لم تقف شخصية أبي عوانة عند معرفة الحديث وحفظه وروايته، بل اتسعت دائرته العلمية إلى ما هو أكثر من ذلك، فقد كان مع حفظه ﵀ فقيها مجتهدا، ولا شك أن هذا يعد من الخصال العزيزة التي قل أن تجتمع في عالم واحد، أعني الجمع بين الفقه والحديث على وجه التوسع، حتى قال الإمام الشافعي ﵀ لأحد تلامذته: "تريد أن تحفظ الحديث وتكون فقيها؟ هيهات، ما أبعدك من ذلك" (^١).
قال البيهقي ﵀ معلِّقًا على قولِ الشافعي: إنما أراد به حفظه على رسم أهل الحديث، من حفظ الأبواب والمذاكرة بها وذلك علم كثير، إذا اشتغل به فربما لم يتفرغ إلى الفقه .. " (^٢).
لكن الله ﵎ قد منّ بهذا على خلق من عباده، كان منهم الحافظ أبو عوانة ﵀.
وقد مرَّ الإمام أبو عوانة ﵀ بمراحل في تعلم الفقه والإمامة فيه.
فأما المرحلة الأولى: فهى التفقه بفقه الشافعي وأخذه عن كبار أصحاب الشافعي، فسمع كتب الشافعي من إسماعيل بن يحيى المزني (^٣)
_________________
(١) مناقب الشافعي للبيهقي (٢/ ١٥٢).
(٢) المصدر نفسه.
(٣) انظر: ترجمته في السير (١٢/ ٤٩٢).
[ مقدمة / ٤٤ ]
صاحب المختصر، والربيع بن سليمان المرادي (^١)، وكانا من كبار تلاميذ الشافعي والآخذين عنه (^٢).
ولما عاد أبو عوانة إلى إسفرايين؛ أظهر هناك فقه الشافعي ونشره بين الناس، وعده المؤرخون أول من أدخل فقه الشافعي إلى تلك الناحية، كما نص على ذلك الذهبي (^٣)، والسبكي (^٤)، والسخاوي (^٥) وغيرهم.
ومن خلال النظر إلى هذه المرحلة وكونها أخذت حقبة من الزمن من حياة الإمام أبي عوانة ﵀، نجد عناية أئمة الشافعية بشخصيته واعتباره من فقهائهم وأئمة المذهب عندهم، فقد نص غير واحد من الأئمة على انتسابه إلى المذهب الشافعي:
قال الذهبي: "وكان مع حفظه فقيها شافعيًّا إمامًا" (^٦).
كذا قال اليافعي (^٧) وابن العماد (^٨) وغيرهم، وترجم له في كتب
_________________
(١) انظر: ترجمته في تهذيب الكمال (٩/ ٨٧).
(٢) انظر: السير (١٤/ ٤٢٠).
(٣) انظر: السير (١٤/ ٤٢٠).
(٤) انظر: طبقات الشافعية الكبرى (٢/ ٤٨٧).
(٥) انظر: الإعلان بالتوبيخ (ص ١٩٠).
(٦) انظر: العبر في أخبار من غبر (١/ ٤٧٣).
(٧) انظر: مرآة الجنان (٢/ ٢٦٩).
(٨) انظر: شذرات الذهب (٤/ ٨٠).
[ مقدمة / ٤٥ ]
طبقات الشافعية (^١)، والحافظ ابن حجر يذكره ضمن فقهاء الشافعية (^٢).
وأما المرحلة الثانية: فهي بلوغ أبي عوانة ﵀ درجة الإمامة وحسن النظر في الأدلة، التي من خلالها استطاع أن يستنبط الأحكام من الأحاديث، ومما يدل على ذلك صنيعه في تراجم أبواب كتابه المستخرج، التي أبانت عن فقه وحسن نظر في الأحاديث ودلالاتها، ولذلك تعددت اختياراته ﵀، فتارة يوافق الجمهور، وتارة يخالفهم، وتارة يوافق الإمام الشافعي ويتأثر بمذهبه، وتارة يخالفه.
وهذا كله بحسب الاجتهاد في كل مسألة بالنظر للأدلة والنصوص.
ولتقرير ذلك نحتاج إلى عرض جملة من الأبواب والتراجم ليظهر للقارئ فقه أبي عوانة في تراجمه في المستخرج:
أولًا: الأبواب المتعلقة بالأحكام الفقهية.
ثانيًا: الأبواب المتعلقة بالعقائد والآداب والفضائل وغيرها.
أما ما يتعلق بالأحكام الفقهية فيمكن تقسيمه قسمين:
_________________
(١) انظر: طبقات الفقهاء الشافعية لابن الصلاح (٢/ ٦٧٩)، طبقات الشافعية الكبرى للسبكي (٣/ ٤٨٧ - ٤٨٨)، طبقات الشافعية للأسنوي (٢/ ٢٠٣ - ٢٠٤)، طبقات الفقهاء الشافعيين لابن كثير (١/ ٢٣٥ - ٢٣٦)، طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (١/ ١٠٤).
(٢) انظر: الفتح (٩/ ١٢).
[ مقدمة / ٤٦ ]
القسم الأول: الاختيارات التي وافق فيها أبو عوانة ﵀ مذهب الإمام الشافعي ﵀، ومن الأمثلة على ذلك:
ذكر أبو عوانة ﵀ في كتاب البيوع أنه لا يجوز بيع الثمر حتى يبدو صلاحه (^١) وهو:
١ - في النخل وما شابهه من الثمار أن تحمر أو تصفر أو يطيب أكله.
٢ - في الزرع حتى يبيضّ، ويأمن العاهة.
قال الشافعي ﵀: "ولا يحل بيعه قبل أن يبدو صلاحه"،
وقال مبينا معنى الصلاح كما جاء في الحديث: "أن يحمر ويصفرّ"، ثم بين بدوّ الصلاح في كل ثمرة (^٢)، ثم ذكر أبو عوانة مسألة لها تعلق بهذه المسألة، وهي بيع الزرع قبل أن يسنبل بأنه يجوز إذا أراد قطعه في الحال، وقد نص على هذا الإمام الشافعي (^٣).
وقال ﵀ باب حظر بيع المعاومة (^٤)، فبين أبو عوانة -
_________________
(١) انظر: باب حظر الثمر حتى يبدو صلاحها واستواؤها (تبويب حديث ٥٤٣٩)، وباب بيان تفسير بدو الصلاح في الثمرة، وأنه لا يحل بيعها حتى يؤكل منها، وعن بيع النخل حتى يحرز (تبويب حديث ٥٤٤٦)، وبيان حظر بيع السنبل حتى يبْيضّ، ويأمن العاهة (تبويب حديث ٥٤٥٨).
(٢) انظر: كتاب الأم (٣/ ٥٨) في كتاب البيوع، باب القت الذي يحل فيه بيع الثمار.
(٣) المرجع السابق (٣/ ٨٢)، باب بيع القمح في سنبله.
(٤) انظر: باب حظر بيع المعاومة (تبويب حديث ٥٥٢٢).
[ مقدمة / ٤٧ ]
﵀ أنَّ هذا البيع ممنوعٌ لما فيه من الغرر، والجهالة، وبه قال الشَّافعي (^١).
قال أبو عوانة ﵀: "بيان الحكم في نفقة المرأة على زوجها إذا حبسها عنها، والإباحة لها أخذها من ماله بالمعروف ولولدها من غير علمه" (^٢)، وهذا مذهب الشافعي (^٣).
قال أبو عوانة ﵀: "وبيان حظر أخذ الإبل الضوال، والدليل على أنّه إنْ أخذها وجب ردُّها على صاحبها، وإنْ ذهبت منه أو استهلكها وجب عليه ردُّ قيمتها عليه، وعلى أَنّ البعير إذا كان بمهلكة لا ماء عنده جاز له أخذه ليردّه على صاحبه … " (^٤).
قال الشافعي ﵀: "وإذا وجد الرجل ضالة الإبل لم يكن له أخذها، فإن أخذها ثمّ أرسلها حيث وجدها فهلكت، ضمن لصاحبها قيمتها … " (^٥).
ومن ذلك قوله ﵀ في كتاب الصيد: "باب بيان إباحة صيد
_________________
(١) انظر: الأم (٣/ ١٠٥) في كتاب البيوع، باب بيع الآجال.
(٢) انظر: الباب الثاني من كتاب الأحكام (تبويب حديث ٦٨٢٩).
(٣) انظر: الأم (٥/ ١٤٥).
(٤) انظر: الباب العاشر من كتاب الأحكام (تبويب حديث ٦٨٩٠).
(٥) الأم (٤/ ٨٤).
