سلك كثير من المحدثين ﵏ في التصنيف طريقة الترتيب على الأبواب، كل باب يتناول موضوعا معينا، وتمتاز هذه الطريقة على طريقة الترتيب على المسانيد في أنها تقرب من التفقه في الأحاديث، الذي هو الغاية من جمعها، كما أنها تسهل على القارئ الوقوف على حديث معين، والإمام مسلم ﵀، كما قال الحافظ ابن الصلاح: "رتب كتابه على الأبواب، فهو مبوب في الحقيقة، لكنه لم يذكر تراجم الأبواب" (^١)، وأهمية التراجم تكمن في أنها هي التي تكشف عن فقه الكتاب، كما نقل ناصر الدين بن المنير عن جده: "كتابان فقههما في تراجمهما: كتاب البخاري في الحديث، كتاب سيبويه في النحو" (^٢)، كل من الحافظ أبي عوانة، والحافظ أبي نعيم رحمهما الله بوب كتابه وذكر تراجم الأبواب، إلا أن المقارنة بينهما في صياغتهما للتراجم، تبدي بونا شاسعا بينهما.
فأما الحافظ أبو عوانة، فيتلخص منهجه في التراجم في النُّقاط التالية:
١ - تطويلُه للتراجم، وذكره لمسائل كثيرة فيها، تصلح كل واحدة منها أن تُفرد بترجمة، وهو كثير في الكتاب، ومن أطول ما وقع له من ذلك قوله: "باب بيان خروج النبي ﷺ من بيته بالليل إلى المسجد لصلاة الليل، ورفع
_________________
(١) صيانة صحيح مسلم (ص ١٠١).
(٢) المتواري على أبواب البخاري (ص ٣٧).
[ مقدمة / ٢٦٨ ]
صوته في الصلاة، وصلاة أصحابه خلفه بصلاته، والإباحة للإمام أن يحتجر من المسجد حجرة لصلاته فيها، والإباحة للمصلي أن يصلي بصلاة من يحول بينه وبين النظر إليه جدار أو سترة، وإباحة صلاة التطوع في المسجد بالليل، وأنها في البيت أفضل منها في المسجد، والترغيب في الدوام على صلاة يصليها، وأنها، وإن قلت، أفضل من الصلاة التي لا يداوم عليها صاحبها، وإن كثرت"، فقد ذكر في هذه الترجمة ثمان مسائل، كل واحدة تصلح أن تفرد بترجمة، وقد يذكر تحت التراجم الطويلة عدة أحاديث، كما في هذه الترجمة، وقد يكون تحت الترجمة حديث واحد، كما ذكر -في باب صفة بدو اعتكاف النبي ﷺ في المسجد في شهر رمضان …، وباب الدليل على إيجاب الاعتكاف في شهر رمضان في العشر الأواخر … - عدة مسائل في الترجمتين، ولم يورد في الترجمتين إلا حديثا واحدًا، وهذا التطويل قد تكون عليه فيه مؤاخذة، إلا أن العذر له في ذلك أنه لو قصر التراجم، واقتصر على إفراد كل مسئلة بترجمة، لاقتضى ذلك كثرة تكراره للحديث الواحد، أو تقطيعه له حسب استدلاله به، كل واحد من الأمرين يخرج الكتاب عن أصل منهج مصنف الأصل، الذي هو تجنب التكرار الكثير، والتقطيع للحديث.
٢ - يذكر من تراجمه ما تعتبر تراجم ظاهرة، وهي التي تكون دلالتها على ما يورد تحتها من الأحاديث بالمطابقة، فمنها ما يتضمن مجرد الإخبار من غير تعرض لأمر زائد، ومنها ما يتضمن الإخبار بالإيجاب، إما بالفعل،
[ مقدمة / ٢٦٩ ]
وإما بالترك، فمن الأول، قوله "باب صفة بدو عاشوراء، وأمر النبي ﷺ أصحابه بصومه"، ومن الثاني قوله: "باب الخبر الموجب على ولي الميت قضاء صوم منه إذا مات وعليه صوم واجب"، ومن الثالث قوله "باب بيان الأيام التي نهى النبي ﷺ عن صيامهن، منهن صوم يوم الفطر ويوم الأضحى".
