لم يكن ﵀ راويًا ومحدثًا يروى الحديث فقط، بل كان ناقدًا بصيرا في الرجال، وعلل الحديث، ولا يتمكن في هذا الفن إلا الحفاظ المهرة الحافظون لطرق الحديث والعارفون لأحوال الرجال، الجامعون لأحاديث الأئمة. قال شيخه الإمام الحافظ الناقد عثمان بن سعيد الدارمي، في المقومات التي تؤهل المحدث في نظره: من لم يجمع حديث شعبة، وسفيان، ومالك، وحماد بن زيد، وابن عيينة، فهو مفلس في الحديث (^١).
قال الإمام الذهبي: يريد أنه ما بلغ درجة الحفاظ، وبلا ريب أن من جمع علم هؤلاء الخمسة، وأحاط بسائر حديثهم، وكتبه عاليا ونازلًا، وفهم علله، فقد أحاط بشطر السنة النبوية، بل أكثر من ذلك … فلو أراد أحد أن يتتبع حديث الثوري وحده ويكتبه بأسانيد نفسه على طولها وبيبن صحيحه من سقيمه لكان يجيئ (مسنده) في عشرة مجلدات … اهـ. مختصرا (^٢).
قلت: والإمام أبو عوانة قد عمل بمقولة شيخه وطبقها فأفنى حياته في جمع حديث هؤلاء وترك وطنه ورحل، حتى شهد له غير واحد من الأئمة
_________________
(١) الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع (١/ ٣٥٦).
(٢) السير (١٣/ ٣٢٣).
[ مقدمة / ٦٠ ]
الأعلام بذلك (^١). وقد صرح بذلك في وصيته (^٢).
وقد حكم على الحديث وبين العلل بإشارات لطيفة، وتكلم في الرجال ونقدهم مما يدل على إحاطته وتمكنه في هذا العلم، إذ لا يمكن أن تصدر مثل هذه الأحكام إلا من خبير متثبت، عالم.
وقد تنوعت أحكام أبي عوانة على الأحاديث والرواة وسنتناول ذلك في مطلبين: