جرت عادة عدد من الحفاظ بذكر السبب الباعث لهم على تصنيف مصنفاتهم، فمنهم من يذكر ذلك في مقدمة الكتاب كما فعل الإمام مسلم في مقدمة كتابه الصحيح، ومنهم من يذكر ذلك خارج الكتاب، إما مشافهة ويروي عنه بعض تلاميذه كما روى إبراهيم بن معقل النسفي عن الإمام البخاري في السبب الباعث له على تصنيف الجامع الصحيح (^١)، وإما في كتاب آخر كما فعل الإمام أبو داود السجستاني في رسالته إلى أهل مكة التي تعتبر كالمقدمة لكتابه السنن.
فأما الحافظ أبو عوانة ﵀ فلم يفصح في مقدمة كتابه بالسبب الباعث له على تصنيفه، وإنما اقتصر في مستهل كتابه على ذكر الثناء على الله تعالى، وذكر حديث: "كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد فهو أقطع"، ثم أورد تحميدا جميلا نسبه إلى بعض أصحابه، فيه إثبات الصفات العليا لله تعالى، وإثبات القدر، ثم ابتدأ بالباب الأول، وهو: "باب إثبات القدر وشرائع الإيمان"، لكن الناظر في مادة كتابه، والمتأمل في المنهج الذي انتهجه فيه يرى أنَّ مؤلفه لم يقصد الاستخراج على صحيح مسلم فحسب، بل قصد بجانب ذلك تقريب ما تضمنته أحاديث ذلك الكتاب، وغيرهما مما هي مثلها، من أبواب فقه الحديث، وجمل من المسائل المستنبطة
_________________
(١) هدي الساري (ص ٧).
[ مقدمة / ٢٤٢ ]
منها، فمن أجل ذلك أتقن الاستنباط في تراجم الأبواب، ونصَّ على بعض الاستنباطات الفقهية بكلامه هو، ومن أقوال بعض فقهاء الأمصار في أواخر الأبواب (^١)، وأتى بزيادات عدة من الأحاديث حتى صار الكتاب كأنه مؤلَّف مستقلّ وليس بمستخرَج، كما سيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى.
وأما الحافظ أبو نعيم ﵀، فقد بين غرضه من تأليف الكتاب، فقال كما في المقدمة: "فعمدنا إلى الأصول التي خرجها -أي: الإمام مسلم-، والأبواب التي لخّصها فتتبّعنا على كتابه وتراجمه عن شيوخنا كتابا يكون عوضا لمن فاته سماع كتابه" (^٢)، فمن أجل ذلك لم يأت بالزيادات المستقلة، ولا أكثر من الاستنباط في تراجم الأبواب، وراعى ترتيب الإمام مسلم للأبواب والأحاديث إلا نادرًا، واهتم بذكر أسانيد مسلم لكل حديث إلى موضع التقائه به، بعد ما خرجه.
ولا شك أن لكل من الغرضين أهميته، إلا أن غرض الحافظ أبي عوانة ﵀ أنبل، حيث إنه أتى في كتابه بالمقاصد التي تستهدف من كتب
_________________
(١) كقوله في آخر حديث رقم (٣٣٢٩): "في هذا الحديث دليل أن الشجرة إذا كانت في الحرم، ولها أغصان في الحل أن حكم الأغصان بخلاف الأصل" وكإيراده قول مالك في إثر حديث رقم: (٣٠٥٤): "الصيام في السفر لمن قوي عليه حسن، وهو أحب إليّ".
(٢) مستخرج أبي نعيم (١/ ٢٨٩).
[ مقدمة / ٢٤٣ ]
الاستخراج، وأضاف أمرا آخر، وهو ما يتعلق بفقه الحديث استنباطًا، وهذه إضافة علمية جديرة بالاهتمام بها، لا سيَّما وقد قال الإمام مسلم في مقدمة الصحيح حين أجاب أحمد بن سلمة بن عبد الله الذي سأله تأليف الكتاب، أنه أحسن صناعة الكتاب، لكي لا يشغل السائل عما له قصد من التفهم في تلك السنن التي يوردها، والاستنباط منها (^١).
_________________
(١) صحيح مسلم (١/ ٣).
[ مقدمة / ٢٤٤ ]