معنى الاستخراج:
الاستخراج لغة مصدر من باب الاستفعال، مأخوذ من: خَرَجَ يَخْرُجُ خُرُوجًا ومَخْرَجًا.
قال ابن فارس: (خرج) الخاء والراء والجيم أصلان، فالأول: النفاذ عن الشيء، والثاني: اختلاف لونين (^١).
والاستِخراج بمعنى الاستنباط والاستِخلاص، يقال: استخرجت الشيء من المعدن: خلصته (^٢).
والمُستخرَج -بفتح الراء- اسمُ مفعولٍ منه، والمقصودُ منه الكتابُ الذي استُخرِجَ على كتابٍ آخر، وسمي بذلك لاستنباط مؤلفه للطرق المتعلقة بأحاديث الكتاب المستخرج عليه، وقد يقال له "المخرَّج" كما وقع في كلام ابن الصلاح، و"المستخرِجُ" -بكسر الراء- اسم فاعلٍ منه، ويرادُ به مصنِّفُ المستخرَجِ، أو من يقومُ بالاستخراج على أحاديث كتابٍ ما (^٣).
_________________
(١) معجم مقاييس اللغة (٢/ ١٧٥).
(٢) المصباح المنير (١/ ١٦٦)، ولسان العرب (٢/ ٢٤٩).
(٣) انظر: صيانة صحيح مسلم (ص ٢٣٥)، لسانَ العرب (٤/ ٥٢، ٥٣) (٤/ ٢١)، القاموس المحيط (ص ١٨٣)، تهذيب اللغة (١٣/ ٢٥٠)، تاج العروس (٢٠/ ١٣٣)، =
[ مقدمة / ٩٥ ]
و"الاستخراجُ" في مصطلحِ أهل الحديث هو: أن يعْمدَ حافظٌ من الحفَّاظ إلى كتابٍ من كُتب الحديث فيخرِج أحاديثَه بأسانيدَ لنفسه من غير طريق صاحب الكِتاب فيِجتمعَ معه في شَيخه أو من فوقه، ولو في الصَّحابي (^١).
شرطُ الاستِخراج: كما قال الحافظ ابن حجر: "أن لا يصل إلى شيخ أبعد حتى يفقد سندًا يوصله إلى الأقرب إلا لعذر من علوٍ أو زيادة مهمَّة، ولذلك يقول أَبو عوانة في مستخرجه على مسلم بعد أن يسوق طرق مسلم كلها: من هنا لمُخَرِّجه (^٢)، ثم يسوق أسانيد يجتمع فيها مع
_________________
(١) = مختار الصحاح (ص ٧٢)، توجيه النظر إلى أصول الأثر (١/ ٢٤٨).
(٢) انظر: فتح المغيث (١/ ٣٨)، توضيح الأفْكار (١/ ٦٩ - ٧٠)، توجيه النَّظر (١/ ٣٤٦).
(٣) ما حكاه الحافظ عن أبي عوانة في قوله: "من هنا لِمُخَرِّجه" لعله ساقه بالمعنى، أو اشتبه على الناسخ فيه، لأن أبا عوانة إنما يقول -فيما وقفنا عليه-: "من هنا لم يخرجه" وعلى تقدير كونه بالمعنى تكون اللام في قول الحافظ "لمخرِّجه" للتمليك، والمُخَرِّج هو أَبو عوانة. وقد وقع في طبعة تدريب الراوي (١/ ٩١) بتحقيق نظر الفاريابي: "من هنا أخرجه". ولا يستقيم كلام الحافظ فإذا اللفظ، فهذا خطأ وهو مخالف لما في طبعة الشيخ عبد الوهاب بن عبد اللطيف للتدريب كما في (١/ ١١٢)، وما في النسخة الخطية لمكتبة الأحقاف كما في لوحة (١٨/ أ) منها، وأيضًا كما في نسخة الشيخ محمد مظهر الفاروقي كما في لوحة (١٩/ أ).
[ مقدمة / ٩٦ ]
مسلم فيمن فوق ذلك، وربما قال: من هنا لم يخرجاه، ولا يظن أنه يعني البخاري ومسلمًا، فإني استقريت صنيعه في ذلك فوجدته إنما يعني مسلمًا وأبا الفضل أحمد بن سلمة (^١) فإنه كان قرين مسلم، وصنَّف مثل مسلم".
"ومقتضى الاكتفاء بالالتقاء قي الصحابي أنهما لو اتفقا في الشيخ مثلًا ولم يتحد سنده عندهما ثم اجتمع في الصحابي، إدخاله، وإن صرح بعضهم بخلافه وربما عز على الحافظ وجود بعض الأحاديث فيتركه أصلًا، أو يعلقه عن بعض رواته، أو يورده من جهة مصنف الأصل" (^٢).
وقال الإمام السَّخاوي: "وربما عزّ على الحافظ وجود بعض الأحاديث فيتركه أصلًا، أو يعلِّقه عن بعض رواته، أو يورده من جهة مصنف الأصل" (^٣).
ولا يلزَم في المستخرَج موافقةُ لفظِ الأصل المخرَّجِ عليه، لأنَّ المستخرِجين يروون بالألفاظ التي تقعُ لهم عن شُيوخِهم فيحصُل فيها تفاوتٌ في اللَّفظِ، أو في اللَّفظ والمعنى معا (^٤).
