ذكر الحافظ الذهبي عن مستخرج أبي عوانة أن له فيه زيادات عدة (^١)، وكذلك قال الحافظ ابن حجر (^٢)، وأما مستخرج أبي نعيم فلم ينقل عنه أن فيه زوائد، ولم أجد شيئًا منها في القسم الذي عليه الدراسة (^٣)، واعتبرت أربعة ضوابط لاعتبار الحديث من الزوائد، وهي:
١ - أن يكون متن الحديث لم يخرج في الأصل بلفظه أو بمعناه، لا من حديث الصحابي الذي رواه، ولا من حديث غيره.
٢ - أن يكون من الحديث الزائد قد خرج في الأصل لكن عن صحابي آخر غير الذي روى الحديث الزائد.
_________________
(١) تذكرة الحفاظ (٣/ ٧٧٩).
(٢) النكت على كتاب ابن الصلاح (١/ ٢٩٢).
(٣) تقدَّم أنَّ دراسة مقارنة الكتابين في الأحاديث الزوائد، أجريت على جزء من مستخرج أبي عوانة من حديث رقم: (٣٠٠٩ إلى ٣٤٠٧)، أعدها الدكتور بشير على عمر، وفي مجموع الكتاب يزيدُ عدد الأحاديث الزائدة على (٤٥٢) حديثا، كما تقدَّم الكلام عليه بالتفصيل في المطلب الأول، من المبحث السابع في الفصل الثاني، وقد يَعمد أبو عوانة إلى عقد باب للأحاديث الزائدة على مسلم، كما فعل ذلك في كتاب الاستسقاء، فقال: "زيادات في الاستسقاء ما لم يخرجه مسلم"، أورد تحته سبعة عشر حديثا، منها خمسة عشر حديثًا زائدًا، وحديثان التقى فيهما مع مسلم فيمن هو فوق شيخه. انظر الأحاديث: من رقم (٢٥٦٧) إلى رقم (٢٥٨٣).
[ مقدمة / ٣٩٤ ]
٣ - أن يكون متن الحديث الزائد قد خرج في الأصل عن الصحابي نفسه لكن فيه زيادة مؤثرة ليست في الأصل.
٤ - أن ينص المؤلف على أنه من الزوائد، وإن لم يتوفر فيه ضابط من الضوبط المتقدمة (^١).
وجملة ما وقع عند الحافظ أبي عوانة (^٢) من طرق الأحاديث الزوائد ٤١ طريقًا لسبعة عشر حديثا، فالتي لم تخرج في الأصل لا بلفظها ولا بمعناها هي:
حديث أسماء بنت أبي بكر (ح ٣٠٦١): أفطرنا على عهد رسول الله ﷺ في يوم غيم ثم طلعت الشمس.
وحديث عبد الله بن عباس في فضل العمل في الأيام العشر من ذي الحجة (ح ٣٢٣٨ - ٣٢٤٠)، وهذان في صحيح البخاري.
ومنها حديث أبي سعيد الخدري في النهي عن صوم المرأة تطوعا إلا بإذن زوجها (ح ٣١٦١ - ٣١٦٣)، وهو صحيح على شرط الشيخين.
ومنها حديث أبي بن كعب في اعتكافه ﷺ عشرين يومًا (ح ٣٣٠٠)، وهو صحيح على شرط مسلم.
ومنها ما يسوقه للمتابعة أو الاستشهاد لحديث من الزوائد، كما فعل
_________________
(١) انظر هذه الضوابط الثلاثة الأولى في: علم زوائد الحديث (ص ٦٧ - ٦٩).
(٢) في الجزء الذي أجريت عليه الدراسة.
[ مقدمة / ٣٩٥ ]
في حديث ابن عباس سالف الذكر، فساق متابعات له (ح ٣٢٤٥، ٣٢٤٦، ٣٢٥١)، وشواهد:
منها ما هو صحيح لذاته، كحديث ابن مسعود (ح ٣٢٤٧)، وحديث عند الله بن عمرو (ح ٣٢٤٩).
ومنها ما هو حسن، كحديث جابر (ح ٣٢٤٣).
ومنها ما هو معلول، كحديث ابن عمر (ح ٣٢٤٤)، وحديث أبي هريرة (ح ٣٢٤١، ٣٢٤٢، ٣٢٤٨)، كحديث جابر (ح ٣٢٥٠)، فهذا النوع يخرجه أبو عوانة لأن أحاديثه تضمنت أصولا تستحق الذكر في أبواب الكتاب لكنها لم تذكر في الأصل، فذكرها جبرًا لهذا النقص.
النوع الثاني منه: حديث ابن عمر، وعائشة، وأبي هريرة (^١)، في الزكاة بلفظ: "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة"، أوردها شواهد لحديث أبي سعيد الخدري الذي خرجه في الأصول، وحديث ابن عمر معلول، الصحيح أنه موقوف، وحديث عائشة ضعيف جدًّا فيه صالح بن موسى الطلحي متروك؛ وحديث أبي هريرة فيه علة في بعض طرقه، ذكرها ثم ذكر الطريق السالمة من العلة، وهو حسن.
ومنه أيضًا حديث ابن عمر: "فيما سقت السماء، والعيون، والأنهار، العشر، وفيما سقي بالنضح نصف العشر"، وهو عند البخاري، وحديث
_________________
(١) انظرها بأرقام: (٣٣٥٢ - ٣٣٦١ - ٣٣٦٢ - ٣٣٦٤).
