اعتنى أَبو عوانة -زيادةً على الاستخراج على صحيح مسلم- بالزوائد المتنية والإسنادية وإيراد أحاديث مستقلة زائدة على ما في صحيح مسلم.
فقد يصدر بعض الأحاديث بقوله: "زيادات لم يخرجها مسلم في صحيحه"، أو يقول: "من هنا لم يخرجاه"، أو "من هنا لم يخرجه مسلم"، وهذا إنما يفعله أَبو عوانة بعد سياقه طرق مسلم كلها، فيورد في هذا الموضع أحاديثًا يجتمع فيها مع من فوق شيخ مسلم، أو تكون تلك الأحاديث زائدة لم يخرجها صاحب الأصل الذي استخرج عليه أصلًا.
ولذا يقول الذهبي: في ترجمة أبي عوانة من كتابه السير: " … وزاد أحاديث قليلة في أواخر الأبواب" (^١).
وقال في "التذكرة": " … وله فيه زيادات عِدَّة" (^٢).
ويقول الحافظ ابن حجر في إتحاف المهرة في حديثه عن كتاب أبي عوانة: "وهو في الأصل كالمستخرج على صحيح مسلم، لكنه زاد فيه زيادات كثيرة جدًّا من الطرق المفيدة، بل ومن الأحاديث المستقلة" (^٣).
_________________
(١) (١٤/ ٤١٧).
(٢) (٣/ ٧٧٩).
(٣) إتحاف المهرة بالفوائد المبتكرة من أطراف العشرة (١/ ١٥٩).
[ مقدمة / ١٠١ ]
وقال في النكت: "كتاب أبي عوانة، وإن سمَّاه بعضهم مستخرجًا على مسلم فإن له فيه أحاديث كثيرة مستقلة في أثناء الأبواب نبَّه هو على كثير منها ويوجد فيها الصحيح والحسن والضعيف -أيضًا- والموقوف" (^١).
وقال في المعجم المفهرس: "صحيح أبي عوانة، وهو مستخرج على صحيح مسلم لكن زاد فيه طرقًا في الأسانيد، وقليلًا في المتون … " (^٢).
فالزيادات القليلة هي بالنسبة للأحاديث المستقلة، أما الزيادات العِدَّة فبالنسبة للطرق الزائدة لأحاديث مسلم، وعلى هذا يحمل كلام الذهبي السابق، وهذا هو واقع الكتاب من خلال العمل فيه.
وقد جنح ابن الصلاح في مقدمته إلى صحة ما وقع في الكتب المخرَّجة على الصحيحين أو أحدهما ككتاب أبي عوانة هذا من الزيادات (^٣)، إذ نجده في صيانة صحيح مسلم يعبر عن كتاب أبي عوانة فيقول: "ورويناه في كتاب أبي عوانة الإسفراييني المُخَرَّج على شرط مسلم" (^٤).
وتبعه على هذا العراقي في التقييد (^٥)، وابن الملقن في المقنع في علوم
_________________
(١) (١/ ٢٩٢).
(٢) (ص ٢٢)، تحقيق: محمد شكور المياديني.
(٣) انظر: مقدمة ابن الصلاح مع محاسن الاصطلاح (ص: ١٦٤).
(٤) انظر: صيانة صحيح مسلم ص (١٤٥).
(٥) التقييد والإيضاح (١٧).
[ مقدمة / ١٠٢ ]
الحديث (^١)، وفي البدر المنير حيث قال عقب حديث أخرجه أَبو عوانة وهو مما زاده على مسلم: "رواه أَبو عوانة في صحيحه كذلك قال: وهو مما لم يخرجه مسلم -أي وهو على شرطه-" (^٢).
وتعقَّب الحافظ ابن حجر ابن الصلاح بما ذكرته عنه سابقًا، ثم تعرض ﵀ لما ذكره ابن الصلاح من أن أصحاب الكتب المخرَّجة على الصحيحين لم يلتزم مصنفوها فيها موافقتهما في ألفاظ الأحاديث بعينها من غير زيادة ونقصان لكونهم رووا تلك الأحاديث من غير جهة البخاري ومسلم طلبًا لعلو الإسناد فحصل فيها تفاوتٌ في الألفاظ (^٣).
