إنّ موضوع الاستخراج يقتضي من المستخرج استيفاء أحاديث وطرق صاحب الأصل، قال السخاوي: "فيورد أحاديثه حديثا حديثا بأسانيد لنفسه … وربما عزَّ على الحافظ وجود بعض الأحاديث فيتركه أصلا، أو يعلقه عن بعض رواته، أو يورده من جهة مصنف الأصل" (^١)، وقد مثل الكتابان نموذجين من هذا المنهج الذي ذكره علماء مصطلح الحديث في موضوع الاستخراج، فأما كتاب أبي عوانة، فليس عنده أحاديث أسقطها جملة إلا خمسة أحاديث من أحاديث الأصل، وفق دراسة الجزء المخصص للمقارنة من كتابي الصوم والزكاة، وهي:
الأول: حديث عبد الله بن عباس ﵁، "أن رسول الله ﷺ خرج عام الفتح في رمضان، فصام حتى بلغ الكديد، ثم أفطر، وكان صحابة رسول الله ﷺ يتبعون الأحدث فالأحدث من أمره".
الثاني: حديث جابر بن عبد الله ﵁، "أن رسول الله ﷺ خرج عام الفتح إلى مكة في رمضان، فصام حتى بلغ كراع الغميم … " الحديث (^٢).
_________________
(١) فتح المغيث (١/ ٤٤).
(٢) انظرهما في صحيح مسلم -كتاب الصيام- باب جواز الصوم والفطر في شهر رمضان =
[ مقدمة / ٢٥٧ ]
الثالث: حديث سليمان بن يسار، عن أم سلمة ﵂، أنه سألها عن الرجل يصبح جنبا، أيصوم؟ " الحديث (^١).
الرابع: حديث عبد الله بن عباس ﵁، قال: "ما صام رسول الله ﷺ شهرا كاملا قط غير رمضان، وكان يصوم حتى يقول القائل: لا، والله! لا يفطر … " (^٢).
الخامس: حديث أنس، أن رسول الله ﷺ كان يصوم حتى يقال: قد صام، قد صام، ويفطر حتى يقال: قد أفطر، قد أفطر (^٣).
وأما إسقاطه لبعض طرق صاحب الأصل، فمن ذلك إسقاطه لطرق عبد الله بن سوادة بن حنظلة، عن أبيه، عن سمرة (^٤)، وطريق عمرو ابن دينار، عن أبي العباس، عن عبد الله بن عمرو (^٥)، وطرق حديث هشام بن عروة،
_________________
(١) = للمسافر إلخ (٢/ ٧٨٤ - ٧٨٥)، وقد أورد الحافظ ابن حجر حديث جابر في الإتحاف وليس فيه ذكر أبي عوانة فيمن أخرجه (٣/ ٣٤٣ - ٣٤٤/ ٣١٦٤).
(٢) كتاب الصيام -باب صحة صوم من طلع عليه الفجر وهو جنب (٢/ ٧٨١).
(٣) كتاب الصيام -باب صيام النبي ﷺ في غير رمضان (٢/ ٨١١).
(٤) نفس الكتاب والباب (٢/ ٨١٢).
(٥) انظر الأحاديث برقم: (٣٠٠١، ٣٠٠٢)، وهي عند مسلم في كتاب الصيام -باب بيان أن الدخول في الصوم يحصل بطلوع الفجر، إلخ (٢/ ٧٦٩ - ٧٧٠).
(٦) كتاب الصيام - باب النهي عن صوم الدهر (٢/ ٨١٦).
[ مقدمة / ٢٥٨ ]
عن أبيه عن عائشة، في اعتكاف رسول الله ﷺ في العشر الأواخر (^١).
وربما أورد طرقا زائدةً على ما في الأصل تكون بدلا عما سقط عنده، ومثال ذلك إيراده لطريق زهير بن معاوية، وحماد بن سلمة، ويحيى بن سعيد القطان، عوضا عن طريق أبي خالد الأحمر، وابن علية، وجرير، التي عند مسلم، في حديث سليمان التيمي، عن أبي عثمان، عن ابن مسعود، مرفوعا: "لا يمنعن أحدا منكم أذان بلال من سحوره … " الحديث (^٢).
