تعددت أحكام أبي عوانة على الأحاديث والغالب عليها الإشارة لضعف الحديث أو غلط الراوي فيه أو وصفه بالغرابة وأحيانا الحكم بصحة طريق أو رواية للحديث، ولعل سبب قلة الحكم بالصحة ونحوها على الأحاديث أن كتاب أبي عوانة مستخرج على صحيح مسلم فالأصل في أحاديثه الصحة، فما خالف هذا الأصل فهو الذي يحتاج لبيان.
ومن أحكام أبي عوانة على الأحاديث:
أولا: يكثر أبي عوانة من إعلال الحديت بقوله: "فيه نظر" ونحوها من العبارات مثل: "في هذا الحديث نظر" و"في إسناده ومتنه نظر" ومن ذلك:
_________________
(١) انظر أقوال الأئمة في مبحث رحلاته (ص ٤٤).
(٢) انظر مصادر المؤلف في مبحث مصادره (ص ٨٦).
[ مقدمة / ٦١ ]
١ - قال في حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن". فذكر مثله ولم يذكر "رجل اتاه الله مالا" قال: في الحديث النظر. لم يخرجه مسلم، وأخرجه غيره (^١).
٢ - وفي حديث معقل بن يسار قال جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: "يا رسول الله إني أصبت امرأة ذات حسب ومنصب وجمال إلاّ أنها لا تلد. أتزوجها؟ فنهاه عنها. ثم أتاه الثانية فنهاه. فقال: تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم"، قال أبو عوانة: في هذا الحديث نظر (^٢).
٣ - وقال في حديث يونس بن يزيد، عن ابن شهاب الزهريّ، قال: أخبرني عروة بن الزبير، عن عائشة: "أن النكاح كانت في الجاهلية على أربعة أنحاء: .. الحديث
قال أبو عوانة: وفي إسناده ومتنه انظر، وذلك أنه خولف يونس في إسناده (^٣).
٤ - وقال حدثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: حدثنا سفيان بن عيينة،
_________________
(١) انظر: حديث رقم (٤٣٠٢).
(٢) انظر: حديث رقم (٤٤٥٥).
(٣) انظر: حديث رقم (٤٤٧٦).
[ مقدمة / ٦٢ ]
عن ابن الهاد، عن عمارة بن خريمة بن ثابت، عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله لا يستحي من الحق. لا تأتوا النساء في أدبارهن" قال أبو عوانة: في إسناده نظر (^١).
٥ - وقال حدثنا يزيد بن سنان، قال: حدثنا أبو داود، قال: حدثنا رباح بن أبي معروف، عن عطاء، عن جابر بن عبد الله "أن النبي ﷺ نهى عن نكاح النساء الحبالى من السبي أن يوطئن".
قال أبو عوانة: في هذا الحديث نظر في صحته وتوهينه (^٢).
٦ - حدثنا الصغاني، حدثنا نعيم بن حماد، حدثنا ابن المبارك، عن معمر، عن ثابت، عن أنس قال: قال النبي ﷺ: "لا شغار في الإسلام". قال أبو عوانة: في هذا الحديث انظر (^٣).
٧ - قال بعد أن خرج حديث إعطاء النبي ﷺ الحجام أجره: "ورواه عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهريّ، عن ابن محيصة الأنصاري، عن أبيه، أنه سأل النبي ﷺ عن كسب الحجام فنهى عنه، فشكى من حاجتهم فقال: "اعلفه ناضحك، واطعمه رقيقك" وفيه نظر (^٤).
_________________
(١) انظر: حديث رقم (٤٧٣٣).
(٢) انظر: حديث رقم (٤٨٠٠).
(٣) انظر: حديث رقم (٤٤٨٧).
(٤) انظر: حديث رقم (٥٧٣١) وما بعده.
[ مقدمة / ٦٣ ]
٨ - قال في حديث رواه عن يزيد بن سنان، قال: حدثنا أبو عاصم، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ: "يسلم الراكب على الماشي، والماشي على القاعد، والماشيان أيهما بدأ فهو خير، أو أفضل": فيه نظر (^١).
٩ - قال في حديث عائشة ﵂ قالت: اجتمعن أزواج النبي ﷺ فقلن: يا رسول الله أينا أسرع لحوقا بك؟ قال: "أطولكن يدا فأخذن قصبة فجعلن يذرعنها، وكانت سودة أسرعهن به لحوقا، وكانت تطول يدها في الصدقة، وكانت امرأة تحب الصدقة. وهذا لفظ أبي زرعة فيه نظر (^٢).
١٠ - ذكر حديث ابن مسعود قال: قال رجل للنبي ﷺ كيف لي أن أعلم إذا أحسنت وإذا أسأت؟ فقال النبي ﷺ: "إذا سمعت جيرانك يقولون: قد أحسنت! فقد أحسنت، وإذا سمعتهم يقولون: قد أسأت! فقد أسأت".
وقال معلقا عليه: في هذا الحديث نظر في صحته وتوهينه (^٣).
ثانيا: الحكم على الرواية بالغلط كقوله "غلط فيه فلان" و"وهو
_________________
(١) انظر: حديث رقم (٩٤٦٥).
(٢) انظر: حديث رقم (١٠٧٩٨).
(٣) انظر: حديث رقم (٩٦٢١) وما بعده.
[ مقدمة / ٦٤ ]
غلط عندي".
ومن أمثلة ذلك:
١ - في حديث رواه هشام بن سعد، عن الزهريّ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ.
قال أبو عوانة: غلط فيه هشام، فقال: عن أبي سلمة (^١).
