ذكر الإِمام مسلم ﵀ في المقدمة أنه يورد أخبارا معللة في مواضع من كتابه، وذكر القاضي عياض ﵀ أنه أتى بها في مواضعها من الأبواب، لكن اختلف العلماء في جنس هذه العلل، هل هي من جنس العلل القادحة أو لا، القاضي عياض على القول الأول، والجمهور على القول الثاني (^١).
وأما الحافظان أبو عوانة، وأبو نعيم، فقد اختلف منهجهما في هذا الباب، فالحافظ أبو نعيم سلك مسلك مجرد الاستخراج لأحاديث الأصل، ولم يتعرض لأمر زائد من بيان العلل واختلاف الرواة في المتن والإسناد، وأما الحافظ أبو عوانة فسلك منهجًا مغايرًا، يتلخص في النقاط التالية، بالمقارنة مع الحافظ أبي نعيم:
١ - المواضع التي يذكر الإِمام مسلم اختلاف ألفاظ النقلة فيها يستوفي أبو عوانة ذكرها، وربما زاد ما لم يذكره الإِمام مسلم من اختلاف الألفاظ، مثاله: حديث أبي سعيد الخدري في خروجه ﷺ في رمضان، حيث اختلف أصحاب قتادة في يوم الخروج، فذكر مسلم اختلافهم، وتبعه أبو عوانة في ذكر ذلك الاختلاف (^٢)، ومثال ما أتى فيه بالزيادة: ذكره
_________________
(١) صحيح مسلم (١/ ٨)، مقدمة إكمال المعلم بفوائد مسلم (ص ١٢٩ - ١٣٠)، منهج الإِمام مسلم (ص ٧٥).
(٢) انظر الأحاديث من: (٣٠٤٦ - ٣٠٤٩).
[ مقدمة / ٣٨٧ ]
لاختلاف أصحاب عبد الله بن عطاء في حديث بريدة في المرأة التي ماتت أمها وعليها صوم، فاختلفوا في عدده ونوعه، فاستوفى ما أورده مسلم، ثم زاد وجهًا آخر، وهو ما قاله الأشجعي عن الثوري: وعليها صوم رمضان (^١).
وربما أهمل ذكر علة في السند أراد مسلم بيانها اهتماما منه باختلاف الألفاظ، كما صنع في هذا المثال الأخير حيث أهمل أن ينبه على تفرد عبد الملك بن أبي سليمان برواية الحديث عن عبد الله بن عطاء، عن سليمان بن بريدة، بينما هو عند سائر أصحاب عبد الله بن عطاء، عن عبد الله بن بريدة، فقال في حديثه: بمثل حديثهم.
وأما أبو نعيم فليس له شيء من هذا، ففي الموضع الأول جمع الطرق عن قتادة، وساق المتن بلفظ حديث هشام الدستوائي (^٢)، وفي حديث بريدة لم يستوف ذكر الاختلاف كما فعل أبو عوانة تبعًا لمسلم (^٣).
٢ - يشير إلى اختلافات الألفاظ في مواضع لم يذكرها الإِمام مسلم، كما فعل في حديث أبي هريرة: بعث رسول الله ﷺ عمر بن الخطاب ساعيا على الصدقة، الحديث، قال عقبه: روى هذا الحديث عن أبي الزناد جماعة، منهم موسى بن عقبة، وعبد الرحمن بن أبي الزناد، وقد رواه شعيب هذا،
_________________
(١) انظر الأحاديث من: (٣١٢٤ - ٣١٢٦) والمعلقات التي في عقبها.
(٢) باب الصوم والإفطار في السفر (ص ١٨٢) من مصورة رقم: (٢٠٤٩).
(٣) باب قضاء الصيام عن الميت (ص ٢١٧ - ٢١٩).
[ مقدمة / ٣٨٨ ]
فقال بعضهم: "فهي عليه ومثلها معها"، وبعضهم قال مكان "أعتاده": "وأعبده" (^١).