٣ - يذكر من تراجمه نوعا آخر تعتبر تراجم استنباطية، وهي التي تكون المطابقة بين الترجمة والأحاديث فيها بنوع من الاستنباط، فمنها ما تكون المطابقة فيها بالعموم والخصوص، بأن تكون الترجمة عامة، والحديث خاصا، أو العكس، كأن الترجمة تقول: المراد من هذا الحديث الخاص العموم، أو العكس، إشعارا بالقياس لوجود العلة الجامعة، أو بالاندراج تحت حكم عام بالقياس الأولوي (^١)، مثاله قوله في باب من كتاب الزكاة: "باب ذكر الخبر الدال على إيجاب الزكاة في كل حب اتخذ منه الطعام ويدخر له، إذا بلغ خمسة أوسق"، فذكر حديث أبي سعيد الخدري: "ليس فيما دون خمسة أوساق من تمر ولا حب صدقة" (^٢)، فالحديث خاص والترجمة عامة، مشعرا بأن التعميم مأخوذ من طريق قياس العلة، ومن الثاني قوله في باب
_________________
(١) انظر أمثلة ذلك من تراجم البخاري في المتواري على أبواب البخاري (ص ٣٧)، وهدي الساري (ص ١٣)، ومن تراجم الترمذي، الإمام الترمذي والموازنة بين جامعه وبين الصحيحين (ص ٢٨٨).
(٢) حديث رقم: (٣٣٤٦).
[ مقدمة / ٢٧٠ ]
آخر من كتاب الزكاة: "باب بيان الإباحة للمتولي أخذ الصدقة والزكاة أن يأخذ على ذلك أجرة عمله"، فأورد حديث عمر بن الخطاب مرفوعا: "إذا أعطيت شيئا من غير أن تسأل فكل وتصدق" (^١)، فالترجمة خاصة والحديث عام، وإن كان في سبب وروده ما يدل على مطابقة الترجمة بطريقة ظاهرة.
ومنها ما تكون بدلالة الإشارة، كقوله في باب من كتاب الصوم: "باب بيان إجازة الصوم إذا أدرك الصبح وهو جنب من الجماع، وإباحة الجماع في شهر رمضان بالليل"، فأورد حديث عائشة وأم سلمة: "كان رسول الله ﷺ يصبح جنبا من غير احتلام ثم يصوم"، فدلالته على الجزء الأول من الترجمة دلالة ظاهرة، وأما على الجزء الثاني، وهو إباحة الجماع في شهر رمضان بالليل، فعن طريق الإشارة، إذ ليس من مقصود الحديث بالأصالة (^٢).
ومنها ما تكون المطابقة بطريق خفي، كقوله: "باب بيان إباحة الاعتكاف في العشر، والدليل على الإباحة باعتكاف بعضها"، فأورد حديث عائشة، وحديث ابن عمر ﵄، في اعتكاف النبي ﷺ في العشر الأواخر من رمضان، وفي أمره ﷺ بالتماس ليلة القدر في العشر، فالاستدلال للجزء الثاني من الترجمة مأخوذ من الحديث الثاني، وفيه نوع من
_________________
(١) انظر: حديث رقم (٣٤٠٢ - ٣٤٠٥).
(٢) انظر شرح المحلي على الجمع الجوامع، مع حاشية البناني (١/ ٢٣٩ - ٢٤٠).
[ مقدمة / ٢٧١ ]
الخفاء، وتوضيحه أن أبا عوانة أورد بيان أن السنة في الاعتكاف أن يكون لالتماس ليلة القدر (^١)، وفي بعض طرق حديث ابن عمر عند المصنف (وسيوردها برقم ٣٣٠٨): "وإن ضعف أحدكم أو عجز، فلا يغلبن علي السبع البواقي"، وهو يدل على جواز الاقتصار على بعض العشر في طلب ليلة القدر، فلما جاز ذلك، جاز كذلك الاعتكاف في بعض العشر، وهو المطلوب، والله أعلم.
وقد تكون الترجمة استنباطية محضة، من غير اقترانها بالظاهرة كقوله في باب من كتاب الزكاة: "باب الدليل على أن الصدقة واجبة على الذي يقع على امرأته في رمضان نهارا، كان لم يكن واجدا لها، وأنها غير ساقطة عنه لعدمها، وأنه إذا وصل إليها تصدق بها".
٤ - يذكر في بعض التراجم التعارض بين الأخبار، وقد يشير في الترجمة مع ذلك إلى وجه الجمع بينها، أو يبين الناسخ والمنسوخ، أو يكتفي بذكر التعارض تنبيها على أن المسألة اجتهادية (^٢)، فمن أمثلة النوع الأول قوله في كتاب الصوم: "باب ذكر الخبر المعارض لخبر علقمة عن عائشة في إيثار أيام من بين الأيام بالعمل، المبين أن النبي ﷺ كان يجتهد في العشر
_________________
(١) انظر: "باب صفة بدو اعتكاف النبي ﷺ في المسجد في شهر رمضان " من كتاب الصيام.
(٢) وقد أشار ابن المنير إلى ورود مثل هذا النوع عند البخاري. انظر: المتواري على أبواب البخاري (ص ٣٨).