٢ - وقال في حديث روح، قال: أخبرني ابن جريج، قال: أخبرني يحيى ابن أيوب، أن يزيد بن أبي حبيب أخبره بإسناده مثله. كذا قال روح، عن يحيى بن أيوب.
قال أبو عوانة: وهو غلط عندي، إنما هو عن سعيد بن أبي أيوب (^٢).
ثالثا: الحكم بغرابة الحديث أو بعض الطرق، كقوله: "وهو غريب" و"غريب لم نكتبه إلا عنه" ونحو ذلك.
ومن ذلك:
١ - في حديث رواه حدثنا إسحاق بن بكر بن مضر، قال: حدثني أبي، عن جعفر بن ربيعة، عن عِراك بن مالك، عن محمد بن مسلم ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبي هريرة، أن رجلا قال: يا رسول الله! فأخبره أنه وقع مع امرأته في رمضان. فقال: "أتجد رقبة؟ " قال: لا قال: "فتستطيع صيام شهرين؟ " قال: لا قال: "فتطعم ستين
_________________
(١) انظر: حديث رقم (٣٠٨٠).
(٢) انظر: حديث رقم (٦٣٠٠).
[ مقدمة / ٦٥ ]
مسكينا؟ " قال: لا أجد. فأعطاه رسول الله ﷺ تمرًا وأمره أن يتصدق به]. فذكر لرسول الله ﷺ حاجته فأمره أن يأكلوه.
قال أبو عوانة: وهذا لفظ بكر بن مضر، وهو غريب (^١).
٢ - وقال في حديث رواه عن بيان، عن أنس بن مالك، قال: ذكر النبي ﷺ: فقال: كان أكرم الناس.
غريبٌ لم نكتبه لبيان إلا عنه (^٢).
٣ - وقال حدثنا يونس بن حبيب، حدثنا أبو داود، حدثنا شعبة ابن الحجاج، عن الأعمش، ومنصور، عن سالم بن أبي الجعد، عن أنس ابن مالك:
أن رجلًا قال: يا رسول الله! متى الساعة؟ قال: "ما أعددت لها"؟ قال: ما أعددت لها من كثير صلاة ولا صيام ولا صدقة، إلا أني أحب الله ورسوله، قال: "فأنت مع من أحببت".
وكذا رواه جرير عن منصور، فيه: "ولا صدقة" وهو غريب للأعمش جدًّا، ليس إلا يونس بن حبيب (^٣).
_________________
(١) انظر: حديث رقم (٣٠٨١).
(٢) انظر: حديث رقم (١٠٢٥٧).
(٣) انظر: حديث رقم (١١٥٢٧).
[ مقدمة / ٦٦ ]
٤ - روى من طريق ابن جريج، عن صالح بن أبي الأخضر، عن الزهريّ، حديثا، وقال بعده: ابن جريج عن صالح غريب، لأنه أنبل من صالح (^١).
رابعا: الحكم بصحة بعض الطرق، وهذا قليل كما تقدم كقوله: "صحيح عن فلان".
و"فلان عن فلان صحيح" ونحو ذلك ومنه:
١ - روى بسنده حديث ابن عمر في قدوم وفد عبد القيس وسؤالهم عن الأشربة رواه من طريق يزيد بن هارون عن عبد الخالق بن سلَمة.
ثم قال: يزيد عن عبد الخالق صحيح (^٢).
٢ - روى حديث أبي هريرة شر الطعام طعام الوليمة من طريق أيوب عن الزهريّ، وقال: أيوب عن الزهريّ: حسن (^٣).
٣ - روى من طريق الزهريّ عن أبي سلمة حديث أبي هريرة في الأعرابي الذي ولدت امرأته غلاما أسودا، وقال بعده: صحيح عن أبي سلمة (^٤).
خامسا: الحكم النسبي كقوله: "هذا اللفظ أصح" و"لفظ فلان
_________________
(١) انظر: حديث رقم (٤٦٣٨).
(٢) انظر: حديث رقم (٨٤٩٧).
(٣) انظر: حديث رقم (٤٦٤٠).
(٤) انظر: حديث رقم (٥١٧٣).
[ مقدمة / ٦٧ ]
أصح". ومن ذلك:
١ - قال حدثنا محمد بن إسماعيل الصائغ، والصغاني، قالا: حدثنا رَوح، قال: حدثنا زكريا بن إسحاق، بإسناده قال: "من رآني في النوم فقد رآني؛ فإنه لا ينبغي للشيطان أن يتشبّه بي". هذا اللفظ أصح (^١).
٢ - روى حديث سليمان بن حرب عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "أيما مسلم لعنته، أو شتمته، فاجعل ذلك له صلاة ورحمة"، ثم ذكر لفظ عارم فقال: قال عارم: "فاجعل ذلك له إما صلاة، أو رحمة".
وقال: لفظ سليمان أصح (^٢).
سادسا: الحكم بالاضطراب، ومنه:
قال أبو عوانة حدثنا أبو أمية، حدثنا أبو عاصم، عن ابن جريج، عن ابن شهاب، عن سعيد وأبو سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "ليس منا من لم يتغن بالقرآن". قال لنا أبو أمية، قال لنا أبو عاصم مرة عن سعيد ومرة عن أبي سلمة، فجمعتهما. وحدثنا غير أبي أمية، عن أبي عاصم، فقال: عن أبي سلمة، عن أبي هريرة.
قال أبو عوانة: في هذين الحديثين: حديث ابن أبي مليكة، وهذا
_________________
(١) انظر: حديث رقم (١٠٠٠٠).
(٢) انظر: حديث رقم (١١٣٥٠).
[ مقدمة / ٦٨ ]
الحديثُ اضطرابٌ (^١).