أكثرُ رجال أبي عوانة في مستخرجه ثقات أو في حيز الاحتجاج، وهذا ظاهر لمن تأمل تراجمهم، وذلك أن كتاب أبي عوانة هو في الأصل مستخرج على صحيح مسلم، وهو يلتقي مع مسلم في أغلب الأحيان في شيخه أو شيخ شيخه، ورجالِ أَبي عوانة في الغالب هم رجالُ مسلمٍ الذين أخرج لهم في الصحيح، لكن مع هذا فقد أخرج أَبو عوانة في كتابه لجماعة من الضُّعفاء، بل وفيهم بعضُ المتروكين والكذابين، لكن على سبيل الندرة (^١)، وليس هذا غريبا، لأن أصحاب المستخرجات ومنهم أَبو عوانة، إنما جل قصدهم أن يعلو إسنادهم في الأحاديث التي يخرجونها، ويجتهدون أن يكونوا هم والمخرَّج عليهم سواء، فإن فاتهم ذلك فأعلى ما يرونه، فمن ثم فإنهم لا يلتزمون في أسانيدهم الصحَّة، لأنَّ هذا ليس هو قصدَهم الأصليّ، فمثلا ربَّما لا يقع لأبي عوانة الحديث إلا من طريقِ رجلٍ ضعيف، فيتساهلُ في ذلك، لأن أصل الحديث صحيح معروف، من غير طريق ذاك الضعيف، والقصد إنما هو العلو وقد حصل (^٢).
وإذا نظرنا إلى مستخرج أبي عوانة وحال رجاله، فيما بينه وبين ملتقى
_________________
(١) راجع ما تقدم تقريره في المبحث الرابع من هذا الفصل.
(٢) انظر: النكت (١/ ٢٩٣)، وفتح الباري (١٣/ ٨٨)، فتح المغيث (١/ ٤٦)، تدريب الراوي (١/ ١١٥)، التنكيل (١/ ٤٤٣ - ٤٤٤).
[ مقدمة / ٩١ ]
إسناده مع إسناد مسلم؛ نجدهم يختلفون في درجاتهم، فغالبهم ثقات، ومن سواهم وهم قلة على أنواع:
أ- من يكتب حديثه مثل:
١ - مسلم بن خالد القرشي (^١).
٢ - العلاء بن هلال الرقي (^٢).
٣ - زمعة بن صالح (^٣).
ب: ضعيف لا يعتبر بحديثه -وهم قليل- منهم:
١ - أشعث بن سوَّار الكندي (^٤).
٢ - بكار بن محمد (^٥).
٣ - أحمد بن محمد بن يحيى الحضرمي (^٦).
جـ: من لا يعرف فيه جرح ولا تعديل، مثل:
١ - فضل بن عبد الجبار (^٧).
_________________
(١) انظر: حديث رقم (٧٠٣٩).
(٢) انظر: حديث رقم (٣٤٧).
(٣) انظر: حديث رقم (٦٨٠٨).
(٤) انظر: حديث رقم (٢٣٢٨).
(٥) انظر حديث رقم (٨٥٤٢).
(٦) انظر: حديث رقم (٢٣٤٧).
(٧) انظر: حديث رقم (٦٥).
[ مقدمة / ٩٢ ]
٢ - محمد بن عمرو بن نافع (^١).
د: من اتهم بالكذب مثل:
١ - عبد الله بن عمرو الواقعي (^٢).
٢ - إسماعيل بن إبراهيم أَبو الأحوص الإسفراييني (^٣).
٣ - جعفر بن عبد الواحد (^٤).
٤ - عبد الرحمن بن عمرو بن جبلة (^٥).
٥ - خالد بن يزيد العمري (^٦).
وإجمالا فرجال أبي عوانة ينطبق عليهم ما تقدم نقلُه (^٧) عن الحافظ ابن حجر في قوله: إن من فوائد المستخرجات: "الحكم بعدالة من أخرج له فيه -أي صاحب المستخرج-، لأن المُخَرِّج على شرط الصحيح يلزمه أن لا يُخَرِّج إلا عن ثقة عنده، فالرجال الذين في المستخرج ينقسمون أقسامًا فهم:
أ- من ثبتت عدالته قبل هذا المُخَرِّج، فلا كلام فيهم.
_________________
(١) انظر: حديث رقم (٨٦٩٧).
(٢) انظر: حديث رقم (٧١٤).
(٣) انظر: حديث رقم (١٣٥).
(٤) انظر: حديث رقم (٨٧١٦).
(٥) انظر: حديث رقم (٨٨٣٤).
(٦) انظر: حديث رقم (٨٨٣٦).
(٧) انظر: المبحث الرابع من الفصل الأول ص (٣٣).
[ مقدمة / ٩٣ ]
ب - ومنهم من طعن فيه غير هذا المُخَرِّج فينظر في ذلك الطعن إن كان مقبولًا فيقدم وإلا فلا.
جـ - ومنهم من لا يعرف لأحد قبل المخرج فيه توثيق ولا تجريح فتخريج من يشترط الصحة لهم ينقلهم من درجة من هو مستور إلى درجة من هو موثوق، فيستفاد من ذلك صحة أحاديثهم التي يروونها بهذا الإسناد ولو لم يكن في ذلك المستخرج والله أعلم".
[ مقدمة / ٩٤ ]