وأما ما يقع منه من تعليقه لما سقط عنده مما هو في الأصل، فمن ذلك تعليقه لطريق أبي خالد الأحمر، عن حميد، عن أنس، أن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يسافرون، فلا يعيب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم (^٣)، وستأتي زيادة أمثلة في الكلام على المعلقات في الكتابين.
وليس عنده ما ضاق عليه المخرج حتى أورده من جهة الإمام مسلم
_________________
(١) كتاب الاعتكاف -باب اعتكاف العشر الأواخر من رمضان (٢/ ٨٣٠).
(٢) كتاب الصيام -باب بيان أن الدخول في الصوم يحصل بطلوع الفجر (٢/ ٧٦٨ - ٧٦٩)، والأحاديث رقم: (٣٠٠٣ - ٣٠٠٥) عند أبي عوانة، وانظر أمثلة أخرى لذلك في الأحاديث التالية: (٣٠١٩، ٣٠٢٥ - ٣٠٢٧، ٣٠٩٦ - ٣٠٩٩، ٣٢٧٤ - ٣٢٧٧).
(٣) كتاب الصيام -باب جواز الصوم والفطر في رمضان للمسافر (٢/ ٧٨٨)، علقه أبو عوانة إثر طريق رقم: (٣٠٥١)، وانظر أمثلة أخرى لما ذكره تعليقا إثر الأرقام التالية: (٣٠١٨، ٣٠٢٨، ٣١٢٦، ٣١٩٠، ٣٢٣٦، ٣٣٠٥).
[ مقدمة / ٢٥٩ ]
إلا حديثان وفق القسم المخصص للمقارنة، وهما حديث أم سلمة ﵂، أن مروان أرسل أبا بكر بن عبد الرحمن إليها يسأل عن الرجل يصبح جنبا، أيصوم؟ (^١)، أخرجه أبو عوانة برقم: (٣٠٧٣)، وحديث عائشة: كان رسول الله ﷺ يعتكف العشر الأواخر من رمضان (^٢)، أخرجه برقم: (٣٣٠١)، إلا أنه قرن الإمام مسلم بشيخ آخر، وهو درست بن سهل.
وأما الحافظُ أبو نعيم ﵀، فليس عنده أحاديث ساقطة أصلًا، وفق القسم المطابق للقسم المخصص للمقارنة (من كتابي الصوم والزكاة) من كتاب أبي عوانة، وأما ما يقع من إسقاط الطرق فموجود، لكنه قليل، ثم هو في الغالب يورد طرقا تقوم بدلا مما أسقط، فمما أسقط ولم يورد له بدلا طريق عمرو بن دينار، عن أبي العباس، عن عبد الله بن عمرو في قيامه بالليل، وصومه بالنهار (^٣)، وحديث عائشة في المباشرة للصائم من طريق أبي عاصم، عن ابن عون، عن إبراهيم، عن الأسود وحده عنها (^٤)، وأما ما أورد له بدلا.
_________________
(١) صحيح مسلم -كتاب الصيام- باب صحة صوم من طلع عليه الفجر وهو جنب (٢/ ٧٨٠).
(٢) كتاب الاعتكاف -باب اعتكاف العشر الأواخر من رمضان (٢/ ٨٣٠).
(٣) صحيح مسلم -كتاب الصيام- باب النهي عن صوم الدهر (٢/ ٨١٦).
(٤) صحيح مسلم -كتاب الصيام- باب بيان أن القبلة في الصوم ليست محرمة إلخ، (٢/ ٧٧٧).
