وهو ما أضافه التابعي إلى النبي ﷺ، ويطلق أيضًا على المنقطع، وهو بهذا المعنى نوعان: جلي وخفي، فأما الجلي فكرواية الرجل عمن لم يعاصره، وأما الخفي فهو الذي يكون من معاصر لم يلق من حدث عنه (^١)، فأما المرسل بالمعنى الأول، فمنه عند الثلاثة (مسلم، وأبي عوانة، وأبي نعيم) في القسم الموافق لهذه المقارنة من مسند أبي عوانة، ما ورد عقب حديث جابر ابن عبد الله في إثم مانع الزكاة: قال أبو الزبير: سمعت عبيد بن عمير يقول: قال رجل: يا رسول الله، ما حق الإبل؟ قال: "حلبها على الماء، وإعارة دلوها، ومنيحتها، وحمل عليها في سبيل الله" (^٢).
والظاهر أن الإمام مسلم أورده ليبين الاختلاف على أبي الزبير في هذه الجملة، فقد أورد عقبة طريق عبد الملك بن عمير الذي جاءت الجملة موصولة، وهو اختلاف لا يضر إذ ورد من أوجه أخرى ما يشهد لوصله، كما بُيِّن في التحقيق.
وأورد أبو عوانة بعض المواضع، وهي ثلاثة، كلها طرق لحديث واحد، وفيها: عن أبي سلمة، أن النبي ﷺ كان يرغب في قيام رمضان من غير أن يأمر
_________________
(١) نزهة النظر (ص ٤٣)، تدريب الراوي (١/ ١٩٥ - ١٩٦، ٢/ ٢٠٥).
(٢) كتاب الزكاة -باب إثم مانع الزكاة (٢/ ٦٨٥)، والحديث رقم ٣٣٧٨ عند أبي عوانة وص ٨١ من مصورة ٢٠٤٨ من مستخرج أبي نعيم.
[ مقدمة / ٣٣٥ ]
بعزيمة، الحديث (^١)، من طريقين، والثالث: عن حميد، عن النبي ﷺ، قال بمثله (^٢)، أوردها لبيان الاختلاف على مالك في إسناد الحديث، وأما ما رواه بإسناده عن عبد الله بن عمير، أن رسول الله ﷺ قال: "لئن سلمت إلى القابل لأصومن يوم التاسع" (^٣)، فهو مما حققت أنه سقط من النسختين ذكر ابن عباس في الإسناد، وأن الصحيح على ما في إتحاف المهرة أنه مسند من مسند ابن عباس، كما رواه مسلم وأبو نعيم.
والمرسل الجلي على حسب الإطلاق الثاني، هو المنقطع، وقد ذكر ابن الصلاح عدة مواضع في صحيح مسلم وقع فيه ما رآه من هذا النوع ليس منها شيء في قسم هذه المقارنة، والذي عليه الجمهور أنها من قبيل المتصل الذي في سنده جهالة، فإن الإمام مسلمًا يقول فيها: حُدثت، أو حدثني صاحب لنا، أو غير واحد (^٤)، وليس في المستخرجين شيء من هذا القبيل وفق ما في قسم هذه المقارنة.
وأما المرسل الخفي، فقد ذُكر في النص المحقق في حديث أبي قتادة الأنصاري، أن الإمام البخاري قال: لا يعرف لعبد الله بن معبد الزماني سماع من
_________________
(١) الحديث رقم: (٣٢٦٢، ٣٢٦٤).
(٢) الحديث رقم: (٣٢٦٧).
(٣) الحديث رقم: (٣٢٢٠).
(٤) انظر: صيانة صحيح مسلم (٧٦ - ٨١)، النكت على كتاب ابن الصلاح (٣٤٨ - ٣٥٤).
[ مقدمة / ٣٣٦ ]
أبي قتادة، والحديث عند مسلم، وخرجه المخرِّجان، فهذا الحديث يكون من قبل المرسل الخفي على مذهب الإمام البخاري الذي يشترط في الإسناد المعنعن معرفة اللقاء بين المتعاصرين، بخلاف مذهب الإمام مسلم، وقد ذُكر هنالك أن متن الحديث له شواهد، وأن سماع عبد الله من أبي قتادة ممكن (^١).
وحديث أبي سعيد الخدري: "من صام يوما في سبيل الله باعده الله عن النار سبعين خريفًا" برواية النعمان بن أبي عياش (^٢)، وهو عند مسلم، والمخرِّجين، وقد ذكر مسلم في المقدمة في معرض إلزامه لمخالفه في مسألة الإسناد المعنعن أن النعمان بن أبي عياش، من جملة التابعين الذين لم يعرف عنهم سماع عُلم من أبي سعيد الخدري في رواية بعينها، وهو من صحيح الأسانيد، فلو ثبت ما ذكره لكان مثل الأول، (أي مرسل خفي عند البخاري، ومسند عند مسلم) لكن استدرك عليه الأئمة المتأخرون بإثبات سماع النعمان بن أبي عياش من أبي سعيد الخدري في أسانيد عند الإمام مسلم نفسه في الصحيح وقعت ضمن الأحاديث (^٣).
الثالث ما ذكره الحافظ أبو عوانة من الأحاديث الزوائد، وهو حديث أبيّ بن كعب، من رواية أبي رافع الصائغ عنه، فقد ذكر الإمام مسلم مثل
_________________
(١) انظر الحديث رقم: (٣٠٤٣).
(٢) الحديث رقم: (٣٠٣٦ - ٣٠٣٨).
(٣) انظر: السنن الأبين في المحاكمة بين الأحمدين في السند المعنعن (ص ١٥٢ - ١٥٨)، النكت على كتاب ابن الصلاح (٢/ ٥٩٦ - ٥٩٨).
[ مقدمة / ٣٣٧ ]
كلامه المتقدم في الحديث السابق، في أبي رافع عن أبي بن كعب، ولعله من أجله تردد أبو عوانة في صحة الإسناد (^١)، فهذا أيضًا إن ثبت ما قاله الإمام يكون من قبيل المرسل الخفي عند البخاري، مسند عند مسلم.
فالخلاصة أن المرسل بالمعنى الأول ليس من مادة الكتابين تبعا للأصل، إلا ما قد يذكر لبيان اختلاف الرواة في إسناد الحديث، وأبو عوانة يزيد في ذلك بيانًا حيث يذكر الاختلاف في المواضع التي أهمل ذكرها صاحب الأصل، وأما بمعنى المنقطع فليس منه في قسم المقارنة من كتابي الصوم والزكاة شيء، وأما المراسيل الخفي إرسالها فقد تقع عندهما تبعا للأصل، بناء على اختلاف الإمامين البخاري ومسلم في الإسناد المعنعن.