المعلَّق من الحديث هو: ما حُذِف من مبتدأ إسناده واحد فأكثر ولو إلى آخر الإسناد (^١).
وقد أكثر أَبو عوانة من إيراد الأحاديث المعلَّقة مقارنةً بصاحب الأصل الإمام مسلم، ومقارنةً بأبي نعيم، فالإمام مسلم غاية ما تبلغ عدد الأحاديث المعلَّقة عنده (١٧ حديثًا) في كتابه الصحيح كلِّه على ما ذكره
_________________
(١) انظر: نزهة النظر شرح نخبة الفكر (ص ٤٠)، وهدي الساري مقدمة فتح الباري لابن حجر العسقلاني (ص: ١٩)، تدريب الراوي للسيوطي (١/ ١١٧).
[ مقدمة / ١١١ ]
السيوطي (^١)، وقريب منه أَبو نعيم، أما أَبو عوانة فمعلقاته تقارب ثلاثمائة حديث معلق.
والتعليق عند أبي عوانة على أوجه: فتارة يعلِّقه عن بعض شيوخه، وتارة عمَّن فوقهم، وتارة عمَّن فوق ذلك.
وأحيانًا يعلِّق الإسناد ويذكر معه طرفًا من المتن، وأحيانًا يكتفي -عند تعليق الإسناد- بإحالة المتن على السابق، كما سيأتي الكلام عليه في بيان منهج أبي عوانة في كتابه.
وجميع هذه المعلقات يذكرها أبو عوانة عقب الأحاديث المتصلة، سوى عدد قليل منها صدر بها الأبواب (^٢).
وهذه المعلقات منها ما هو موصول عند المصنف نفسه (^٣)، ومنها ما هو موصول عند مسلم (^٤)، ومنها ما هو موصول عند غيرهما (^٥).
وبعد التأمل والنظر في تلك المعلقات ترجح لدينا أن أبا عوانة أوردها للأغراض التالية:
أولًا: الأغراض العائدة للإسناد:
_________________
(١) تدريب الراوي للسيوطي (١/ ١١٧).
(٢) انظر: حديث رقم: (٣٧١٩، و٦٦١٨).
(٣) علقه عقب الحديث رقم: (٦٤٩٠)، ووصله برقم: (٦٤٨٦).
(٤) انظر -مثلًا- الحديث رقم: (٢٠٤٦، و٢٠٨٧).
(٥) انظر -مثلًا-: الحديث رقم: (١٧٦٢، و٢٠٣٣).
[ مقدمة / ١١٢ ]
١ - لبيان المتابعة على الوصل والإرسال.
فمثال ما علقه لبيان المتابعة على الوصل:
حديثٌ أسنده من طريق عبد الرحيم بن سليمان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أنَّ يد السارق لم تكن تقطع في عهد رسول الله ﷺ في الشيء التافه (^١).
ثم قال عقبه: رواه عَبدة وأبو أُسامة عن هشام متصلًا أيضًا.
ومثال ما علقه لبيان المتابعة على الإرسال:
حديثٌ أسنده من طريق إسماعيل بن أبي خالد، عن الحسن أن النبي ﷺ قال: "يا عبد الرحمن لا تسأل الإمارة … "، الحديث (^٢).
ثم قال عقبه: "رواه ابن جريج عن علي بن زيد"اهـ، يعني عن الحسن.
٢ - لبيان المتابعة على زيادة راوٍ في الإسناد أو حذفه.
فمثال ما علقه لبيان المتابعة على حذف راوٍ من الإسناد:
حديثٌ رواه عن أبي داود السجستاني عن سليمان بن حرب عن حماد بن زيد عن أيوب عن أبي قلابة عن أنس … الحديث (^٣)، وأعقبه بحديث أبي داود السجستاني من طريق وهيب عن أيوب بإسناده.
ثم قال عقبه: روى محمد بن يحيى وغيره عن سليمان بن حرب كما
_________________
(١) انظر: ح (٦٦٥٨).
(٢) انظر: ح (٦٣٨٢).
(٣) انظر: ح (٦٥٥٠).
[ مقدمة / ١١٣ ]
رواه أَبو داود سواء لم يُذكر أَبو رجاء.
ومثال ما علقه لبيان المتابعة على زيادة راوٍ في الإسناد:
الحديث السابق نفسه رواه عن أبي أمية الطرسوسي عن سليمان ابن حرب بزيادة أبي رجاء بين أيوب وأبي قلابة (^١).
ثم قال عقبه: رواه هارون بن عبد الله عن سليمان بن حرب هكذا عن أبي رجاء عن أبي قلابة.
٣ - لبيان سماع الراوي من شيخه.
مثاله: حديثٌ أسنده من طريق ابن وهب عن مالك عن أبي ليلى ابن عبد الله بن عبد الرحمن بن سهل، عن سهل بن أبي حثمة … الحديث (^٢).
ثم قال عقبه: رواه مطرف عن مالك عن أبي ليلى بن عبد الله عن سهل بن أبي حثمة أنه أخبره هو ورجال من كبراء قومه.
٤ - لبيان الاختلاف في تسمية الراوي المبهم في الإسناد.
مثال ذلك ما أسنده من طريق أبي عامر العَقَدي، قال حدثنا قُرَّة ابن خالد، قال حدثني محمد بن سيرين، قال حدثني عبد الرحمن بن أبي بكرة ورجل في نفسي أفضل من عبد الرحمن -حُمَيد بن عبد الرحمن- عن أبي بكرة قال: خطبنا النبي ﷺ يوم النحر فقال: "أي يوم هذا" …
_________________
(١) انظر: ح (٦٥٥٣).
(٢) انظر: ح (٦٤٧٦).
