنْ لَيْلٍ وَنِهَارٍ. قَالَ: فَفَرَائِضُ الصَّلَوَاتِ خَمْسٌ وَمَا سِوَاهَا تَطَوُّعٌ. وَعَنْ أَبِي عُبَيْدٍ قَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ وَشَيْبَةُ وَنَافِعٌ وَأَبُو عَمْرٍو: ﴿نِصْفَهُ وَثُلُثَهُ﴾ [المزمل: ٢٠] بِالْخَفْضِ وَكَانَ ابْنُ كَثِيرٍ وَعَاصِمٌ وَالْأَعْمَشُ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ يَقْرَأُونَهَا نَصَبًا ﴿نِصْفَهُ وَثُلُثَهُ﴾ [المزمل: ٢٠] غَيْرَ أَنَّ ابْنَ كَثِيرٍ كَانَ يُخَفِّفُ ثُلُثَهُ. وَقَالَ وَقِرَاءَتُنَا الَّتِي نَخْتَارُهَا الْخَفْضُ لِقَوْلِهِ: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾ [المزمل: ٢٠] فَكَيْفَ تَقْدُرُونَ عَلَى أَنْ تَعْرِفُوا نِصْفَهُ مِنْ ثُلُثِهِ وَهُمْ لَا يَحْصُونَهُ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: فَتَأَوَّلَ أَبُو عُبَيْدٍ أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾ [المزمل: ٢٠]: لَنْ تَعْرِفُوهُ ذَهَبَ إِلَى الْإِحْصَاءِ فِي الْعَدَدِ. وَقَالَ غَيْرُ أَبِي عُبَيْدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْعَرَبِيَّةِ، إِنَّمَا قَوْلُهُ: ﴿لَنْ تُحْصُوهُ﴾ [المزمل: ٢٠]: لَنْ تُطِيقُوهُ. وَقَالَ تَقُولُ الْعَرَبُ مَا أَحْصَى كَذَا، أَيْ مَا أُطِيقُهُ. وَقَالَ وَمِنْهُ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصُوا»، أَيْ لَنْ تُطِيقُوا أَنْ تَسْتَقِيمُوا فِي كُلِّ شَيْءٍ يَقُولُ: «سَدِّدُوا وَقَارِبُوا» ⦗٢٨⦘ عَنْ أَبِي صَالِحٍ لَمَّا نَزَلَتْ: " ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيْ﴾ [المزمل: ٢٠] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾ [المزمل: ٢٠] قَالَ: قَالَ جِبْرِيلُ: أَشُقَّ عَلَيْكُمْ؟ قَالَ: «نَعَمْ». قَالَ: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ، وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ، وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ [الصافات: ١٦٤] "، وَعَنْ قَتَادَةَ: «إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَمِنْ نِصْفِهِ وَأَدْنَى مِنْ ثُلُثِهِ» وَقَالَ مُجَاهِدٌ: " تَقُومُ أُدْنِيَ مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَتَقُومُ نِصْفَهُ أَوْ ثُلُثَهُ ﴿وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾ [المزمل: ٢٠] " وَعَنِ الْحَسَنِ وَقَتَادَةَ: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾ [المزمل: ٢٠]، لَنْ تُطِيقُوهُ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي قَوْلِهِ: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [المزمل: ٢] أَيْ صَلِّ اللَّيْلَ إِلَّا شَيْئًا يَسِيرًا مِنْهُ تَنَامُ فِيهِ وَهُوَ الثُّلُثُ. ثُمَّ قَالَ: نِصْفَهُ أَيْ قُمْ نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنَ النِّصْفِ قَلِيلًا أَيِ الثُّلُثَ أَوْ زِدْ عَلَى النِّصْفِ إِلَى الثُّلُثَيْنِ. فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ قَامَ النَّبِيُّ ﷺ وَطَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ مَعَهُ وَأَحَدَّ الْمُسْلِمُونَ أَنْفُسِهِمْ بِالْقِيَامِ عَلَى الْمَقَادِيرِ حَتَّى شَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ﴾ [المزمل: ٢٠] أَيْ وَتَقُومُ نِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَسَائِرَ أَجْزَائِهِ. ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾ [المزمل: ٢٠] أَيْ لَنْ تُطِيقُوا مَعْرِفَةَ حَقَائِقِ ذَلِكَ، وَالْقِيَامَ فِيهِ عَلَى هَذِهِ الْمَقَادِيرِ فَتَابَ عَلَيْكُمْ ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ رَخَّصَ لَهُمْ فِي أَنْ يَقُومُوا مَا أَمْكَنَ وَخَفَّ بِغَيْرِ مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ وَلَا مِقْدَارٍ. قَالَ: ثُمَّ نَسَخَ هَذِهِ بِالصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ. قَالَ: وَلَوْ قَرَأْنَا: ﴿أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفِهِ وَثُلُثِهِ﴾ [المزمل: ٢٠] بِالْخَفْضِ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ كَانَ رُبَّمَا قَامَ أَقَلَّ مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَفِي هَذِهِ مُخَالَفَةٌ لِمَا أُمِرَ بِهِ لَأَنَّ اللَّهَ قَالَ لَهُ: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا﴾ [المزمل: ٢] إِلَى الثُّلُثِ وَلَمْ يَأْمُرْهُ أَنْ يَنْقُصَ مِنَ الثُّلُثِ شَيْئًا. قَالَ: فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ فِي الْحِكَايَةِ الَّتِي حَكَاهَا وَغَيْرُهُ إِلَى أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ قِيَامَ اللَّيْلِ فِي أَوَّلِ سُورَةِ الْمُزَّمِّلِ عَلَى الْمَقَادِيرِ الَّتِي ذَكَرَهَا، ثُمَّ نَسَخَ ذَلِكَ فِي آخِرِ السُّورَةِ وَأَوْجَبَ قِرَاءَةَ مَا تَيَسَّرَ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ فَرْضًا، ثُمَّ نَسَخَ فَرْضَ قِرَاءَةِ مَا تَيَسَّرَ بِالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ. ⦗٢٩⦘ وَأَمَّا سَائِرُ الْأَخْبَارِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا عَنْ عَائِشَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِمَا فَإِنَّهَا دَلَّتْ عَلَى أَنَّ آخِرَ السُّورَةِ نَسَخَتْ أَوَّلَهَا، فَصَارَ قِيَامُ اللَّيْلِ تَطَوُّعًا بَعْدَ فَرِيضَةٍ بِنُزُولِ آخِرِ السُّورَةِ، فَذَهَبُوا إِلَى أَنَّ قَوْلَهُ ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ﴾ اخْتِيَارٌ لَا إِيجَابُ فَرْضٍ. وَقَالَ: وَهَذَا أَوْلَى الْقَوْلَيْنِ عِنْدِي بِالصَّوَابِ، وَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ نَسَخَتْ قِيَامَ اللَّيْلِ، وَالصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ مَفْرُوضَاتٌ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ، وَالنَّبِيُّ ﷺ بِمَكَّةَ، فُرِضَتْ عَلَيْهِ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ، وَالْأَخْبَارُ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ إِنَّمَا نَزَلَ بِالْمَدِينَةِ وَنَفْسُ الْآيَةِ تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، قَوْلُهُ: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [المزمل: ٢٠]، وَالْقِتَالُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّمَا كَانَ بِالْمَدِينَةِ. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [المزمل: ٢٠] الزَّكَاةُ إِنَّمَا فُرِضَتْ بِالْمَدِينَةِ وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَهُمْ فِي الْجَيْشِ وَقَدْ كَانَ كُتِبَ عَلَيْهِمْ قِيَامُ اللَّيْلِ، وَبَعْثُهُ الْجُيُوشَ لَمْ يَكُنْ إِلَّا بَعْدَ قُدُومِ النَّبِيِّ ﷺ الْمَدِينَةَ قَالَ: وَيُقَالُ لِمَنْ أَوْجَبَ الْقِيَامَ بِاللَّيْلِ فَرْضًا بِمَا قَلَّ أَوْ كَثُرَ احْتِجَاجًا بِقَوْلِهِ: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾، خَبِّرْنَا عَنْهُ إِذَا لَمْ يُخَفِّفْ عَلَيْهِ وَلَمْ يَتَيَسَّرْ أَنْ يَقْرَأَ بِشَيْءٍ هَلْ تُوجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَكَلَّفَ ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يُخَفِّفْ وَلَمْ يَتَيَسَّرْ. فَإِنْ قَالَ: نَعَمْ، خَالَفَ ظَاهِرَ الْكِتَابِ وَأَوْجَبَ عَلَيْهِ مَا لَمْ يُوجِبْهُ اللَّهُ. وَإِنْ قَالَ: لَا يَجِبُ عَلَيْهِ تَكَلُّفُهُ ذَلِكَ إِذَا لَمْ يَتَيَسَّرْ، وَيُخَفِّفُ، فَقَدْ أَسْقَطَ فَرْضَهُ، وَلَوْ كَانَ فَرْضًا لَوَجَبَ عَلَيْهِ خَفَّ أَوْ لَمْ يَخِفَّ كَمَا قَالَ: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ [التوبة: ٤١] وَقَوْلُهُ: ﴿مَا تَيَسَّرَ﴾ [المزمل: ٢٠] يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ نَدْبٌ وَاخْتِيَارٌ وَلَيْسَ بِفَرْضٍ. قَالَ: وَقَدِ احْتَجَّ بَعْضُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ فِي إِيجَابِ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ فَأَسْقَطُوا فَرْضَ قِرَاءَةِ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ مُتَأَوِّلِينَ لِهَذِهِ الْآيَاتِ فَقَالُوا: إِنَّمَا عَلَيْهِ أَنْ يَقْرَأَ مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ، وَلَا عَلَيْهِ أَنْ لَا يَقْرَأَ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ. ثُمَّ نَاقَضُوا فَقَالُوا: لَابُدَّ أَنْ يَقْرَأَ بِثَلَاثِ آيَاتٍ فَصَاعِدًا أَوْ بِآيَةٍ طَوِيلَةٍ نَحْوَ آيَةِ الدِّينِ أَوْ آيَةِ الْكُرْسِيِّ. فَإِنْ قَرَأَ بِآيَةٍ قَصِيرَةٍ نَحْوَ قَوْلِهِ ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٦٤] وَ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ [الإخلاص: ٣]، لَمْ يَجُزْ وَلَيْسَتْ هَذِهِ الْآيَةُ مِنَ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ فِي شَيْءٍ. إِنَّمَا نَزَلَتِ الْآيَةُ عَلَى مَا أَعْلَمْتُكَ بِقِيَامِ اللَّيْلِ، وَإِنَّمَا أُخِذَتِ ⦗٣٠⦘ الْقِرَاءَةُ فِي الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ كَمَا أُخِذَ عَدَدُ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَسَائِرُ مَا فِي الصَّلَاةِ عَنِ النَّبِيِّ ﵇. وَلِذِكْرِ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ كِتَابٌ غَيْرُ هَذَا سَنَحْكِي اخْتِلَافَ النَّاسِ وَاحْتِجَاجَاتِهِمْ فِيهَا هُنَالِكَ. وَمَا أَدْخَلْنَا عَلَى الطَّائِفَةِ الْأُولَى فِي إِيجَابِهِمْ قِرَاءَةَ مَا تَيَسَّرَ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ دَاخِلٌ عَلَى أَصْحَابِ الرَّأْيِ بِأَنْ يُقَالَ لَهُمْ: خَبِّرُونَا عَمَّنْ لَمْ يَتَيَسَّرْ عَلَيْهِ قِرَاءَةُ شَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ فِي الصَّلَاةِ وَلَمْ يُخَفِّفْ، هَلْ تُوجِبُونَ عَلَيْهِ أَنْ يَتَكَلَّفَ مِقْدَارَ مَا حَدَّدْتُمْ مِنْ قِرَاءَةِ ثَلَاثِ آيَاتٍ أَوْ آيَةٍ طَوِيلَةٍ. وَإِنْ ثَقُلَ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَتَيَسَّرْ؟ فَإِنْ قَالُوا: نَعَمْ. قِيلَ: فَمِنْ أَيْنَ أَوْجَبْتُمْ عَلَيْهِ قِرَاءَةَ مَا لَمْ يَتَيَسَّرْ عَلَيْهِ؟ وَإِنَّمَا أَمَرَ اللَّهُ بِقِرَاءَةِ مَا تَيَسَّرَ فِي زَعْمِكُمْ، وَيُلْزِمُكُمْ أَنْ تُجِيزُوا لِلْمُصَلِّي إِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ أَنْ يَقُولَ أَلْفًا وَيَرْكَعَ وَيَقُولُ: لَمْ يَتَيَسَّرْ عَلَيَّ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ. فَإِنْ أَجَازُوا ذَلِكَ خَالَفُوا السُّنَّةَ وَخَرَجُوا مِنْ قَوْلِ أَهْلِ الْعِلْمِ. قَوْلُهُ: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: ٤] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: بَيِّنْهُ تَبْيِينًا وَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: إِنِّي سَرِيعُ الْقِرَاءَةِ أَقْرَأُ الْبَقَرَةَ فِي مَقَامٍ. فَقَالَ: لَأَنْ أَقْرَأَ الْبَقَرَةَ فَأُرَتِّلُهَا وَأَقْدِرُهَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَقْرَأَ الْقُرْآنَ كَمَا تَقُولُ وَقَرَأَ عَلْقَمَةُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ وَكَانَ حَسَنَ الصَّوْتِ. فَقَالَ: رَتِّلْ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي. فَإِنَّهُ زَيْنُ الْقُرْآنِ. قَالَ عَلْقَمَةُ: صَلَّيْتُ مَعَ ابْنِ مَسْعُودٍ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ إِلَى انْصِرَافِهِ مِنَ الْفَجْرِ فَكَانَ يُرَتِّلُ وَلَا يَرْجِعُ وَيُسْمِعُ مَنْ فِي الْمَسْجِدِ وَعَنْ قَتَادَةَ: بَلَغَنَا أَنَّ عَامَّةَ قِرَاءَةِ النَّبِيِّ ﷺ كَانَتِ الْمَدَّ وَعَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: ٤]. قَالَ: تُرْسِلُ فِيهِ تَرْسِيلًا، وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: بَعْضُهُ عَلَى إِثْرِ بَعْضٍ وَعَنْ حَفْصَةَ ﵂. كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ بِالسُّورَةِ فَيُرَتِّلُهَا حَتَّى تَكُونَ أَطْوَلَ مِنْ أَطْوَلِ مِنْهَا
[ ٢٦ ]
ثنا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا الْوَلِيدُ، ثنا زَائِدَةُ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنِ ابْنِ حُذَيْفَةَ، عَنْ حُذَيْفَةَ، ﵁، أَنَّهُ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةً فَقَرَأَ بِالطُّوَالِ قِرَاءَةً لَيْسَتْ بِالْخَفِيضَةِ وَلَا الرَّفِيعَةِ وَيُحَسِّنُ وَيُرَتِّلُ ثُمَّ رَكَعَ " قَوْلُهُ ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل: ٥] قَالَ الْحَسَنُ: «الْعَمَلُ بِهِ ثَقِيلٌ» وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: «ثَقِيلًا فِي الْمِيزَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» وَقَالَ قَتَادَةُ: «تَثْقُلُ وَاللَّهِ فَرَائِضُهُ وَحُدُودُهُ» وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: " لَيْسَ يَعْنِي قِرَأَةً وَلَكِنْ فَرَائِضَهُ وَسُنَنَهُ قَدْ تَأَوَّلَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ أَرَادَ ثِقَلَ الْوَحْيِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ حِينَ كَانَ يَنْزِلُ عَلَيْهِ
[ ٣١ ]
ثنا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، أَخْبَرَنِي هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا أُوحِيَ إِلَيْهِ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ وَضَعَتْ جِرَانَهَا فَمَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَتَحَرَّكَ حَتَّى يُسْرَى عَنْهُ " وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ قَالَتْ: نَزَلَتْ سُورَةُ الْمَائِدَةِ وَأَنَا آخُذُ بِزِمَامِ نَاقَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْعَضْبَاءِ. فَكَادَتْ مِنْ ثِقَلِهَا أَنْ تَنْدَقَّ عَضُدُ النَّاقَةِ
[ ٣١ ]
ثنا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، ثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، ﵂ قَالَتْ: سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ رَجُلٌ فَقَالَ: كَيْفَ يَأْتِيكَ الْوَحْيُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ؟ قَالَ: " يَأْتِينِي أَحْيَانًا وَلَهُ صَلْصَلَةٌ كَصَلْصَلَةِ الْجَرَسِ فَيَنفْصَمُّ عَنِّي وَقَدْ وَعَيْتُ وَذَلِكَ أَشَدُّ عَلَيَّ. وَيَأْتِينِي أَحْيَانًا فِي صُورَةِ الرَّجُلِ أَوْ قَالَ: الْمَلَكِ فَيُخْبِرُنِي فَأَعِي مَا يَقُولُ " وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁: كَانَ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ غَشِيَهُ عُرِقَ أَوْ بُهِرَ
[ ٣١ ]