[ مقدمة / ٤٨ ]
دواب البحر " (^١).
فهذا التبويب من المصنف يدل على أنه يذهب إلى جواز صيد دواب البحر مطلقا، حيث لم يخص بكلامه دابة من دابة، وهو مذهب الإمام الشافعي الذي نص عليه في كتاب الأم: قال ﵀: "كل ما كان يعيش في الماء من حوت أو غيره بم فأخذه ذكاته" (^٢).
القسم الثاني: الاختيارات التي خالف فيها أبو عوانة ﵀ مذهب الإمام الشافعي ﵀.
فقد كان يجتهد في بعض المسائل، وربما كان ذلك خلاف قول الشافعي ومذهبه، وهذه بعض أمثلةٍ على ذلك:
١ - ترجم في الباب الثاني من كتاب الطهارة بإيجاب حلق العانة، وقص الشارب، وتقليم الأظفار، وقف الإبط، والتوقيت فيها، ومنه الختان، والسواك، وغسل البراجم وانتقاص الماء. والشافي -رحمه الله تعالى- لا يقول بالوجوب في بعض ذلك كنتف الإبط، وتقليم الأظفار، كما أشار إليه النووي ﵀ في شرح مسلم (^٣).
_________________
(١) انظر: تبويب حديث (٨٠٥٨).
(٢) الأم: (٢/ ٣٥٩، ٢/ ٣٢١)، وهذا الذي نقلته عن الشافعي من حل جميع صيد البحر؛ هو أصح الأقوال عند الشافعية، نص عليه شيخ المذهب النووي ﵀، انظر: روضة الطالبين (٢/ ٥٤٢)، والمجموع شرح المهذب (٩/ ٣٣)، كلاهما للنووي.
(٣) انظر: شرح صحيح مسلم للنووي (٣/ ١٤٨ - ١٤٩)، والمجموع (١/ ٢٨٣ - ٣٠٩).
[ مقدمة / ٤٩ ]
وقال ﵀ في كتاب الصلاة باب: "الدليل على إجازة صلاة الشاك فيها إذا كان أكثرُ وَهْمِه أنه الصواب، وإن لم يرجع إلى يقينه، إذا سجد سجدتي السهو، وصفة سجوده، وأنه يسجدهما بعد ما يسلم" (^١).
فخالف الشافعية هنا في مسألتين:
الأولى: العمل إذا شك المصلي، فعندهم (وكذلك الجمهور) الواجبُ هو الرجوعُ إلى اليقين، ولا يجزؤه التحَرِّي.
الثانية: موضع سجود السهو، فعند الشافعية سجود السهو كله قبل السلام.
والمصنف يوافق الإمام أحمد في كلتا المسألتين المذكورتين (^٢).
وقال أيضًا: "باب إيجاب سجدتي السهو على الساهي في صلاته، وعلى من زاد فيها أو نقص" (^٣).
فالقول بوجوب سجود السهو هو مذهب الحنفية، وليس بواجب عند الشافعية (^٤).
_________________
(١) انظر: تبويب حديث (١٩٦١).
(٢) انظر: الأم (١/ ١٥٤ - ١٥٥)، باب سجود السهو، الاستذكار (٤/ ٣٦٣ - ٣٦٤)، مختصر خلافيات البيهقي (٢/ ١٨٧).
(٣) انظر: تبويب حديث (١٩٨٤).
(٤) انظر: مختصر الخلافيات (٢/ ١٩٥).
[ مقدمة / ٥٠ ]
وقال أيضًا في الباب السابق: "الدليل على أن المصليَ إذا رجع إلى اليقين بأنه زاد في صلاته ركعة، سجد سجدتي السهو بعد ما يسلم " (^١).
فخالف الشافعيةَ في موضع السجود -كما سبق-.
وقول المصنف هنا أقرب إلى مذهب الحنابلة (^٢).
وقال أيضًا: "باب وجوب صلاة الكسوف" (^٣).
فخالفَ الشافعيةَ -بل الجمهورَ- بالقول بالوجوب، قال الحافظ ابن حجر في مشروعية صلاة الكسوف: "وهو أمر متفق عليه، لكن اخْتُلِفَ في الحكم وفي الصفة، فالجمهور على أنها سنةٌ مؤكدةٌ، وصرَّح أبو عوانة في (صحيحه) بوجوبها، ولم أَرَه لغيره إلا ما حكي عن مالك أنه أجراها مجرى الجمعةِ، ونقل الزينُ ابنُ المُنَيِّر عن أبي حنيفة أنّه أَوْجَبَها، وكذا نقل بعضُ مصنفي الحنفية أنها واجبة" (^٤).
_________________
(١) انظر: تبويب حديث (١٩٨٤).
(٢) انظر: الأوسط (٣/ ٢٨٥ - ٢٨٧).
(٣) انظر: تبويب حديث (٢٤٨٣).
(٤) فتح الباري (٢/ ٦١٢). تنبيه: ما نقله ابنُ المنيّر عن أبي حنيفة ﵀ من إيجاب صلاة الكسوف هو قولُ بعضِ مشايخهم، وأما الأصح عند الحنفية فكونها سنة. انظر: (تحفة الفقهاء) لعلاء الدين السمرقندي (١/ ٢٩٦)، حاشية الشلبي على (تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق) (١/ ٢٢٨)، البناية في شرح الهداية (٣/ ١٥٨).
[ مقدمة / ٥١ ]
وقال أبو عوانة ﵀ في كتاب الأحكام: " … بيان الخبر الدال على إبطال الحكم بقول السكران وما يلفظ ويقرُّ به على نفسه " (^١).
خلافًا لما ذهب إليه الشافعي، قال الشافعي: " … ولو شرب رجل خمرًا أو نبيذًا مسكرًا، فسكر لزمه ما أَقرَّ به" (^٢).
وقال -أيضًا-: "ومن شرب خمرًا أو نبيذًا فأسكره فطلّق لزمه الطلاق والحدود كلها … " (^٣).
وقد وافق المصنفُ في ذلك الحنابلة (^٤).
ثانيًا: فقهه واستنباطاته في أبواب العقائد والأحكام والآداب والفضائل وغيرها.
ظهر في تراجم الإمام أبي عوانة ﵀ عنايته بدلالة الأحاديث وتعظيمه لها، مع وضوح في العبارة وصراحة في الدلالة، وهذا غالب في تراجمه ﵀.
ومن ذلك قوله ﵀ في كتاب فضائل القرآن: باب ثواب الماهر بالقرآن والحافظ له … (^٥)، وساق تحته حديث عائشة ﵂
_________________
(١) انظر: الباب السابع عشر من كتاب الأحكام (انظر: تبويب حديث ٦٩١٨).
(٢) الأم (٣/ ٢٦٩).
(٣) الأم (٥/ ٣٦٤).
(٤) انظر: المغني (٧/ ٢٦٣)، الإنصاف (١٢/ ١٣٢).
(٥) انظر: تبويب حديث (٤٢٣٩).
[ مقدمة / ٥٢ ]
عن النبي ﷺ "الذي يقرأ القرآن وهو ماهر مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن -قال هشام: وهو عليه شديد. وقال شعبة: وهو عليه شاق. فله أجران" (^١).
وقوله في كتاب صلة الأرحام باب بيان ثواب المتحابين في الله ﷿ (^٢)، وساق حديث أبي هريرة، قال قال رسول الله ﷺ: "إن الله ﷿ يقول يوم القيامة: أين المتحابون بجلالي؟ اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي" (^٣).
ومما تجدر الإشارة إليه في خاتمة هذا المبحث التنبيه على حسن ترتيب الأبواب واندراج الأحاديث تحتها مما يساعد على معرفة الأدلة التي من أجلها استخلص الإمام أبو عوانة ﵀ الحكم في الترجمة:
فمن ذلك قوله في كتاب الأمراء: "بيان حظر طلب الإمارة والاستشراف لها، والدليل على إباحة الدخول فيها إذا قلدها من غير سؤال، وأن الإمام يجب عليه منعها من يسألها أو يحرص عليها" (^٤).
فهذا التبويب من المصنف قد اشتمل على أحكام واضحة لا تحتاج
_________________
(١) انظر: حديث (٤٢٣٩).
(٢) انظر: تبويب حديث: (١١١٩٩).
(٣) انظر: حديث (١١١٩٩).
(٤) انظر: تبويب حديث (٧٤٤٧).
[ مقدمة / ٥٣ ]
إلى شرح وبيان، وقد استدل لها المصنف بأحاديث عدة ساقها بأسانيده من طرق متعددة، منها حديث عبد الرحمن بن حمرة، أن رسول الله ﷺ قال: "يا عبد الرحمن لا تسأل الإمارة، فإنك إن أعطيتها عن مسألة وُكلت إليها، وإن أعطيتها من غير مسألة أعنت عليها" (^١).