[ مقدمة / ١١٤ ]
الحديث (^١).
ثم قال عقبه: ورواه يحيى القطان، فقال: "وعن رجل آخر أفضل في نفسي"، ولم يسمه كما سماه أَبو عامر.
٥ - لتقوية المتكلم فيه في الإسناد.
مثاله: حديثٌ رواه من طريق أيوب بن خالد عن الأوزاعي. . . (^٢)
ثم قال عقبه: "رواه الفريابي عن الأوزاعي … ".
وأيوب بن خالد قال فيه ابن عدي: "حدث عن الأوزاعي بالمناكير" (^٣).
٦ - لنزول إسناده عمن علقه عنه.
ومثال ذلك أحاديث غندر عن شعبة، يعرض عنها أبو عوانة لنزول إسناده إلى شعبة من طريق غندر، فمثلًا علق عنه أربعة مواضع عن شعبة (^٤)، وأسند له حديثًا واحد عن الصاغاني عن خلف المخرمي عنه عن شعبة (^٥)، فبينه وبين شعبة في هذا الإسناد ثلاثة أنفس، وعند أبي عوانة إسناد آخر إلى غندر من طريق عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه عنه، وهو
_________________
(١) انظر: ح (٦٦١٥).
(٢) انظر: ح (٦٥٣٤).
(٣) وينظر مثال آخر: حديث رقم: (٦٥٢٧).
(٤) عقب الأحاديث الآتية: (٦٤٨٦، ٦٤٩٦، ٦٦٠٤، ٦٧٠٧).
(٥) انظر: ح (٦٥٦٣).
[ مقدمة / ١١٥ ]
نازل أيضًا، ولم يخرج بهذا الإسناد شيئًا (^١).
٧ - لكثرة الطرق.
وذلك في بقية المعلقات -حاشا ما في الأغراض العائدة للمتن- والظاهر أن إيرادها لكثرة الطرق، وأما ما كان منها موصولًا عند مسلم، فلعله مما عز عليه وجوده من غير طريق صاحب الأصل، فعلقه عن بعض رواته، وقد نبه السخاوي على أنه من صنيع المستخرجين فيما عزَّ عليهم وجوده من غير جهة مصنِّف الأصل (^٢).
ثانيًا: الأغراض العائدة للمتن.
١ - التنبيه على اختلاف ألفاظ الرواة.
ومثاله: ما أسنده من حديث جابر بن سَمُرة ﵁ قال: شهدت رسول الله ﷺ ردَّ ماعزًا مرتين، وشهدت رسول الله ﷺ حين رجم ماعز بن مالك … الحديث (^٣).
ثم قال عقبه: كذا قال غندر وشبابة: مرتين.
_________________
(١) وذلك بالتتبع في أحاديثه من حديث رقم (٦٣٢٢) إلى (٦٨١٩)، وثمة مثال آخر، وهو حديث حديث الأعمش، برقم: (٦٥٩٥) لو أسنده من الطريق التي علقها لنزل درجة عن الطريق التي أسندها.
(٢) ينظر: فتح المغيث (١/ ٤٤).
(٣) رقمه (٦٧٠٨).
[ مقدمة / ١١٦ ]
ورواه أبو عامر فقال: مرتين أو ثلاثًا (^١).
٢ - لبيان المتابعة على لفظة اختلف فيها الرواة.
ومثاله: ما أسنده من طريق شعيب بن أبي حمزة، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ "قال سليمان بن داود: لأطوفنَّ الليلة على تسعين امرأة … "، الحديث (^٢).
ثم قال عقبه: رواه ورقاء عن أبي الزناد بنحوه: "تسعين امرأة" (^٣).
٣ - لبيان أن بعض الرواة اختصر الحديث.
ومثاله: ما أسنده من طريق الحميدي، حدثنا سفيان -هو ابن عيينة- عن أيوب، عن أبي قلابة، عن زهدم قال: قُرِّب إلى أبي موسى دَجاج، فقال لي: ادنُ فكُلْ، فقلتُ: كأنِّي لا أُريده، إني حلفتُ أن لا آكله … وساق الحديث بطوله في قصة الأشعريين وطلبهم الحملان من النبي ﷺ.
ثم قال عقبه: رواه الثوري عن أيوب في الدَجاجة فقط.
والذي يظهر أن أبا عوانة علق هذه المواضع للاختصار، فإنه لو أسندها لطال الكتاب جدًّا، فاقتصر على موضع الحاجة منها.
أما ما علقه عن شيوخه، فلم يتبين سبب عدم تصريحه بالسماع
_________________
(١) وينظر أمثلة أخرى: عقب الأحاديث: (٦٣٤٤، ٦٣٥٥، ٦٤٦٧، ٦٤٩١، ٦٥٠٤، ٦٥٣٤، ٦٧٠٧، ٦٧٧٣، ٦٧٩٣، ٦٧٩٦).
(٢) انظر: ح (٦٤٣٣٦).
(٣) ينظر التعليق على حديث رقم (٦٤٢٨) لمعرفة اختلاف الرواة في هذه اللفظة.
[ مقدمة / ١١٧ ]
منهم، إلا أن يكون سمعه منهم مذاكرة.
وقد قرر ابن الصلاح أن المعلِّق إذا علق عن بعض شيوخه وكان غير مدلس حمل على أنه سمعه منه، ولا فرق بين أن يقول: "قال" أو "روى" أو "ذكر" أو ما أشبه ذلك من الصيغ التي ليست بصريحة، قاله ابن حجر (^١).
_________________
(١) ينظر: النكت (١/ ٣٥٤) وعلوم الحديث (ص / ٦١ وما بعدها).
[ مقدمة / ١١٨ ]