[ مقدمة / ٢٦٠ ]
فمنها: حديث أبي خالد الأحمر، عن حميد، عن أنس، السالف الذكر في الصوم والفطر في السفر (^١)، فأورد بدله طريق زائدة، وإسماعيل ابن جعفر، وعبد العزيز بن محمد، وقد صرح عقبها بأنه تبع أبا إسحاق (^٢)، في ذلك، كما قال: "وحديث إسماعيل بن جعفر، وعبد العزيز بن محمد، لم يذكر مسلم في الباب، وخرجه أبو إسحاق بدلا من حديث أبي خالد" (^٣).
ومنها: طريق يحيى بن يحيى عن أبي معشر، لحديث الربيع بنت المعوذ في "باب من أكل في عاشوراء فليكف بقية يومه" (^٤)، فأورد أبو نعيم طريقين زائدين عن بشر بن المفضل، بدلا منها (^٥).
ومنها: طريق سويد بن سعيد، عن حفص بن ميسرة، عن زيد بن أسلم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة في إثم مانع الزكاة (^٦)، أورد بدلها طريق ابن وهب، عن حفص بن ميسرة، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن
_________________
(١) مستخرج أبي نعيم -كتاب الصوم- باب الصوم والإفطار في السفر (ص ١٨٤ - ١٨٥) من مصورة رقم: (٢٠٤٩).
(٢) هو إبراهيم بن محمد بن حمزة الأصبهاني، اشتهر بأبي إسحاق بن حمزة، وهو من شيوخ أبي نعيم، توفي سنة ٣٥٣ هـ. انظر: سير أعلام النبلاء (١٦/ ٨٣).
(٣) الموضع السابق.
(٤) صحيح مسلم (٢/ ٧٩٩).
(٥) مستخرج أبي نعيم -كتاب الصوم- باب في فضل صيام عاشوراء (ص ٢٠٨ - ٢٠٩) من مصورة رقم: (٢٠٤٩).
(٦) صحيح مسلم -كتاب الزكاة- باب إثم مانع الزكاة (٢/ ٦٨٠).
[ مقدمة / ٢٦١ ]
أبي هريرة (^١)، وهذه جملة ما وقفت له مما أسقط، والحديث الأول والثاني عند أبي عوانة تعليقا (^٢)، وأما الثالث فقد خرجه برقم: (٣٣٧٢).
ولم يقع منه تعليق ما ليس عنده، ولا روايته من طريق الإمام مسلم، ولا حاجة له إلى ذلك، إذ من منهجه أنه يذكر تخريج مسلم للحديث إثر كل طريق، فيظهر للناظر ما أسقط مما خرَّج، اللهم إلا ما وقع من طريق أبي خالد الأحمر، عن حميد، عن أنس، حيث ذكر إسناد ومتن الإمام مسلم كاملا (^٣)، وحديث عائشة: "كان رسول الله ﷺ يقبل وهو صائم، ويباشر وهو صائم ولكنه كان أملككم لإربه" من طريق يحيى بن أبي زائدة، عن الأعمش، عن مسلم عنها (^٤).
الخلاصة:
يتبين من هذه الدراسة أن الحافظ أبا نعيم أشد استيفاء في إيراد أحاديث وطرق الأصل المخرج عليه، من الحافظ أبي عوانة، إلا أن أبا عوانة قد عوض ذلك بالأحاديث الزائدة التي زادها على الأصل.
_________________
(١) مستخرج أبي نعيم -كتاب الزكاة -باب في الإثم لمن لم يؤد الحق من أمواله (ص ٨٠) من مصورة رقم: (٢٠٤٨).
(٢) انظرها إثر: ح (٣٠٥١، ٣١٩٠).
(٣) مستخرج أبي نعيم -كتاب الصيام -باب كراهية الصوم في السفر (ص ١٨٤ - ١٨٥)، من مصورة رقم: (٢٠٤٩).
(٤) المصدر السابق، كتاب الصيام -باب الرخصة في القبلة للصائم (ص ١٦٧ - ١٦٨) من مصورة رقم: (٢٠٤٩).
[ مقدمة / ٢٦٢ ]