٣ - يذكر ما أورده الإِمام مسلم من الاختلاف في الإسناد، وربما زاد أوجها أخرى لم يذكرها مسلم، كما فعل في الاختلاف على الأعمش في حديثه عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس أن امرأة أتت رسول الله ﷺ فقالت: إن أمي ماتت وعليها صوم شهر، الحديث، فاستوفى ما ذكره الإِمام مسلم ثم زاد اختلافا آخر، وهو ما ذكره عن عبد الرحمن ابن مغراء، عن الأعمش (^٢).
٤ - يذكر أوجه الاختلاف في الإسناد والمتن لم يذكرها مسلم أساسًا، منها ما هو قادح، ومنها ما ليس بقادح، فمما ذكر من الاختلاف القادح، اختلاف بعض أصحاب الزهريّ، في حديث من جامع أهله في نهار رمضان، حيث أورد اختلافا في السند، وآخر في المتن، ففي الذي في السند ذكر رواية هشام بن سعد، عن الزهريّ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، حيث خالف هشام الجماعة في قوله عن أبي سلمة مكان حميد ابن عبد الرحمن، فنص أبو عوانة، وقال: غلط فيه هشام، فقال: عن أبي سلمة (^٣).
_________________
(١) الحديث رقم: (٣٤٠٦، ٣٤٠٧).
(٢) انظر الأحاديث من: (٣١١٨ - ٣١٢٣).
(٣) الحديث رقم: (٣٠٨٠).
[ مقدمة / ٣٨٩ ]
وفي المتن ذكر مخالفة عبد الجبار بن عمر، وأبي مروان العثماني حيث زادا: "وأمره أن يقضي يوما مكانه"، وهي زيادة منكرة في حديث الزهري (^١).
ومنه أيضًا الاختلاف على مالك في حديث أبي هريرة: "من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه"، حيث اختلف فيه في الوصل والإرسال، وحمل بعضهم رواية حميد عن أبي هريرة على رواية أبي سلمة عنه.
كل هذا الاختلاف لم يذكره الإِمام مسلم في الموضعين، فذكره أبو عوانة، وأورد طرقه، وذكر عقبها من جوّد الإسناد، كما فُصل ذلك في التحقيق (^٢)، ومن الاختلاف غير القادح ما ذكره في حديث أبي هريرة في النهي عن الوصال في الصوم، حيث رواه من طريق يونس، ومعمر، وشعيب، كلهم عن الزهريّ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، ثم رواه من طريق الزبيدي، عن الزهريّ، عن أبي سلمة، وابن المسيب، عن أبي هريرة، والحديث عند مسلم من طريق يونس وحده عن الزهريّ، عن أبي سلمة، فأورد أبو عوانة هذا الاختلاف، ولم يورده مسلم، وهو غير قادح، فقد قال الدارقطني: القولان محفوظان (^٣).
_________________
(١) انظر الأحاديث رقم: (٣٠٧٩ و٣٠٨٢).
(٢) انظر الأحاديث من: (٣٢٦٠ - ٣٢٦٧).
(٣) انظر الأحاديث من: (٣٠١٢ - ٣٠١٥).
[ مقدمة / ٣٩٠ ]
٥ - يزيد بيانا لما يورده مسلم من الخلاف، مثال ذلك أن الإِمام مسلما أورد في عقب طرق حديث أبي سعيد الخدري السالف الذكر في الصوم في السفر، طريق مروان بن معاوية، عن عاصم، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، وجابر، فذكر أبو عوانة هذا الطريق تعليقا، ثم أورد طرق من تابع مروان في رواية الحديث في مسند جابر، فكان فيه توضيح لمراد مسلم من إيراد طريق مروان، وأنه ليس لبيان تفرده بجعل الحديث في مسند جابر وأوضح أن الحديث محفوظ عن جابر أيضًا.
٦ - قد يشير أبو عوانة إلى موضع العلة من أحاديث مسلم، بذكره معلقا في آخر الباب، كما فعل في حديث أبي هريرة: "لا تخصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي، ولا تخصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام، إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم"، من حديث حسين الجعفي، عن زائدة، عن هشام، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، وهو حديث معلول، أعله أبو زرعة، وأبو حاتم، والدارقطني، وذكره النسائي في باب ذكر الاختلاف على ابن سيرين (^١)، وأورد عقبه الحديث من رواية ابن سيرين، عن أبي الدرداء، وهو الذي حكم عليه الحفاظ بأنه المحفوظ، وأن حسين الجعفي غلط في حديثه على زائدة، وقد ذكر الدكتور ربيع المدخلي، والشيخ مقبل الوادعي، أن الحديث عند مسلم مساق لبيان علته، وصنيع أبي عوانة بإيراده معلقا
_________________
(١) السنن الكبرى (٢/ ١٤١/ ٢٧٥١، ٢٧٥٢).
