يشترط في الاستخراج أن يكون موضع الالتقاء بين المستخرج، ومصنف الأصل قريبا من مصنف الأصل ما أمكن، فلا يجعله بعيدا منه إلا لغرض، من علو أو زيادة حكم أو نحو ذلك (^١)، وقد وقع من أبي عوانة عدم التقيد بهذا الشرط، خاصة عندما يورد طرقًا زائدة على طرق حديث صاحب الأصل، بخلاف أبي نعيم، فمن الأمثلة على ذلك:
١ - حديث عمر بن الخطاب ﵁، في النهي عن صوم يوم الفطر ويوم الأضحى، رواه مسلم عن يحيى بن يحيى، عن مالك، عن ابن شهاب، عن أبي عبيد، عن عمر، فخرج أبو نعيم الحديث من طريقين، اجتمع فيهما مع مسلم في مالك، وهو شيخ شيخه، وهو في ذلك موافٍ لشرط الاستخراج، وأما أبو عوانة، فخرج الحديث من أربعة طرق، اجتمع في اثنين منها مع مسلم في مالك أيضا، ولا كلام عليه فيهما، وأما الاثنان الآخران، فأخرج أولهما عن الدبري، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهريّ به، والآخر عن يوسف بن مسلم، عن حجاج الأعور، عن ابن جريج، عن الزهريّ به، فكان موضع الالتقاء في الزهريّ، وذلك أبعد بطبقة، ولو سلك أبو نعيم مسلك أبي عوانة لأورد طريق الدبري عن الطبراني عنه، فيكون موضع الالتقاء أبعد عنده أيضا بدرجة، لأن مصنف عبد الرزاق من موارده،
_________________
(١) فتح المغيث (١/ ٤٤).
[ مقدمة / ٢٦٣ ]
ولو فعل ذلك لوقع له الحديث بعلو، لكن من منهجه المحافظة على ما ذكر من شرط الاستخراج (^١).
٢ - حديث عائشة ﵂، في صوم عاشوراء، الذي رواه مسلم من طريق جرير، وعبد الله بن نمير، كلاهما عن هشام بن عروة، عن أبيه، عنها؛ ومن طريق ابن عيينة، وابن وهب عن يونس، كلاهما عن الزُّهري، عن عروة، عنها، فعند التخريج كان موضع الالتقاء عند أبي نعيم لطريق هشام في جرير، وابن نمير، وأورد طريقا زائدة، موضع الالتقاء فيها في هشام، وأما عند أبي عوانة فأورد أربعة طرق، موضع الالتقاء في جميعها في هشام، وأما طريق الزهري، فموضع الالتقاء فيها عند أبي نعيم، في ابن عيينة، لاثنتين من طرقه، بما فيها الزائدة، وفي ابن وهب لطريق ثالثة، وعند أبي عوانة، الموضع في ابن عيينة، وابن وهب كما هما عند أبي نعيم بالنسبة لطريقين عنده، وأما بالنسبة للطرق الزائدة عنده، فالموضع فيها في الزهريّ، وهو أبعد من ابن عيينة بطبقة، ومن ابن وهب بطبقتين (^٢).
_________________
(١) انظر مواضع الحديث في صحيح مسلم -كتاب الصيام -باب النهي عن صوم يوم الفطر ويوم الأضحى (٢/ ٧٩٩)، وعند أبي عوانة برقم: (٣١٢٧ - ٣١٢٩) وعند أبي نعيم (ص ٢٠٩) من مصورة رقم: (٢٠٤٩).
(٢) انظر: صحيح مسلم -كتاب الصيام -باب صوم يوم عاشوراء (٢/ ٧٩٢)، مستخرج أبي عوانة أحاديث رقم: (٣٢٠٠ - ٣٢٠٨)، مستخرج أبي نعيم (ص ١٩٤ - ١٩٦)، من مصورة رقم (٢٠٤٩).
[ مقدمة / ٢٦٤ ]
٣ - حديث ابن عمر في رجل نذر أن يصوم كل يوم اثنين … الحديث، رواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن وكيع، عن ابن عون، عن زياد بن جبير، عن ابن عمر، فخرَّجه أبو نعيم عن أبي بكر الطَّلحي، عن عبيد بن غنام، عن أبي بكر بن أبي شيبة به، فكان موضع الالتقاء في شيخ مسلم، أما أبو عوانة فرواه عن أبي العباس الكديمي، عن روح، عن شعبة، عن يونس بن عبيد، عن زياد به، فكان موضع الالتقاء بعد شيخ مسلم بثلاث طبقات (^١)، فلو رواه عن أبي المثنى، معاذ بن المثنى بن معاذ ابن معاذ العنبري، عن أبيه، عن جده، عن ابن عون، عن زياد، كما رواه البخاري (^٢)، عن محمد بن المثنى، عن أبيه، عن ابن عون، لكان موضع الالتقاء أقرب، وسيأتي في مبحث ما اشتمل عليه الكتابان من فوائد الاستخراج، فيما يتعلق بكثرة الطرق، إحصائية ما لكل من الحافظين من زيادة الطرق على ما في صحيح مسلم، يتضح خلالها منهج كل واحد منهما بوضوح، وفق القسم المخصص لهذه المقارنة.
_________________
(١) انظر: صحيح مسلم -كتاب الصيام- باب النهي عن صوم يوم الفطر ويوم الأضحى (٢/ ٨٠٠)، الحديث رقم: (٣١٣٢) من مستخرج أبي عوانة، مستخرج أبي نعيم (ص ٢١١) من مصورة رقم: (٢٠٤٩)، وانظر أمثلة أخرى في الأحاديث: (٣٠٣٤ - ٣٠٣٥، ٣٠٦٩ - ٣٠٧١، ٣٠٧٣ - ٣٠٧٨، ٣١١٠ - ٣١١٢، ٣١١٦ - ٣١١٧، ٣١٧٤) والمواضع الموافقة من صحيح مسلم، ومستخرج أبي نعيم.
(٢) كتاب الصوم، باب صوم يوم النحر (٤/ ٢٤٠).
[ مقدمة / ٢٦٥ ]
فهل على الحافظ أبي عوانة مؤاخذة في عدم وفائه بشرط الاستخراج في مثل هذه المواضع؟ وهل يفضّل صنيع الحافظ أبي نعيم على صنيعه، لوفائه بالشرط دونه؟ والذي يظهر، والعلم عند الله، أنه لا مؤاخذة على الحافظ أبي عوانة في صنيعه هذا، وصنيعه مفضل على صنيع الحافظ أبي نعيم، ووجه ذلك أن موضع الالتقاء للطرق المختلفة، كما بعد من طرف السند الموالي لمخرِّجيها، وقرب من أصله الموالي للصحابي، كان أدعى لتقوية الحديث، إذا كانت الطرق صالحة.
وتوضيح ذلك من الأمثلة، أن في المثال الأول، أوصل صنيع أبي عوانة الحديث إلى حد الشهرة عن الزهريّ، بخلاف صنيع أبي نعيم، الذي لم يحصل به رفع التفرد عن مالك في روايته عن الزهريّ بالرغم من أنه أتى بطريق زائدة.
وفي المثال الثالث، حصل من صنيع أبي عوانة رفع التفرد عن ابن عون برواية الحديث من طريق يونس بن عبيد، التي جعلت موضع الالتقاء أبعد من طرف السند، ولو كان موضع الالتقاء أقرب من الطرف لما حصل ذلك، وهكذا، كلما بعد موضع الالتقاء ازداد تعدد مخرج الحديث.