ومنها حديث أبي موسى الأشعري ﵁ قال: "دخلت على النبي ﷺ أنا ورجلان من بني عمي، فقال أحد الرجلين: أمّرنا على بعض ما ولاك الله، وقال الآخر مثل ذلك، فقال: "إنا والله لا نولي هذا العمل أحدا سأله، ولا أحدا حرص عليه". (^٢)
وفي رواية أخرى أن النبي ﷺ قال: "ولكن يا أبا موسى، اذهب إلى اليمن أميرا". (^٣)
فأنت ترى أن الأحاديث التي أوردها المصنف واضحة الدلالة على ما بوب له من أحكام.
ومن ذلك أن أبا عوانة قد يعقد ترجمة تفيد حكما شرعيًّا، ويستدل لها بجملة من الأحاديث، ثم يعقد ترجمة أخرى بعدها، ويجعلها مخصصة للترجمة الأولى، ويسوق تحتها جملة من الأحاديث المخصصة للأحاديث
_________________
(١) انظر: حديث (٧٤٤٧).
(٢) انظر: حديث (٧٤٥٧).
(٣) انظر: حديث (٧٤٥٨).
[ مقدمة / ٥٤ ]
الواردة في الباب السابق، مما يدل على حسن تصرفه، وتفننه في إيراد التراجم للأبواب، فمن ذلك قوله في كتاب الأمراء: "بيان الأخبار الموجبة على الرعية فرضًا طاعة من يؤمر عليها، عبدا كان الأمير أو غيره". (^١)
ثم ساق المصنف تحت هذه الترجمة جملة من الأحاديث الدالة على فرضية طاعة الأمراء كحديث أم حصين الأحمسية قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن استعمل عليكم عبد حبشي يأخذكم بكتاب الله، فاسمعوا وأطيعوا" (^٢).
وحديث أبي ذر ﷺ قال: "أوصاني خليلي أن أسمع وأطيع ولو لعبد مجدّع الأطراف" (^٣).
ثم لما فرغ المصنف من هذا الباب؛ قال: "بيان الأخبار المبيحة ترك طاعة الأمير إذا أمر بمعصية، ووجوب طاعته في جميع ما يدعو إليه من إجابته واتباعه في غير معصية" (^٤)، فأنت تلاحظ أن هذا التبويب مخصص للتبويب السابق، لأن السابق يفيد وجوب طاعة الأمير مطلقا، بينما هذا التبويب يخص الوجوب بما لم يؤمر الأمير بمعصية، فحين ذاك لا تجب طاعته، بل تحرم.
_________________
(١) انظر: تبويب حديث (٧٥٣٨).
(٢) انظر: حديث (٧٥٣٨)، (٧٥٤١).
(٣) انظر: حديث (٧٥٤٢)، (٧٥٤٥).
(٤) انظر: تبويب حديث (٧٥٤٩).
[ مقدمة / ٥٥ ]
ثم استدل المصنف لهذا التخصيص بما ساقه من طرق عدة عن ابن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "السمع والطاعة على المرء فيما أحب أو كره، إلا أن يؤمر بمعصية، فلا سمع ولا طاعة" (^١).
وكذا استدل بما أسنده من طرق عن علي بن أبي طالب ﵁ أن النبي ﷺ استعمل رجلا من الأنصار على جيش، وأمرهم أن يطيعوه، فأجج لهم نارًا، وأمرهم أن يقتحموها، فهم قوم أن يفعلوا، وقال آخرون: إنما فررنا من النار، فأبوا، ثم قدموا على رسول الله ﷺ فذكروا ذلك له، فقال رسول الله ﷺ: "لو وقعوا فيهما ما خرجوا منها إلى يوم القيامة، لا طاعة في معصية الله، إنما الطاعة في المعروف" (^٢).
ودلالة الأحاديث على ما ذهب إليه المصنف من التخصيص صريحة، مما لا يحتاج إلى إيضاح وشرح.
ومن ذلك أن المصنف إذا بوّب لحكم شرعي، وكانت الأدلة الدالة عليه تفيد جوازه بشرط أو قيد فإنه يذكره في التبويب ولا يهمله، مما يؤكد دقة فهم المصنف لما يرويه من النصوص.