[ مقدمة / ٣٩١ ]
يشير لذلك، والله أعلم (^١).
وربما أشار بإيراد طريق آخر تبين علة الطريق التي عند مسلم، كما فعل في حديث عبد الله بن أنيس في ليلة القدر، حيث رواه مسلم من حديث الضحاك بن عثمان، وقد غلط فيه وخالف من هو أولى منه ثقة وكثرة، في سياق الحديث، فذكر أبو عوانة حديث الضحاك ثم عقبه برواية يزيد بن عبد الله بن الهاد الموافقة لرواية الحفاظ والتي توضح العلة في رواية الضحاك، والله أعلم (^٢).
٧ - ينص على وهم الواهم في الرواية، كقوله: وهم سفيان، فقال: من صام رمضان (^٣)، كما ينقل كلام مسلم في الحكم بوهم الراوي، كما فعل في قول مسلم في رواية شعبة لحديث أبي قتادة، وفيه قال: "وسئل عن صوم الاثنين والخميس، فسكتنا عن ذكر الخميس لما نراه وهما" (^٤)، إلا أنه قد يورد الرواية بالوهم كما فعل في هذا الحديث، ولا يحذف موضعه من المتن كما يفعله مسلم، وقد يحذفه مكتفيا بما تقدم منه من التنبيه على وهم راويه، كما فعل في حديث سفيان بن عيينة المقدم، عند ما أورده في موضع آخر، اكتفى بذكر فضل ليلة القدر، وحذف ذكر فضل الصيام الذي حكم
_________________
(١) انظر التعليق عقب الحديث رقم: (٣١٤٢).
(٢) انظر الأحاديث من: (٣٣١٨ إلى ٣٣٢٠).
(٣) انظر كلامه عقب الحديث رقم: (٣٢٦٧).
(٤) انظر الحديث رقم: (٣١٦٩).
[ مقدمة / ٣٩٢ ]
عليه بالوهم (^١)، وروى أبو نعيم حديث أبي قتادة ولم يحذف موضع الوهم، ولم يذكر قول مسلم الذي يبين الوهم.
٨ - لم يسلك طريقة التصريح ببيان اختلاف الرواة في الأحاديث المعللة في ترجمة كما هو منهج الإِمام النسائي في كتابيه السنن الكبرى والمجتبى، حيث يقول: (باب الاختلاف على فلان في الخبر الفلاني)، بل سلك طريق إيراد الأحاديث المعللة ضمن أحاديث الباب السالمة من العلة، كما ليس له منهج واضح من حيث الترتيب بين الأحاديث المعللة وبين السالمة من العلل، فقد يؤخر الأحاديث المعللة ويقدم الصحيحة، كما فعل في حديث المجامع في نهار رمضان، حيث ذكر رواية هشام بن سعد، ورواية أبي مروان العثماني، ورواية عراك في آخر الباب (^٢)، وعلى العكس من ذلك تقديم الحديث المعل وتأخير الحديث الصحيح، كما فعل في حديث عبد الله ابن أنيس حيث قدم طريق الضحاك التي فيها العلة، وأخر طريق يزيد ابن الهاد السالمة من العلة (^٣).
فالخلاصة أن أبا عوانة أوسع خطوة في هذا الباب من أبي نعيم، حيث إنه يشير إلى العلل، واختلاف الرواة في السند والمتن، وقد يحكم مع ذلك بما رآه صوابا، فيضيف الوهم إلى الواهم ويصحح الصحيح، والله أعلم.
_________________
(١) انظر الحديث رقم: (٣٣١٦).
(٢) انظر الأحاديث من (٣٠٨٠ - ٣٠٨٢).
(٣) الأحاديث: (٣٣١٨ - ٣٣٢٠).
[ مقدمة / ٣٩٣ ]