اختصار الحديث هو رواية بعض متن الحديث الواحد في موضع دون أن يذكر البعض الآخر في موضع آخر، وتقطيعه هو ذكر أجزاء الحديث الواحد المشتمل على عدة أحكام، كل جزء على حدة، بحسب الاحتجاج به في الأبواب (^٣)، فأما الاختصار فمذهب الجمهور والذي صححه غير
_________________
(١) الحديث رقم: (٣١٧٨) من كتاب الصوم.
(٢) انظره في باب من قال ليلة القدر ليلة سبع وعشرين (ق ١٢٥ ب) من النسخة المصورة برقم: (١٥١٤ فيلم)، وفي ص (٢٥١) من مصورة رقم: (٢٠٥٠).
(٣) انظر: هدي الساري (ص ١٣ - ١٤)، فتح المغيث (٣/ ١٥٧، ١٥٠)، تدريب الراوي (٢/ ١٠٥، ١٠٣).
[ مقدمة / ٣٠٣ ]
واحد هو القول بجوازه بشروط، وهي:
١ - أن يكون عارفًا واعيًا لما يغير المعنى وما لا يغيره من الزيادة والنقصان.
٢ - أن يكون ما تركه متميزًا عما نقله غير متعلق بما رواه، بحيث لا يختل البيان ولا تختلف الدلالة، كالمستثنى مع المستثنى منه، وكالشرط مع المشروط.
٣ - أن ترتفع منزلته عن التهمة، بحيث لو رواه بعد ذلك بذكر المحذوف لم يتهم بالغفلة وقلة الضبط (^١).
وأما التقطيع، فقالوا هو إلى الجواز أقرب ومن المنع أبعد (^٢)، وكلا الصنيعين قد نقل فعلهما عن الأئمة، وقد أكثر منهما الإمام البخاري في الصحيح، بخلاف الإمام مسلم، حتى إن بعض الحفاظ صرح بأن ظاهر صنيعه منع التقطيع (^٣)، وسيأتي من أمثلته عنده ما يثبت نقيض ما ذكره، وإنما اختلف صنيع الإمامين لأن الإمام مسلمًا تعمَّد جمع الطرق كلها في مكان واحد، ولم يتصد لما تصدى له البخاري من استنباط الأحكام، ولزم
_________________
(١) انظر: الكفاية في علم الرواية (ص ١٩٠ - ١٩٣)، فتح المغيث (٣/ ١٥٢ - ١٥٤)، تدريب الرواي (٢/ ١٠٤).
(٢) انظر: فتح المغيث (٣/ ١٥٦)، تدريب الراوي (٢/ ١٠٥).
(٣) والذي صرح كذا هو الرشيد العطار، صاحب كتاب (غرر الفوائد المجموعة)، نقله عنه السخاوي. فتح المغيث (٣/ ١٥٦).
[ مقدمة / ٣٠٤ ]
من ذلك تقطيعه للحديث في أبوابه، إذ لو ساقه في المواضع كلها برمته لطال الكتاب (^١).
وأما الحافظان أبو عوانة، وأبو نعيم فقد وافق كل واحد منهما صنيع الإمام مسلم، وقل عندهما الاختصار والتقطيع، فمما وقع عند أبي عوانة من الاختصار الحديث رقم (٣٠٩٠): "أن النبي ﷺ-كان يقبل وهو صائم، ولكنه كان أملككم لإربه"، فحذف ذكر المباشرة من الحديث، وهو ثابت عند مسلم، وأبي نعيم، وكذا عند أبي داود السجستاني، الذي روى الحديث من طريقه (^٢)، وكذلك اختصر حديث رقم: (٣٣١٦): "من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه"، فحذف صدره، وهو قوله: "من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه"، إلا أنه في هذا الموضع اختصر بحذف ما يراه وهما من راويه كما صرح بذلك عقب حديث رقم: (٣٢٦٨).
واشترك هو وأبو نعيم في اختصار حديث أبي سعيد الخدري: سمعت من رسول الله ﷺ أربعًا فأعجبنني وأيْنَقْنَني، فذكر كل واحد منهما من الأربعة النهي عن صوم يوم الفطر ويوم الأضحى (^٣)، وقد يكون هذا من
_________________
(١) انظر: هدي الساري (ص ١٢)، النكت على كتاب ابن الصلاح (١/ ٢٨٣).
(٢) انظر مستخرج أبي نعيم -كتاب الصيام- باب الرخصة في القبلة للصائم (ص ١٦٧) من مصورة رقم: (٢٠٤٩)، وانظر بقية الأماكن في التعليق على الحديث.