فأشار الحافظ ابن حجر إلى أن هذه الزيادات التي حكم عليها ابن الصلاح بالقبول يتوقف الحكم بصحتها على أحوال رواتها، وثبوت الصفات المشترطة في الصحيح للرواة الذين بين صاحب المستخرج وبين من اجتمع مع صاحب الأصل الذي استخرج عليه، وكلما كثرت الرواة بينه وبين من اجتمع مع صاحب الأصل فيه افتقر إلى زيادة التنقير، وكذا كلما بعد عصر صاحب المستخرج من عصر صاحب الأصل كان الإسناد كلما كثرت رجاله احتاج الناقد إلى كثرة البحث عن أحوالهم (^٤).
_________________
(١) (١/ ٦٦).
(٢) البدر المنير (مخطوط) (٤/ ٢٢١ / أ).
(٣) انظر: مقدمة ابن الصلاح مع محاسن الاصطلاح (١٦٥).
(٤) انظر: النكت (١/ ٢٩١ - ٢٩٣).
[ مقدمة / ١٠٣ ]
ومن ثمَّ فزيادات أبي عوانة ليست كلها صحيحة بل تجري عليها قواعد أهل الحديث فيحكم عليها بما تستحقُّه صحة وضعفًا، وإن كان كتاب أبي عوانة قد وُسِمَ بالصحة فقد أَخْرَجَ فيه عن من ليس على شرط الصحيح كما سبق بيانه عن الحافظ ابن حجر.
هذا بالنسبة لما يتعلَّق بزيادات المصنِّف، وأما أسانيده التي يسوقها على سبيل الاستخراج فقد يقع في رواتها من لا يحكم لحديثه بالصحة انفرادًا، ولكن بالاعتضاد فهذا حديثه صحيح، لقول الحافظ ابن حجر ﵀: "وينبغي أن يزاد في التعريف بالصحيح فيقال: هو الحديث الذي يتصل بنقل العدل التام الضبط أو القاصر عنه إذا اعتضد عن مثله إلى منتهاه ولا يكون شاذًا ولا معلَّلًا وإنما قلت ذلك لأنني اعتبرت كثيرًا من أحاديث الصحيحين فوجدتها لا يحكم عليها بالصّحة إلاّ بذلك" (^١).
وأما إخراجه للأحاديث من الطرق الواهية. وهي قليلة. فهذا مما ينتقد به كتابه، ولذا يستنكر الحافظ ابن حجر عليه روايته عن الحسن بن زياد اللؤلؤي، وهو ممن رمي بالكذب فيقول بعد نقله كلام الأئمة في توهينه فيما حكاه الذهبي: "ومع هذا كله أخرج له أَبو عوانة في صحيحه، والحاكم في مستدركه" (^٢).
_________________
(١) المصدر نفسه (١/ ٤١٧).
(٢) انظر: لسان الميزان (٢/ ٢٠٩).
[ مقدمة / ١٠٤ ]
وهذا كله من حيث الإجمال، وأما بيان ذلك، فزوائد أبي عوانة تنقسم إلى قسمين:
القسم الأول: زوائد الطرق والأسانيد، وهي على نوعين:
أ- زيادات المتابعات على ما أخرجه الإمام مسلم ﵀، وهي كثيرة جدًّا، فإن الحافظ أبا عوانة قد اعتنى بجمع الطرق من المتابعات والشواهد غاية الاعتناء، حتى إنه ربما بلغ عدد طرق بعض الأحاديث إلى (٨٩) طريقا، كما في حديث ابن عمر ﵁ في وجوب الغسل يوم الجمعة (^١).
ب- زيادات الشواهد للأحاديث التي أخرجها مسلم ﵀.
منها ما هو صحيح أو حسن كالأحاديث الآتية:
١ - (٦٣٨٩) حديث أبي الدرداء ﵁ عن النبي ﷺ قال: أفاء الله على رسوله إبلًا ففرقها، فقال أَبو موسى: يا رسول الله أحملني، فقال: "لا"، فقال له ثلاثًا، فقال النبي ﷺ "والله لا أفعل". . . الحديث.
٢ - (ح/٦٣٩٣) حديث عبد الله بن عمرو ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فليكفر عن يمينه وليأت الذي هو خير".
٣ - (ح/ ٦٤٤٦ إلى ح/٦٤٥٣) حديث أبي هريرة ﵁
_________________
(١) انظر شجرة إسناد هذا الحديث آخر المبحث الثامن.