[ مقدمة / ٣٩٦ ]
عمر بن الخطاب نحوه موقوفًا (^١)، أوردهما شاهدين لحديث جابر الذي أخرجه مسلم، وأخرجه أبو عوانة أيضًا (ح ٣٣٦٦)، لكن أورد الحديث من ثلاثة طرق ليشير إلى اختلاف في الموضعين: الأول بين نافع وسالم.
الثاني: بين عبيد الله وأخيه عبد الله في نافع، والحديث من الأحاديث التي اختلف فيها نافع وسالم، واختلف الحفاظ في الترجيح بينها، فأعرض عنه مسلم، لكن المصنف أورده وأشار إلى الاختلاف، ويبدو أن أبا عوانة يورد هذا النوع لا ليشير إلى شواهد لأحاديث الأصل فحسب، بل ربما ليدل على علة ما لم يخرجه صاحب الأصل مع كونه من أحاديث الباب، فيستفاد من صنيعه هذا الوقوف على عملية الانتقاء عند صاحب الأصل، فكأنه يقول: في هذا الباب الأحاديث الفلانية لم يخرجها صاحب الأصل لما فيها من العلل التي أشرت إليها، والله أعلم.
النوع الثالث منه: حديث أبي هريرة: "لا تصوم المرأة وبعلها شاهد إلا بإذنه في غير شهر رمضان"، أخرج مسلم الحديث من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن همام، عن أبي هريرة، وليس فيه: "في غير شهر رمضان"، فاعتبرته من الزوائد من أجل هذه الزيادة في الطرق التي ذكرت، والطريق التي ليس فيها الزيادة لم أعتبرها من الزوائد (^٢)، والإمام مسلم أخرج الحديث في كتاب الزكاة لما فيه من ذكر نفقة الزوجة من كسب زوجها بغير
_________________
(١) انظرهما برقم: (٣٣٦٧ - ٣٣٦٩).
(٢) انظر الطرق من حديث رقم (٣١٦٤ - ٣١٦٧)، الآخرة هي التي ليست من الزوائد.
[ مقدمة / ٣٩٧ ]
إذنه (^١)، ولم يعده في كتاب الصيام مع اشتماله على أصل من أبوابه، فأورده أبو عوانة شاهدًا لحديث أبي سعيد الخدري السالف الذكر (ح ٣١٦١ - ٣١٦٢)، مقتصرًا على ذكر موضع الشاهد منه وأتى في بعض طرقه بالزيادة المقيدة لمطلق النهي، وساقها من عدة طرق ليدل على ثبوتها وعدم شذوذها.
النوع الرابع: وهو ما نص الحافظ أبو عوانة على أنه من زياداته، ولم يتوفر فيه ضابط من الضوابط الثلاثة الأولى، فيه حديث أبي سعيد، وحديث جابر، كلاهما بلفظ: "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة" الحديث، أورد للأول طرقا غير طرق يحيى بن عمارة، عن أبي سعيد، التي أخرج الإِمام مسلم الحديث منها؛ وأورد للثاني طرقا غير طريق أبي الزبير، عن جابر، التي هي عند مسلم (^٢)، وفي بعض تلك الطرق زيادات على ما عند صاحب الأصل فتلتحق تلك الطرق بالقسم الذي قبله، كما أن بعض هذه الطرق فيها الصحيح (^٣)، وفيها ما أعل بانقطاع يسير (^٤)، أو خطأ في تسمية بعض رواته (^٥)، أو بالمخالفة لمن هو أولى
_________________
(١) صحيح مسلم -كتاب الزكاة -باب ما أنفق العبد من مال مولاه (٢/ ٧١١).
(٢) انظر لحديث أبي سعيد الخدري: (ح ٣٣٥٣ - ٣٣٥٧)، ولحديث جابر: (ح ٣٣٥٨ - ٣٣٦٠، و٣٣٦٥).
(٣) حديث رقم: (٣٣٥٤).
(٤) حديث رقم: (٣٣٥٣).
(٥) حديث رقم: (٣٣٥٥، ٣٣٥٦).
[ مقدمة / ٣٩٨ ]
منه (^١)، وهذا أيضًا مما يجوز أن يكون مما يورده أبو عوانة ليدل على ما فيه من علل كانت سببًا في عدم رواية الإِمام مسلم له، كما سبق نظيره في النوع الثالث، والله أعلم.
فبهذا القدر يتبين أن ما قاله الحافظ ابن حجر عن مستخرج أبي عوانة أن له زيادات مستقلة أثناء الأبواب، وفيها الصحيح، والحسن، والضعيف، والموقوف، صحيح من حيث الجملة وفق ما في القسم المخصص لهذه المقارنة من كتابي الصوم والزكاة، وأما بالتفصيل الذي تقدم فالأحاديث المستقلة المشتملة على متون غير مروية في الأصل إطلاقا، فليس فيها إلا الصحيح، وما ورد منها من الضعيف، فإنما جاء شاهدًا للصحيح، وأما التي يوجد أصل متنها عند صاحب الأصل، فقد يوجد فيها الأنواع التي ذكرت، لكنها في موضع الاستشهاد، أو مساقة لبيان علتها، وكذلك الحال في التي اشتملت على زيادة عنده ليست في الأصل.
_________________
(١) انظر طرق حديث جابر برواية عمرو بن دينار عنه، وهي: (٣٣٥٧، ٣٣٥٨، ٣٣٥٩، ٣٣٦٥).
[ مقدمة / ٣٩٩ ]