وذلك بأن يسمي المصنف شيوخه، أو يكنيهم، أو ينسبهم، أو يصفهم بما لم يشتهروا به، لكي لا يعرفوا، وليس في هذا مفسدة في صحة الإسناد وسقمه إذا سلم من أمور، وهي:
أ: موافقة ما يذكره به شهرة راو ضعيف يمكنه الأخذ منه، فيصير الحديث من أجل ذلك ضعيفًا وهو في نفس الأمر صحيح.
ب: أن يصيره بوصفه مجهولًا، وهو في واقع الأمر ثقة، فيسقط العمل بحديثة.
ج: أن يكون الشيخ ضعيفًا، فيخفي أمره وينتقل حديثه من رتبة من يرد خبره مطلقًا إلى من يتوقف فيه، فإن صادف شهرة راو ثقة يمكن ذلك
_________________
(١) الجامع الصحيح، مع فتح الباري -كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة- باب ما يذكر من ذم الرأي وتكليف القياس (١٣/ ٢٨٢).
(٢) بغية الراغب المتمني (ص ٤٣).
[ مقدمة / ٣٠٩ ]
الراوي الأخذ عنه فمفسدته أشد (^١).
فإن سلم من هذه الأمور، وقصد مع ذلك امتحانُ الأذهان، وتجنبُ التكرار، وعري من إيهام كثرة الشيوخ، فليس فيه آفة لا في الدين ولا في الصناعة، وإلا فهو من تدليس الشيوخ المذموم.
وقد وقع من كلا الحافظين أبي عوانة وأبي نعيم التنوع في ذكر شيوخهما، فمن ذلك عند الحافظ أبي عوانة تنوعه في ذكر شيخه محمد ابن أحمد بن الجنيد، أبي جعفر الدقاق، فأحيانًا يقول له: حمدان بن الجنيد (ح ٣٠٢٦)، أو: محمد بن الجنيد (ح ٣٣٣٥)، أو يسميه كاملًا كما في الحديث رقم: (٣٤٠٥).
ومثل ذلك في شيخه الذي أكثر عنه في الكتاب والذي اشتهر بالصاغاني، فيسميه أحيانًا أبا بكر بن إسحاق (ح ٣٢٧٧)، وقد يذكر مع ذلك النسبة، كقوله: أبو بكر بن إسحاق الصاغاني (ح ٣٢٨١).
ومنه أيضًا قوله في الإمام أبي داود السجستاني: أبو داود السجزي، وهي نسبة على غير قياس إلى سجستان، ولم يشتهر الإمام بها، وقد وقع ذلك منه كثيرًا في الكتاب، كذلك تنوعه في ذكر شيخه قربزان (ح ٣٠٦٢)، وهو آخر من حدث عن يحيى القطان، فيقول فيه أحيانًا: أبو سعيد البصري (ح ٣٠٦٦)، وقد يسميه فيقول: عبد الرحمن بن محمد
_________________
(١) النكت على كتاب ابن الصلاح (٢/ ٦٢٦ - ٦٢٨).
[ مقدمة / ٣١٠ ]
ابن منصور البصري قُربزان (^١)، والأمثلة كثيرة، وهي مما توقظ ذهن الباحث و"تلفته إلى حسن النظر في الرواة وأحوالهم وأنسابهم إلى قبائلهم وبلدانهم وحرفهم وألقابهم وكناهم، وكذا الحال في آبائهم" (^٢)، إذ كثيرًا ما يغرب على بادئ النظر بهذا الصنيع، ومن أغرب ذلك تسميته لشيخه بشر بن موسى، راوية مسند الحميدي بابن عميرة (ح ٣٣٤٤)، حيث نسبه إلى جده الثالث، فإن اسمه هو بشر بن موسى بن صالح بن شيخ بن عميرة، كما صرح به الحافظ ابن حجر في الإتحاف (^٣) في ذكره إسناد أبي عوانة.
وقد وقع مثل هذا الصنيع بدرجة أقل عند الحافظ أبي نعيم أيضًا، فمن ذلك تنوعه في ذكر شيخه أبي الشيخ الأصبهاني، الذي أكثر عنه في مستخرجه، فيسميه أحيانًا: عبد الله بن محمد بن جعفر (^٤)، وأحيانًا يقول: أبو محمد بن حيان (^٥)، وكذلك يفعل في شيخه أبي بكر الطلحي، فأحيانًا يسميه هكذا، وأحيانًا يذكر اسمه كاملًا، فيقول: عبد الله بن يحيى أبو بكر الطلحي (^٦).
_________________
(١) انظر حديث رقم: (٥٨٧).
(٢) فتح المغيث (١/ ٢٢٤).
(٣) انظر: (٥/ ٤٦٤).
(٤) (ص ٢١٧) من مصورة رقم: (٢٠٥٠).
(٥) (ص ٢٠٩) من مصورة رقم: (٢٠٤٩).
(٦) (ص ١٤٠) من مصورة رقم: (٢٠٤٩).
[ مقدمة / ٣١١ ]