فمن ذلك قوله: "بيان الخبر المبيح مسابقة الخيل المضمّرة وغير
_________________
(١) انظر: حديث (٧٥٤٩).
(٢) انظر: حديث (٧٥٥٣).
[ مقدمة / ٥٦ ]
المضمّرة، إذاكان مبدأها ومنتهاها معلومة"، ثم استدل على هذا بما أخرجه من طرق عدة عن ابن عمر، أن النبي ﷺ: "سابق بين الخيل التي قد أضمرت من الحفياء، وكان أمدها ثنية الوداع، وسابق بين الخيل التي لم تضمر، من الثنية إلى مسجد بني زريق، وأن ابن عمر كان ممن سابق بها".
فهذا النص أفاد جواز المسابقة بين الخيل، لكن بشرط، وهو ما ذكره المصنف بقوله: "إذا كان مبدأها ومنتهاها معلومة"، أي إنه لا بد أن تكون المسافة محددة، وأن يكون لابتداء عدو الخيل وآخره غاية معلومة، لأن الغرض هو معرفة الأسبق منها، ولا يعلم ذلك إلا بتساويها في الابتداء والغاية.
والحاصل: أن المصنف ﵀ قد أفاد كل ذلك من خلال التبويب الذي وضعه للمسألة، وإن شئت أن تعرف دقة تبويب المصنف ﵀، فقارن بين تبويبه الذي وضعه لهذه المسألة، وبين تبويب الإمام النووي الذي وضعه لها في صحيح مسلم، فقد قال النووي ﵀ مبوبا لحديث ابن عمر في المسابقة: "باب مسابقة بين الخيل وتضميرها" (^١)، بينما قال المصنف: "بيان الخبر المبيح مسابقة الخيل المضمرة وغير المضمرة، إذا كان مبدأها ومنتهاها معلومة"، فالنووي ﵀ لا نستطيع من
_________________
(١) انظر: صحيح مسلم، كتاب الإمارة، باب المسابقة بين الخيل وتضميرها: (٣/ ١٤٩١).
[ مقدمة / ٥٧ ]
خلال تبويبه السابق أن نعرف حكم المسابقة بين الخيل، فضلا عن الشرط اللازم فيها، على حين أن تبويب أبي عوانة قد تكفل ببيان حكم المسألة وشرطها بغاية الصراحة والوضوح.
وكذلك نجده ﵀ يتفنن في دقة الاستنباط من الحديث.
ومن ذلك: قوله في كتاب فضائل القرآن: باب ذكر الخبر الموجب لاستذكار القرآن ودراسته، وأن حامله إذا قام به فقرأه بالليل والنهار ذكره، وإن لم يقم به نُسِّيه، والدليل على أنه إذا غفل عن تعاهده نُزِعَ منه (^١).
وساق حديث ابن مسعود رفعه إلى النبي ﷺ: "تعاهدوا القرآن، فإنه أشد تَفَصِّيًا من صُدُورِ الرجال مِنَ النَّعَمِ مِنْ عُقُلها، بِئْسَ ما لأَحَدِهم أن يقولَ: نَسِيتُ آية كيتَ، كيتَ" (^٢).
وقوله في كتاب القدر: "باب الخبر الدال على أنَّ المولود يولد على الخلقة التي قدره الله عليه في سابق علمه، وإنه إن كان في القدر المقدور سعيدا؛ لا يضره تهويد أبويه، ولا تنصيرهما إياه، ويختم الله له بما قدر عليه، وإنه إن كان الله قدر عليه في سابق علمه الشقاء؛ لم ينفعه إسلام أبويه، وختم له بالشقاء … (^٣). وساق حديث أبي هريرة: "كل مولود يولد على
_________________
(١) انظر: تبويب حديث (٤٢٥١).
(٢) انظر: حديث (٤٢٥١).
(٣) انظر: تبويب حديث (١١٦٦٩).
[ مقدمة / ٥٨ ]
الفطرة " الحديث (^١).
وهذا المذهب الذي سلكه المصنف ﵀؛ هو المذهب الحق الذي قال به أئمة السنة، كالأوزاعي، ومالك، وأحمد .. وغيرهم (^٢).
_________________
(١) انظر: حديث (١١٦٦٩).
(٢) انظر: أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٣/ ٥٦٣)، شفاء العليل (ص ٥٦١)، المسائل والرسائل عن الإمام أحمد (١/ ١٨١).
[ مقدمة / ٥٩ ]