١ - اجتمعتا في أن مقدمة الكتابين: بدأت بالحمد والثناء على الله ﷿، والصلاة على رسوله ﷺ، والحث على اتباع سنَّته ﷺ بعبارات متقاربة المعاني.
٢ - ذكر أبو عوانة في مقدمته حديثًا واحدًا وأثرًا واحدًا عن الزهريّ في الاعتصام بالسنة، ولم يذكر منهجه في كتابه، ولا سبب تأليفه له، بل بدأ بعد ذلك مباشرة في الاستخراج على كتاب الإيمان من صحيح مسلم.
وأما أبو نعيم فقد نبَّه -بعد الحمد والثناء- على ضرورة معرفة أحوال الرواة لتعذُّر التمييز بين صحيح الأخبار وسقيمها إلا بذلك (^١).
وعقد بابًا في "ذكر المأثور عن النبي ﷺ من إخباره بحدوث (^٢) الاختلاف، وإيصائه ﵇ بلزوم سنَّته، وسنَّة المهديين من بعده"، ذكر فيه حوالي أربعين رواية في الحث على التمسك بسنَّته ﷺ، وسنة الخلفاء المهديين من بعده، والترغيب في نشرها، والترهيب من الكذب عليه ﷺ، وتخللت هذه الروايات أحيانًا تعليقات له في تعليل بعض هذه الطرق، وتفسير شيءٍ منها ونحو ذلك (^٣).
_________________
(١) انظر: مستخرج أبي نعيم الأصبهاني (١/ ٣٤).
(٢) كذا في النسخة التي حقَّقها الشيخ مقبل الرفيعي ولعله الصواب، وفي المطبوع من المستخرج: "عددت" بدل: "بحدوث".
(٣) انظر: مستخرج أبي نعيم (١/ ٣٥ - ٥١).
[ مقدمة / ٢٣٨ ]
وذكر أيضًا آثارًا عن أئمة أهل الحديث في تلك المعاني الواردة في الأحاديث، وفي تجريح الرواة كشف عُوارهم نصحًا للمسلمين (^١)، ولم يرد مثل ذلك عند أبي عوانة.
٣ - سرد أبو نعيم -بعد ذلك- طائفةً من المجروحين والضعفاء ممن ضُعِّفوا، أو وُجدت في رواياتهم المناكير والموضوعات والأباطيل، وبلغ عددهم (٢٨٩ راويًا) (^٢)، ونقل في تراجم أكثرهم أقوال أئمة الجرح والتعديل فيهم من التضعيف، ثم لما انتهى من سرد الأسماء ذكر أسانيده إلى هؤلاء الأئمة الذين نقل عنهم الجرح (^٣).
٤ - ثم تعرَّض أبو نعيم -بعد هذا- لشيءٍ من منهج صاحب الأصل المخرَّج عليه -وهو الإمام مسلم- في كتابه (^٤)، وهو الذي ذكره مسلم في مقدمة صحيحه (^٥)، ولم يفعل ذلك أبو عوانة.
_________________
(١) انظر: المصدر نفسه (١/ ٥١ - ٥٦).
(٢) وقد طبع هذا القسم من الكتاب -أعني ذكر أسماء الضعفاء مرتبين على حروف المعجم- منفصلًا عن المستخرج باسم "كتاب الضعفاء" لأبي نعيم الأصبهاني، تحقيق د. فاروق حمادة، وعدَّه مؤلَّفًا مفردًا لأبي نعيم!. انظر: ص (١٩ و٢٩) وذكر -ص: ٣٢ - أن مؤلفه استخرجه من كتابه: "المستخرج على صحيح مسلم"، ولم يذكر مستنده على ذلك، ولم يَنقل عن أبي نعيم نفسه أنه أفرده من المستخرج.
(٣) انظر: مستخرج أبي نعيم (١/ ٨٨).
(٤) انظر: مستخرج أبي نعيم (١/ ٨٨).
(٥) انظر: مقدمة صحيح مسلم (١/ ٤) وما بعدها.
[ مقدمة / ٢٣٩ ]
٥ - خلص أبو نعيم -بعد ذلك- إلى الكلام عن شيءٍ من منهجه في كتابه المستخرج، وسبب تأليفه له فقال: "عَمَدْنا إلى الأصول التي خرَّجها، والأبواب التي لخَّصها؛ فَتَتَبَّعْنا -على كتابه وتراجمه- عن شيوخنا كتابًا يكون عوضًا لمن فاته سماع كتابه، وذكرتُ -في كتابي- شيوخه الذين روى عنهم ذلك الباب -أو الحديث- حتى أنتهيَ إلى الرجل الذي جمعني وإياه في إسناد الحديث مستعينًا بالله على ذلك، ومتوكلًا عليه في ذلك … (^١) ".
وقد زاد أبو نعيم على هذا أيضًا: أنَّه استخرج على الأحاديث والآثار التي في مقدمة صحيح مسلم التي فيها الترهيب من تعمُّد الكذب على رسول الله ﷺ، والضعفاء والكذابين ومن يُترك حديثهم (^٢).
فكأنه بذلك أراد أن يتابع مسلمًا ويشابهه في طريقته في المقدمة، فمسلمٌ رحمه الله تعالى ذكر في مقدمته: "سبب تأليف كتابه، وتعرَّض لكثير من الفوائد والأصول المتعلِّقة بالرواية؛ كتقسيم الرواة، وبيان توضيح مراتبهم المختلفة، فإن كان هناك جرح صحيح في الراوي، فينبغي أن يذكر بدون تردد، وهو أمر جائز ومشروع، والإسناد من الدين فيجب أن تؤخذ بكل شدة في الرواية، والمنع من قبول الرواية بلا تحقيق، ووجوب الاحتياط في
_________________
(١) انظر: مستخرج أبي نعيم الأصبهاني -تحقيق الشيخ مقبل الرفيعي (١/ ٢٨٩).
(٢) انظر: مقدمة صحيح مسلم (١/ ٩ - ١٤)، ومستخرج أبي نعيم (١/ ٩٣ - ٩٧).
[ مقدمة / ٢٤٠ ]
قبول الضعفاء، وتقبل العنعنة بشرط المعاصرة بين الراوي والمروي عنه، ولا يشترط ثبوت اللقاء، والكلام في الرواية بالمعنى (^١).
فتميَّز مستخرج أبي نعيم عن مستخرج أبي عوانة -من هذه الحيثية- بفوائد غزيرة ونكات جليلة، وكان أكثرَ منهجيةً -في هذا- بالنسبة لأبي عوانة؛ رحم الله الجميع.
_________________
(١) انظر: الإمام مسلم بن الحجاج ومنهجه في الصحيح، وأثره في علم الحديث للشيخ مشهور بن حسن آل سلمان (١/ ٣٤٥ - ٣٤٦).
[ مقدمة / ٢٤١ ]