ذكر الإمام مسلم في المقدمة أن الذي سأله تأليف كتابه شرط عليه أن يلخص له السنن في التأليف بلا تكرار يكثر، وقد وفى بهذا الشرط حيث
[ مقدمة / ٢٩٦ ]
لم يوجد في كتابه كثرة التكرار للأحاديث، وليس في القسم المخصص لهذه الدراسة -من كتابي الصوم والزكاة- حديث كرره في موضع آخر من كتابه الصحيح بالإسناد والمتن إلا حديثًا واحدًا، وهو، حديث أبي بن كعب أن ليلة القدر ليلة سبع وعشرين، ذكره أولا في كتاب صلاة المسافرين، ثم كرره في كتاب الصيام، وفي كلا الموضعين من طريق محمد بن المثنى، عن محمد ابن جعفر، عن شعبة، عن عبدة، عن زر بن حبيش، عن أبيّ به (^١).
وأما المخرِّجان فسلك كل واحد منهما ما يتفق مع غرضه من التأليف، فأما الحافظ أبو نعيم فحذا حذو الإمام مسلم، في جمع الطرق والأحاديث في موضع واحد، بلا تكرار يكثر، وأما الحافظ أبو عوانة، لما كان قصده غير منحصر في مجرد الاستخراج، بل أراد مع ذلك استخراج أحكام بحسن استنباطه من الأحاديث، فسلك في هذا الباب مثل مسلك الإمام البخاري ومن حذا حذوه ممن أودع كتابه جملة من معاني الفقه والأحكام، فأورد في كتابه عدة أحاديث مكررة في موضعين فأكثر حسب استدلاله بما تضمنته من الأحكام، لكنه كما يفعل الإمام البخاري، قلما يورد حديثًا بإسناد واحد، ولفظ واحد من دون اشتماله على فائدة في الإسناد، أو في المتن، كما قال الحافظ عن صنيع البخاري: "حتى ولو لم
_________________
(١) كتاب صلاة المسافرين -باب الترغيب في قيام رمضان وهو التراويح (١/ ٥٢٥)، كتاب الصيام -باب فضل ليلة القدر والحث على طلبها (٢/ ٨٢٨).
[ مقدمة / ٢٩٧ ]
تظهر لإعادته فائدة من جهة الإسناد ولا من جهة المتن لكان ذلك لإعادته لأجل مغايرة الحكم الذي تشتمل عليه الترجمة الثانية موجبًا لئلا يعد مكررًا بلا فائدة" إلى آخر كلامه (^١)، ينطبق أيضًا على صنيع أبي عوانة، وسأورد جملة ما وقع له من الأحاديث المكررة في القسم المخصص لهذه الدراسة -من كتابي الصوم والزكاة- على الترتيب التالي:
ما أورده في موضعين فأكثر بإسناد واحد، وزاد فائدة أخرى.
ما أورده في موضعين فأكثر بإسناد واحد ولفظ واحد، ولم يذكر فائدة أخرى.
ما أورده في موضعين فأكثر بأسانيد مختلفة وبعض الاختلاف في المتن.
فأما الأول فتحته أربعة أحاديث:
١ - حديث عائشة ﵂: جاء حمزة الأسلمي إلى النبي ﷺ، وكان رجلًا يسرد الصوم، فسأله عن الصوم في السفر، فقال: "أنت بالخيار، إن شئت فصم وإن شئت فأفطر"، أورده في بابين، في كل باب من طريقين:
في باب ذكر الخبر الدال على إباحة الإفطار في كل سفر، إلخ (^٢).
وفي باب ذكر الأخبار التي تعارض حظر سرد الصوم إلخ (^٣).
_________________
(١) هدي الساري (ص ١٦).
(٢) الحديث رقم: (٣٠٥٦) و(٣٠٥٣).
(٣) الحديث رقم: (٣١٥٩) و(٣١٦٠).
[ مقدمة / ٢٩٨ ]
ذكر فائدتين من الحديث بعد فائدة عقد باب زائد من أجله، وهما:
أ - ذكر في الموضع الأول في الإسناد الثاني نسب شيخه كاملًا بما اشتهر من النسبة، كما ذكر موضع التحمل، فقال: حدثنا إبراهيم ابن مسعود بن عبد الحميد القرشي المخزومي، ابن أخي سندولة، بهمذان.
ب- ذكر في الموضع الثاني في الإسناد الثاني والد حمزة، فقال جاء حمزة بن عمرو الأسلمي.
٢ - حديث أبي هريرة: "أوصاني خليلي ﷺ بثلاث: صوم ثلاثة أيام من كل شهر، والوتر قبل النوم، وصلاة الضحى"، أورده في بابين:
في باب ثواب صلاة الضحى، والدليل على أنها ركعتان (^١).
وفي باب بيان فضيلة صوم يوم عرفة وثوابه، وثواب صوم يوم عاشوراء والترغيب في صوم يوم الاثنين، وفضيلة صوم ثلاثة أيام من كل شهرٍ إلخ (^٢)، ذكر ثلاث فوائد في تكراره للحديث:
أ - بيان اسم شيخه في الموضع الثاني، وقد ذكره بكنيته في الموضع الأول.
ب- بين في الموضع الأول اختلاف ألفاظ الطريقين اللذين جمعهما في سياق الحديث.
_________________
(١) كتاب الصلاة، حديث رقم: (٢١٦٦).
(٢) الباب رقم: (٢٧) من كتاب الصوم، وأورد الحديث برقم: (٣١٧٣).
[ مقدمة / ٢٩٩ ]
ج - في الموضع الأول زاد قول أبي هريرة: لا أدعهن.