[ مقدمة / ٢٧٢ ]
الأواخر من رمضان ما لا يجتهد في غيرها من الأيام، الدال على أنه ﷺ ربما طوّل في هذه الركعات المعلومات التي كان يصليها بالليل، وربما قصّر بطولها في الليلة التي كان يحييها، ويقصر في الليلة التي كان يقوم بعضها، إذ النبي ﷺ لم يكن يزيد في رمضان، ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة".
ومما وقع من ذكر التعارض مع بيان الناسخ والمنسوخ في تراجم الأبواب ترجمة باب في كتاب الصيام: "باب الخبر الموجب لصوم يوم عاشوراء، والخبر المبين تركه، الدال على أن الأمر بصومه منسوخ، وأن صومه تطوع لمن صامه، وذكر الخبر المبين أن النبي ﷺ تركه بعد ما صامه، وكان يصومه قبل أن يقدم المدينة، لا أنه صامه لذكر يهود ما فيه ولصومهم".
ومما اكتفى فيه بذكر التعارض تنبيها على أن المسألة اجتهادية، قوله في ترجمة باب من كتاب الصيام: "باب بيان فضل الصوم في السفر، والدليل على أن الفطر في السفر أفضل من الصوم، وبيان الخبر المعارض لإبطال فضل الصوم المبين ثوابه في سبيل الله".
٥ - يذكر من التراجم ما يحصل بها بيان المجمل، مثاله قوله في ترجمة باب من كتاب الصيام: "باب بيان الخبر المبين أن أمر النبي ﷺ بالتماس ليلة القدر على الإباحة، لا على الحتم".
٦ - يذكر بعض التراجم ويتعرض فيها لرد بعض الأقوال التي يراها مخالفة للقول الصحيح كقوله: "باب ذكر الخبر الدال على إباحة الإفطار في كل سفر، وإباحة الإفطار إذا ابتدأ بالصوم في أول الشهر، وإباحة الصوم
[ مقدمة / ٢٧٣ ]
إذا ابتدأ بالإفطار"، فأشار في هذه الترجمة إلى رد ما نقل عن بعض السلف من أن من كان مقيما في أول الشهر، ثم سافر في أثنائه، فليس له الإفطار بعذر السفر، وما ذهب إليه آخرون من وجوب الإفطار في السفر (^١).
٧ - ليس عنده تراجم مرسلة، وهي التي يُذكر فيها (باب) بدون ترجمة، والتي تعتبر بمنزلة فصل ضمن الباب المترجم له قبل (^٢)، كما لم تقع عنده تراجم بصيغة الاستفهام، التي تساق لبيان هل ثبت الحكم المترجم له، أو لا (^٣).
٨ - يهمل أن يذكر في التراجم الحكم الذي دلت عليه بعض الزيادات في الحديث لكون تلك الزيادات منكرة عنده، مثال ذلك عدم ذكره لأمر المجامع في نهار رمضان أن يقضي يوما مكانه، الوارد في بعض طرق حديث أبي هريرة، وغيره (^٤).
هذا، ومن المآخذ عليه في بعض تراجمه جزمه لأحد الاحتمالين في الترجمة، ويقع في بعض طرق الحديث التي يوردها في الباب ما يؤيد الاحتمال الآخر، كقوله: "باب الدليل على أن الصائم إذا واصل كان
_________________
(١) انظر: المحلى (٦/ ٢٤٩)، تفسير ابن كثير (١/ ٢٢٣).
(٢) وهذا النوع من الترجمة يوجد عند البخاري والترمذي. انظر: الإمام الترمذي والموازنة بين جامعه والصحيحين (ص ٢٩١ - ٢٩٣).
(٣) انظر: هدي الساري (ص ١٤)، والإمام الترمذي (ص ٢٧٧ - ٢٧٨).
(٤) ورد في حديث رقم: (٣٠٧٩، ٣٠٨٠، ٣٠٨٢).
[ مقدمة / ٢٧٤ ]
مفطرًا إذا غابت الشمس" فأورد حديث عبد الله بن أبي أوفى، وفيه: "إذا أقبل الليل من ها هنا، وأشار بيده حيث تجيئ الشمس، فقد أفطر الصائم"، فقوله: فقد أفطر الصائم، يحتمل أن يكون معناه، فقد دخل وقت الفطر، ويحتمل أن يكون فقد صار مفطرًا، فجزم في الترجمة بالاحتمال الثاني وفي بعض طرق الحديث التي أوردها ما يؤيد الاحتمال الأول، وهو قوله في حديث رقم ٣٠٢٦: "فقد حل الفطر" (^١).