(٣) انظر الحديث رقم: (٣١٣٥)، ومستخرج أبي نعيم -كتاب الصيام- باب كراهية =
[ مقدمة / ٣٠٥ ]
قبيل التقطيع عندهما كما هو عند الإمام مسلم، إذا كانا ذكراه في مواضع أخرى.
واشترك هو وأبو نعيم، ومن قبلهما الإمام مسلم، في اختصار حديث أبي سعيد في النهي عن صيام يومين: يوم الفطر ويوم النحر، فإن الحديث كما رواه البخاري فيه النهي عن الذي ذكروه، وعن الصماء، وأن يحتبي الرجل في الثوب الواحد، وعن صلاة بعد الصبح والعصر (^١)، واشترك هو والإمام مسلم في اختصار حديث أبي عبيد مولى ابن أزهر، عن عمر في النهي عن صيام يومي العيد، بحذف الزيادة الموقوفة في الحديث، وهي ثابتة عند أبي نعيم، وهذا من أبي عوانة متابعة للإمام مسلم في عدم تعريجه للآثار الموقوفة في كتابه إلا على سبيل الندور تبعا لا قصدًا، كما قال الحافظ ابن حجر (^٢)، وكذلك اشتركا في اختصار الحديث رقم: (٣١١٠)، وهو مذكور عند أبي نعيم كاملًا كما أشير إليه في حاشية الحديث.
وانفرد أبو نعيم باختصار حديث نبيشة الهذلي مرفوعًا: "أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر الله"، من طريق ابن علية، حيث اختصر الحديث
_________________
(١) = صيام العيدين وأيام التشريق (ص ٢١٠) من مصورة رقم: (٢٠٤٩).
(٢) الحديث رقم: (٣١٣١)، وانظر الإحالات في حواشيه وانظر مستخرج أبي نعيم -كتاب الصيام -باب كراهية صيام العيدين وأيام التشريق (ص ٢١٠) من مصورة رقم: (٢٠٤٩).
(٣) انظر: هدي الساري (ص ١٢).
[ مقدمة / ٣٠٦ ]
الذي أصله طويل كما هو عند أحمد الذي أخرجه من طريقه، فذكر موضع الشاهد فقط (^١)، وقد يكون هذا من قبيل التقطيع، إذا كان قد ذكر بقية أجزائه في مواضع أخرى، وقد أعرض الإمام مسلم والحافظ أبو عوانة عن هذا الطريق لعله لما يلزمهما من الاختصار بإخراج الحديث منه.
وأما التقطيع فمما وقع منه عند الثلاثة (مسلم، وأبي عوانة، وأبي نعيم) تقطيعهم لحديث عائشة من طريق أبي سلمة أنه قال: في خلت على عائشة فقلت: أي أمه، أخبريني عن صلاة رسول الله ﷺ بالليل، وعن صيامه، فقالت: الحديث، وهو عند أبي عوانة برقم: (٣٢٢٥) بذكر الصيام فقط، وصدر به باب رقم: (٣٠٣٦) تعليقًا بذكر الصلاة (^٢).
فالخلاصة أن كلا الحافظين سار على طريقة الإمام مسلم من قلة الاختصار والتقطيع للحديث، ولم يمنع هذا المنهج من تمكين الحافظ أبي عوانة من استنباط الأحكام من الأحاديث، حيث إنه سلك طريقة التفريق لطرق
_________________
(١) مسند أحمد (٥/ ٧٥)، مستخرج أبي نعيم -كتاب الصيام-باب كراهية صيام العيدين وأيام التشريق (ص ٢١١) من مصورة رقم: (٢٠٤٩).
(٢) وعند مسلم ذكر الصيام في كتاب الصيام -باب صيام النبي ﷺ في غير رمضان (٢/ ٨١١)، وذكر الصلاة في كتاب صلاة المسافرين وقصرها -باب صلاة الليل وعدد كعات النبي ﷺ (١/ ٥١٠)، وعند أبي نعيم ذكر الصيام في كتاب الصيام- باب فضل شعبان (ص ٢٢٩) من مصورة رقم: (٢٠٤٩)، وذكر الصلاة في أبواب الصلاة في الليل (ق ١٢٢ أ) من النسخة المحفوظة برقم: (١٥١٤) فيلم.
[ مقدمة / ٣٠٧ ]
الحديث الواحد التي يوردها الإمام مسلم مجتمعة، فيوردها هو في الأبواب حسب الاحتجاج بها، ومما يلاحظ عليهما عدم التنبيه بما يشعر بوقوع الاختصار، كما يفعله الترمذي بقوله: وفي الحديث قصة، ونحو ذلك (^١).