٣ - حديث عبد الله بن عمرو ﵁، بلغ النبي ﷺ أني أصوم أسرد وأصلي الليل، وذكر الحديث، عن الصاغاني، حدثنا روح، عن ابن جريج، عن عطاء، أن أبا العباس الشاعر أخبره أنه سمع عبد الله ابن عمرو يقول: فذكره، أورده في موضعين:
في باب ذكر الأخبار الدالة على حظر صوم الدهر وإبطال فضيلته (^١).
وفي باب ذكر الخبر المبين أن أحب الصيام إلى الله ﷿ صيام داود صلوات الله عليه، صوم يوم وإفطار يوم (^٢)، لم يذكر لفظه في الموضع الأول، بل قال: وذكر حديثه في هذا، وذكره في الموضع الثاني، وأيضًا ذكره في الموضع الأول بعنعنة روح، وابن جريج، وفي الموضع الثاني ذكر تصريحهما بالتحديث.
٤ - حديث أبي سعيد الخدري: "لا صدقة في حب ولا تمر دون خمسة أوسق" من طريق الثوري، عن إسماعيل بن أمية، عن محمد بن يحيى ابن حبان، عن يحيى بن عمارة، عنه، ذَكره في موضعين:
في باب بيان مبلغ ما تجب فيه الزكاة في الورق والإبل والتمر (^٣).
_________________
(١) الحديث رقم: (٣١٤٨)، تحت الباب رقم: (٢٤) من كتاب الصوم.
(٢) الحديث رقم: (٣٢٥٢) تحت الباب رقم: (٣٤) من كتاب الصوم.
(٣) الحديث رقم: (٣٣٣١) تحت الباب رقم ١ من كتاب الزكاة.
[ مقدمة / ٣٠٠ ]
وفي باب ذكر الخبر الدال على إيجاب الزكاة في كل حب اتخذ منه الطعام ويدخر له، إذا بلغ خمسة أوسق (^١)، أفاد في الموضع الثاني ذكر اسم شيخه الحسن بن عفان، على حين قال في الموضع الأول: ابن عفان، واختصر الإسناد في الموضع الثاني.
والقسم الثاني -وهو ما أورده في موضعين فأكثر بإسناد واحد ولفظ واحد، ولم يذكر فائدة أخرى- تحته حديث واحد، وهو:
حديث أبي قتادة الأنصاري ﵁، من طريق مهدي ابن ميمون، وأبان العطار، كلاهما عن غيلان بن جرير، عن عبد الله بن معبد، عن أبي قتادة، بذكر صوم يوم الاثنين والخميس، أورده في موضعين بالإسناد والمتن:
في باب ذكر الأخبار الدالة على حظر صوم الدهر إلخ (^٢).
وفي باب فضيلة صوم يوم عرفة وثوابه، وثواب صوم يوم عاشوراء إلخ (^٣).
فهذا ليس فيه فائدة أخرى إلا ما تضمنه ذكره في باب آخر من زيادة استنباط من فقه الحديث.
وأما القسم الثالث، فتحته أحاديث كثيرة، وهو في الحقيقة ليس تكرارًا
_________________
(١) الحديث رقم: (٣٣٤٨) تحت الباب رقم ٢ من كتاب الزكاة.
(٢) الحديث رقم: (٣١٤٥).
(٣) الحديث رقم: (٣١٦٩).
[ مقدمة / ٣٠١ ]
لأنه من قبيل ما أشير إليه أن من منهجه أنه يفرق طرق الحديث الواحد والتي يوردها الإمام مسلم مجتمعة، فيجعلها في عدة أبواب حسب كثرة ما يستنبط منها من الأحكام، وسأذكر هنا حديثًا واحدًا، وهو:
حديث أبي هريرة: "أفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل"، ذكره في موضعين:
في باب ذكر الأخبار التي تعارض حظر سرد الصوم، والدليل على إبطال فضيلة صوم رجب، قال: حدثنا أحمد بن عبد الحميد الحارثي، حدثنا حسين الجعفي، عن زائدة، عن عبد الملك بن عمير، عن محمد بن المنتشر، عن حميد الحميري، عن أبي هريرة، سأل رجل رسول الله ﷺ، أي الصلاة أفضل بعد المكتوبة؟ قال: "الصلاة في جوف الليل"، قال: فأي الصوم أفضل بعد رمضان؟ قال: "شهر الله الذي تدعونه المحرم" (^١).
وفي باب ذكر الخبر الذي يبين أنه ليس في السنة شهر يصام فيه بعد رمضان أفضل من المحرم إلخ، قال: حدثنا أبو الأحوص، صاحبنا، أخبرنا سعيد بن منصور، حدثنا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن حميد بن عبد الرحمن الحميري، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: "أفضل الصيام بعد شهر
_________________
(١) الحديث رقم: (٣١٥٤) تحت الباب رقم: (٢٥) من كتاب الصلاة، وقد سبق أن أورده كذا الإسناد في كتاب الصلاة، لكنه ذكر ما يتعلق بالصلاة فقط (حديث رقم: ٢٢٥٣)، ومن هذه الناحية يلتحق بالقسم الأول.
[ مقدمة / ٣٠٢ ]
رمضان … " فذكره (^١).
فنستخلص أن الحافظ أبا عوانة غاير منهج الإمام مسلم حيث كرر أحاديث بإسناد واحد في عدة مواضع، إلا أنه اتبع صنيع الإمام البخاري في ذلك حيث لا يتعرى موضع التكرار من فائدة إسنادية أو متنية، وأما الحافظ أبو نعيم فهو ماش على منهج الإمام مسلم، وليس عنده حديث مكرر بالإسناد الواحد في موضعين فأكثر، وفق ما في القسم الموافق للقسم الذي جرت عليه المقارنة، إلا الحديث الذي كرره مسلم، سواء بسواء (^٢)، والله أعلم.