من مميزات صحيح الإمام مسلم حسن ترتيبه لأحاديث أبواب كتابه، ولطرق الحديث الواحد عنده، وقد ذكر في المقدمة أنه يقسم الأخبار على ثلاثة أقسام، وثلاث طبقات من الناس، ويتوخى تقديم الأخبار التي هي أسلم من العيوب من غيرها وأنقى، وهي أخبار أهل الاستقامة في الحديث، والإتقان في النقل، فإذا تقصاها، أتبعها أخبارا يقع في أسانيدها من ليس موصوفا بالحفظ والإتقان كالصنف المتقدم، مع كونهم من أهل الستر والصدق وتعاطي العلم، وأما قوم متهمون عند أهل الحديث، ومن الغالب على حديثه المنكر أو الغلط، فلم يتشاغل بإخراج حديثهم (^١)، فاختلف العلماء في مقصد الإمام مسلم من هذا التقسيم، والشرط الذي ذكره، في موضعين:
الأول: هل أخرج مسلم في الصحيح أحاديث القسمين الأولين، وعلى أي وجه أخرجها؟ أو إنما أخرج أحاديث القسم الأول، ومات قبل إخراج أحاديث القسم الثاني؟ (^٢).
_________________
(١) انظر: صحيح مسلم (١/ ٤ - ٧).
(٢) انظر: مقدمة إكمال المعلم بفوائد مسلم (ص ١٢٣ - ١٢٦)، صيانة صحيح مسلم (٩٠ - ٩١)، النكت على كتاب ابن الصلاح (١/ ٤٣٣ - ٤٣٤)، بين الإمامين (ص ٢٠)، منهج الإمام مسلم في ترتيب كتابه الصحيح (ص ١٢ - ١٣).
[ مقدمة / ٢٤٧ ]
الثاني: هل ترتيبه للأحاديث وطرقها مبني على هذا التقسيم، فيصدر بأحاديث القسم الأول، ويؤخر أحاديث القسم الثاني، أو الأمر ليس كذلك؟ (^١).
فأما الاختلاف في الموضع الأول فقد حقق الحافظ ابن حجر وغيره الوجه الصحيح من ذلك.
وأما الثاني فلم يزل محل خلاف بين العلماء، وقد اعتمد في هذه الدراسة على أن الأصل عند الإمام مسلم أنه يصدر ويقدم أحاديث أهل الطبقة الأولى، ثم يتبعها بأسانيد الطبقة الثانية، حيث وجدت، وهم قوم نص الأئمة على إخراج مسلم لهم في الشواهد، لكنه قد يخرج عن هذا الأصل لاعتبارات، وذلك لأنه الظاهر من كلامه في المقدمة، ثم الدراسة لأحاديث صحيح مسلم مع مقارنتها للقسم المخصص لهذه المقارنة من كتاب أبي عوانة؛ تؤيده ولا تناقضه.
وقد سلك كل من الحافظين أبي عوانة، وأبي نعيم مسلكًا غير مسلك الآخر في ترتيب الأحاديث والطرق، وسأذكر منهج كل واحد منهم على حدة.