[ مقدمة / ١٠٥ ]
عن النبي ﷺ أنه قضى باليمين مع الشاهد.
٤ - (ح/٦٤٥٦) حديث الزُّبيب ﵁ أن النبي ﷺ قَبِل له شاهدًا واحدًا ويمينه.
٥ - (ح/٦٤٦٤) حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده يأثره عن النبى ﷺ أنه كان يقضي باليمين مع الشاهد الواحد.
٦ - (ح/٦٦٢٦) حديث أبي هريرة ﵁ قال: قُتل رجل على عهد رسول الله ﷺ فدُفع القاتل إليه، فدفعه إلى ولي المقتول، فقال القاتل: والله يا رسول الله ما أردت قتله … الحديث.
٧ - (ح/٦٦٩٧) حديث أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قضى فيمن زنى ولم يحصن أن ينفى عامًا مع إقامة الحدِّ عليه.
٨ - (ح/٦٧٢٤) حديث جابر ﵁ في قصة رجم ماعز ابن مالك.
٩ - (ح/٦٨١٥) حديث عامر بن ربيعة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "العجماء جرحها جبار، والبئر جبار، والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس".
ومنها ما هو معلول ونص المصنف على علته، مثل:
١٠ - (ح/٦٤٢٥ - ٦٤٢٧) حديث أيوب عن نافع عن ابن عمر ﵁ عن النبي ﷺ قال: "من حلف على يمين فقال: إن شاء الله فهو بالخيار إن شاء مضى وإن شاء ترك"، قال أبو عوانة: "في حديث
[ مقدمة / ١٠٦ ]
أيوب عن نافع مرفوع نظر".
١١ - (ح/ ٦٤٣٢) حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "من حلف فقال إن شاء الله لم يحنث"، قال أبو عوانة: "إنه يقال غلط فيه عبد الرزاق، إنما هو مختصر من الحديث الذي يليه".
١٢ - (ح / ٦٤٥٧ إلى ح / ٦٤٥٨) حديث جابر ﵁ قال: قال النبي ﷺ: "أتاني جبريل فأمرني باليمين مع الشاهد، وقال: إن يوم الأربعاء يوم نحس مستمر"، ثم رواه مرسلًا -بلفظ-: "أنَّ النبي ﷺ قضى باليمين مع الشاهد الواحد"، وقال: "المرسل هو الصحيح".
١٣ - (ح / ٦٥٤٢) حديث عبد الله بن عمر أو عمرو -شكَّ يونس- عن النبي ﷺ ونزلت فيهم آية المحاربة، قال أَبو عوانة: "إسناد عجَبْ".
ومنها ما أخرجه لبيان الاختلاف في طرقه، نحو:
١٤ - (ح / ٦٤٥٤) حديث عن زيد بن ثابت ﵁ عن النبي ﷺ قال -يعني- قضى باليمين مع الشاهد الواحد (^١).
١٥ - (ح / ٦٤٥٩ إلى ح / ٦٤٦١) حديث سعد بن عبادة أن النبي ﷺ قضى باليمين مع الشاهد.
_________________
(١) هذا الحديث يحتمل أن أبا عوانة يرى أنه يصح بالوجهين؛ فيكون شاهدًا صحيحًا، وقد صُحح كذلك.
[ مقدمة / ١٠٧ ]
١٦ - (ح / ٦٦٨١ إلى ح / ٦٦٨٣) حديث ابن عمر ﵁ قال: كانت امرأة مخزومية تستعير المتاع فتجحده، فأمر النبي ﷺ بقطع يدها.
١٧ - (ح / ٦٨٠٧) حديث ابن عباس ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "العجماء جرحها جبار، والبئر جبار، والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس".
ومنها ما استشهد به وهو ضعيف، نحو:
١٨ - (ح / ٦٤٦٢ إلى ح / ٦٤٦٣) حديث سُرَّقٍ أن رسول الله ﷺ باليمين مع الشاهد.
والحديث في سنده جهالة التابعي.
١٩ - (ح / ٦٨١٨) حديث عبادة بن الصامت ﵁ قال "إنَّ مِنْ قضاء رسول الله ﷺ أن المعدن جبار، والبئر جبار، والعجماء جرحها جبار".
في سنده انقطاع.
٢٠ - (ح / ٦٨١٩) حديث جابر ﵁ قال: قال النبي ﷺ "السائمة جبار والجُبُّ جبار، والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس".