وأما الحافظ أبو نعيم فمنهجُه في النِّقاط التالية:
١ - تتَّسم التراجم عنده بالقصر، وعدم تناولها لكثير مما دلت عليه أحاديث الباب، فقد يقتصر على ذكر أمس ما تناوله الأحاديث، وأكثرها دخلا فيه، ويعرض عن الباقي، مثاله قوله في كتاب الصيام: "باب في كراهية الوصال"، فأورد أحاديث التي أوردها الإمام مسلم، وهي حديث ابن عمر، وحديث أبي هريرة، وحديث أنس، وحديث عائشة (^٢)، على حين ترجم أبو عوانة للباب نفسه بقوله: "باب النهي عن الوصال في رمضان، والدليل على إباحته لمن أطاقه، وعلى أن النهي عنه رفقًا بالناس"، فذكر سائر ما تناوله أحاديث الباب من المسائل.
٢ - جل تراجم الكتاب تراجم ظاهرة خبرية، ولا توجد -وفق القسم المطابق للقسم المقارَن- تراجم استنباطية محضة، ولا تراجم ظاهرة مقرونة
_________________
(١) انظر: أيضًا فتح الباري (٤/ ١٩٧).
(٢) مستخرج أبي نعيم (ص ١٦٣ - ١٦٦)، من مصورة (رقم ٢٠٤٩).
[ مقدمة / ٢٧٥ ]
بالاستنباط.
٣ - قد يترجم ببعض لفظ الحديث كما يفعله البخاري، مثاله قوله: باب ما ذكر أن عائشة قالت: كنت أرجل رأس النبي ﷺ، وأنا حائض (^١).
٤ - إهماله بعض الأبواب من الترجمة والاكتفاء بذكر تراجم مرسلة في تلك المواضع، كأحاديث الاعتكاف (^٢).
٥ - من المآخذ عليه إيراده أحاديث تحت ترجمة غير مطابقة، وعنده ترجمة مطابقة لو أوردها تحتها لكان أولى، مثاله إيراده حديث عمر ابن الخطاب ﵁: "إذا أقبل الليل من ههنا وأدبر النهار من ههنا وغابت الشمس فقد أفطر الصائم" في باب الحث على تعجيل الفطر، وكان أولى أن يورده في الباب الذي بعده، وهو: باب في وقت الإفطار (^٣)، هكذا أورده أصحاب الكتب المبوبة، منهم البخاري (^٤)، وأبو داود (^٥)، والنسائي (^٦)، وابن خريمة (^٧)، وابن حبان (^٨).
_________________
(١) (ق ١٥٣ أ) من مصورة رقم: (٤٦٨).
(٢) (ص ٢٥٢) من مصورة رقم: (٢٠٥٠)، وانظر أيضًا: (ص ٧٥) من مصورة رقم: (٢٠٤٨).
(٣) مستخرج أبي نعيم (ص ١٥٩ - ١٦١) من مصورة رقم: (٢٠٤٩).
(٤) كتاب الصوم -باب متى يحل فطر الصائم (٤/ ١٨٦) مع فتح الباري.
(٥) كتاب الصوم -باب وقت فطر الصائم (٢/ ٧٦٢).
(٦) كتاب الصيام -باب متى يحل الفطر؟ (٢/ ٢٥٢) من الكبرى.
(٧) كتاب الصيام -باب ذكر الخبر روي عن النبي ﷺ في وقت الفطر بلفظ الخبر معناه عندي معنى الأمر (٣/ ٢٧٣).
(٨) كتاب الصيام -باب ذكر الإخبار بأن عين الشمس إذا سقطت حل للصائم الفطر =
[ مقدمة / ٢٧٦ ]
وكإيراده حديث ابن عباس: "كان رسول الله ﷺ يصوم حتى نقول: لا يريد أن يفطر، ويفطر حتى نقول: ما يصوم، وما صام شهرًا متتابعا غير رمضان منذ قدم المدينة"، وحديث أنس بنحو هذا اللفظ، في باب فضل صوم شعبان، ولو أوردهما في الباب الذي قبله، وهو باب صوم رسول الله ﷺ في التطوع لكان أولى (^١).
الخلاصة
يمتاز كتاب أبي عوانة على كتاب أبي نعيم في باب التراجم بغزارة الفقه كثرة الفوائد المستنبطة من الأحاديث أودعها الحافظ أبو عوانة في تراجمه، ولتحصيل هذه المزية استدعى منه في بعض الأحيان، أن يرتكب ما يعد إخلالًا لمنهج الإمام مسلم في الترتيب بين الأحاديث، ولم يخل باب عنده بدون ترجمة وفق القسم الذي جرت عليه المقارنة، بخلاف الحافظ أبي نعيم.
_________________
(١) = (الإحسان ٨/ ٢٨٠).
(٢) انظر: (ص ٢٣٠ - ٢٣١) من مصورة (٢٠٥٠).
[ مقدمة / ٢٧٧ ]