_________________
(١) أحمد بن سلمة بن عبد الله البزار المعدل النيسابوري، رافق مسلم بن الحجاج في رحلته، كتب بانتخابه على الشيوخ، ثم جمع له مسلم الصحيح في كتابه. انظر: تاريخ بغداد (٤/ ١٨٦)، السير (١٣/ ٣٧٣).
(٢) فتح المغيث (١/ ٣٨).
(٣) انظر: المصدر نفسه.
(٤) انظر: شرح التبصرة والتذكرة (١/ ٥٨ - ٥٩).
[ مقدمة / ٩٧ ]
أما موضوع كتاب أبي عوانة ﵀: فحديث رسول الله ﷺ، والآثار عن صحابته والتابعين؛ التي رواها بأسانيد مسلم في صحيحه، كذلك ما رواه أحمد بن سلمة النيسابوري في صحيحه، وهذا الأخير مقصود أبي عوانة بقوله -أحيانًا "من هُنا لَم يخرِّجَاه (^١) " أو يشير إليهما بصِيغة الجَمع -نادرًا-: "لَم يخرِجُوه (^٢) " أو "لم يخرجْه أصحابنا (^٣) " ونبَّه على ذلك الحافظ ابن حجر؛ فقد قال: "ولا يُظنُّ أنه يعني بذلك البخاري ومسلمًا، فإني قد استقرأت صنيعه في ذلك فوجدته إنما يعني مسلمًا وأبا الفضل أحمد بن سلمة (ت / ٢٨٦ هـ) فإنه كان قرين مسلم وصنَّف مثل مسلم (^٤) ".
على أنَّ الإمام الذهبي ﵀ سبق الحافظ بقول كهذا، بل له فائدة أخرى، فقد قال ﵀ في أثناء ترجمته لأحمد بن سلمة هذا: "له مستخرجٌ كهيئة صحيح مسلم (^٥) "، وهذا يُرشد إلى أنَّ كتاب أحمد بن سلمة:
_________________
(١) انظر على سبيل المثال الأحاديث بأرقام: (٥١٨٤، ٧٠١٢، ٧١١٥، ٤٧٤٠، ٧١٧٤، ٨٦٦٥).
(٢) انظر: حديث رقم (٣٦٧٩).
(٣) انظر: حديث رقم (٧٠٧، و٧١٤)، والظاهر أنه يريد بأصحابه مسلمًا، وأحمد بن سلمة فعبَّر عنهما بالجمع.
(٤) انظر: تدريب الراوي للسيوطي (١/ ١١٢).
(٥) انظر: تذكرة الحفاظ للذهبي (٢/ ٦٣٧).
[ مقدمة / ٩٨ ]
"مستخرجٌ على صحيح مسلم" سابق لمستخرج أبي عوانة، ويؤيِّده أن الكتَّاني ذكر "صحيح أحمد بن سلمة" هذا في عِداد "المستخرجات على الصحيحين؛ أو أحدهما (^١) ".
ومن ثم يمكن أن يكون معنى قول أبي عوانة ﵀: "من هنا لم يخرِّجاه" أي: لم يخرجه مسلم، وتبعًا لذلك لم يستخرجه أحمد بن سلمة -عليه- أيضًا.
وفي قول أبي عوانة: "من هنا لم يخرِّجاه" وقوله: "من هنا لم يخرجه" ما يلي:
١ - يلتقي إسناد أبي عوانة مع ما استخرج عليه فيمن فوق شيخ الأصل المستخرج عليه ولو في الصحابي.
ولعل مراد أبي عوانة في نفيه الإخراج هنا: أن صاحب الأصل المستخرج عليه لم يخرج الحديث من هذا المخرج الذي أورده أَبو عوانة، وإن كان قد أخرج أصل الرواية (^٢).
وقد يورد أَبو عوانة هنا أحاديث تشهد لما في الأصل ولكنه لم يخرجها، وقد يورد أيضًا أحاديث زائدة تدخل ضمن ترجمة الباب الذي
_________________
(١) انظر: الرسالة المستطرفة للكتاني (ص: ٢٨).
(٢) انظر: حديث رقم (٢٥٧٨)، (٢٥٧٩)، وانظر حديث (٨٦٦٥) إلى نهاية حديث (٨٦٦٨).
[ مقدمة / ٩٩ ]
عقده أَبو عوانة، أو الكتاب الذي يتبع له ذلك الباب (^١).
وينتهي هذا الموضع بقول أبي عوانة في آخره: "إلى هنا لم يخرجاه"، أو قوله: "إلى هنا لم يخرجه مسلم" (^٢)، أو بقوله: "إلى هنا زدته من عندي" (^٣) وقد ينتهي هذا الموضع بنهاية الباب الذي ترجم له (^٤).
٢ - يختص الاستخراج في الموضع الذي يقول فيه أَبو عوانة: "من هنا لم يخرجاه" بكونه على صحيحي مسلم وأبي الفضل أحمد بن سلمة، وأما ما سواه فالاستخراج فيه مختصٌ بأصل موضوع الكتاب على صحيح مسلم وحده.
_________________
(١) انظر: بداية حديث رقم (٢٥٦٧) وما بعده.
(٢) انظر: نهاية حديث (٢٥٨٣).
(٣) انظر: حديث (٧١٤).
(٤) انظر: حديث (٨٨٧٢) إلى نهاية الباب.
[ مقدمة / ١٠٠ ]