في إسناده راوٍ ضعيف ولم يتابع.
القسم الثاني: زوائد المتون، وهي على نوعين:
أ- زيادات تقع أثناء المتون في الأحاديث التي أخرج أصولها الإمام
[ مقدمة / ١٠٨ ]
مسلم في صحيحه، وهي كثيرة، والغالبُ عليها الصحة (^١)، ومنها المعلة والضعيفة، وهي قليلة (^٢).
ب- متون مستقلَّة لم يخرج أصولها الإمام مسلم ﵀ في صحيحه، وهي على قسمين:
أحدهما: أحاديث زادها في أثناء متون الأحاديث وأثناء الأبواب من غير تنبيه على زيادتها.
والثاني: أحاديث زادها مع التنبيه على عدم إخراج صاحب الأصل لها، وربما كان فيها ما هو مخرج أصله بالأصل، كنحو قوله في آخر كتاب الاستسقاء: "زيادات في الاستسقاء ما لم يخرجه مسلم ﵀ في كتابه" حيث أورد سبعة عشر حديثًا منها خمسة عشر حديثًا زائدًا.
وحديثين التقى فيهما مع مسلم فيمن هو فوق شيخه. أحدهما ما أسنده عن الحسن البصري، عن أنس ﵁، قال: أصاب أهل المدينة قحط ومجاعة شديدة، فقام رسول الله ﷺ يخطب يوم الجمعة، فقام ناس فقالوا: يا رسول الله، هلكت الأموال وخشينا الهلاك على أنفسنا، … " (^٣).
_________________
(١) انظر على سبيل المثال: (ح / ٢٥٨٧، ٢٥٩٠).
(٢) انظر على سبيل المثال: (ح / ٣١١).
(٣) انظر: حديث رقم (٢٥٧٨).
[ مقدمة / ١٠٩ ]
وهذ كله منه ما هو صحيح أو حسن، مثل:
١ - (ح / ٦٤٠١ إلى ح / ٦٤٠٦) حديث ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ "من حلف بغير الله كفر أو أشرك".
٢ - (ح / ٦٤١٦) حديث جابر بن عبد الله ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من حلف على منبري هذا بيمين فاجرة فليتبوأ مقعده من النار".
٣ - (ح / ٦٤٦٦) حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إذا أُكره الاثنان على اليمين فاستحباها فأسهم بينهما".
٤ - (ح / ٦٥١٥) حديث عجلان مولى المُشْمَعِلّ، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "إذا جاء مملوك أحدكم بطعامه قد ولي حرّ النار فلْيَدْعُهُ فليأكل معه، ولا تضربوهم وأطعموهم مما تأكلون".
٥ - (ح / ٦٧٠٥) حديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ لما رُجِم ماعز قال: "لقد رأيته يَتَخَضْخَضُ في أنهار الجنة".
ومنها ما هو معلولٌ ونصَّ المصنف على علته، مثل:
٦ - (ح / ٦٨١١ إلى ح / ٦٨١٢) حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "النَّار جبار"، قال أبو عوانة: كان يقال غلط فيه عبد الرزاق، إنما هو "البئر جبار"، فجعلها "النار"، ثم وافقه عليه عبد الملك عن معمر.
٧ - (ح / ٦٨١٦) حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ
[ مقدمة / ١١٠ ]
قال: "الرجل جبار"، قال أَبو عوانة؟ "لم يقله أحد غيره" اهـ. يعني سفيان ابن حسين عن الزهري.
ومنها ما هو معلول ولم ينص المصنف على العلة فيه، بل اكتفى بسوق الأسانيد المختلفة التي تُبيِّن موضع العلة، كمثل:
٨ - (ح / ٦٣٣١ إلى ح ٦٣٣٢) حديث ابن عمر عن عمر قال: سمعني رسول الله ﷺ أحلف بأبي فقال: "يا عمر لا تحلف بأبيك، احلف بالله ولا تحلف بغير الله"، قال: فما حلفت بعد إلّا بالله، ورآني أبول قائمًا؛ فقال: "يا عمر لا تبل قائمًا"، قال: فما بلت قائمًا بعد.
وبالجملة فإن عدد الأحاديث الزائدة المستقلة متنا أو إسنادا يزيد على (٤٥٢) حديثا ومتنا.