وهو ما أضيف إلى الصحابة من قول أو فعل أو تقرير، فمنه ما هو موقوف لفظًا وحكمًا، ومنه ما هو موقوف لفظا مرفوع حكمًا، وقد ذكر في كتب المصطلح صيغ النوع الثاني وما فيها من خلاف العلماء في اعتبارها منه أو من غيره (^١)، فأما صحيح مسلم فقد ذكر الحافظ ابن حجر أن الإمام "اقتصر فيه على ذكر الأحاديث المرفوعة دون الموقوفة، وأنه لم يعرج إليها إلا في بعض المواضع على سبيل الندور تبعا لا قصدًا" (^٢)، وقال في مقدمة جزء الوقوف على ما في صحيح مسلم من الموقوف إنه تتبع الأحاديث الموقوفة والمقطوعة من صحيح مسلم، وقع أكثرها ضمن أحاديث مرفوعة، وهي في الكتاب كثيرة (^٣)، وهذا يتنزل على النوع الأول، وهو الموقوف لفظًا وحكمًا، وكلامه الأول يتنزل على النوع الثاني من الموقوف، فإنه ذكر في معرض استدلاله لقلة الأحاديث الموقوفة التي يتمحض لها حكم الرفع عند مسلم في الصحيح، فقال: " (إنه) في الغالب يحرص على تخريج الأحاديث الصريحة في الرفع" (^٤)، وكذا يحصل الجمع بين قوليه.
_________________
(١) النكت على كتاب ابن الصلاح: (٢/ ٥١٥ - ٥٣٦)، فتح المغيث (١/ ١٢٧ - ١٤٢)، تدريب الراوي: (١/ ١٨٠ - ١٩٠).
(٢) هدي الساري: (١٢).
(٣) انظر الجزء المذكور ص (٢٣).
(٤) فتح الباري (٧/ ١٦٢).
[ مقدمة / ٣١٥ ]
والحافظان أبو عوانة وأبو نعيم راعيًا هذا المنهج، فقل عندهما الأحاديث الموقوفة بنوعيها، فأما الموقوف الصريح حكما ولفظًا فمنه عندهما في القسم المخصص لهذه الدراسة من كتابي الصوم والزكاة حديث أبي ابن كعب: بلغه أن ابن مسعود يقول: من قام السنة أصاب ليلة القدر، قال: والله الذي لا إله إلا هو! إنها لفي رمضان، حلف بذلك ثلاث مرات، ثم قال: والله الذي لا إله إلا هو! إني لأعلم أي ليلة هي، هي الليلة التي أمرنا رسول الله ﷺ أن نقومها، ليلة صبيحة سبع وعشرين، وآية ذلك أن تطلع الشمس لا شعاع لها (^١)، والموقوف منه قول ابن مسعود.
الثاني: حديث عائشة: إن كنت لأدخل البيت في الحاجة والمريض فيه فلا أسأل عنه إلا وأنا مارة، وإن كان رسول الله ﷺ ليدخل على رأسه وهو في المسجد فأرجله، وكان لا يدخل البيت إلا للحاجة (^٢)، والموقف منه قول عائشة: إن كنت إلخ (^٣).
الثالث: حديث جرير بن عبد الله البجلي، وفي آخره: قال جرير: فما
_________________
(١) انظره برقم: (٣٣٢١) عند أبي عوانة ومستخرج أبي نعيم -كتاب الصيام- باب علامة ليلة القدر (ص ٢٥١) من مصورة رقم: (٢٠٥٠).
(٢) الحديث رقم: (٣٣٢٧)، ومستخرج أبي نعيم -باب ما ذكر من قول عائشة كنت أرجل رأس رسول الله ﷺ، وأنا حائض، (ق ١٥٣ ب) من مصورة رقم: (٤٦٨).
(٣) انظر: جزء الوقوف على ما في صحيح مسلم من الموقوف (ص ٢٣).
[ مقدمة / ٣١٦ ]
صدر عني مصدق منذ سمعتها من رسول الله ﷺ إلا وهو عني راض (^١).
الرابع: حديث عبد الله بن عمرو: أُخبِر رسول الله ﷺ أنه يقول: لأقومن الليل ولأصومن النهار، الحديث، وفي آخره: قال عبد الله بن عمرو: لأن أكون قبلت الثلاثة الأيام التي قال رسول الله ﷺ أحب إلي من أهلي ومالي، ونحوه في طرق أخرى للحديث (^٢).
وعند أبي عوانة فقط دون أبي نعيم: حديث أبي سعيد الخدري: اعتكف رسول الله ﷺ العشر الأوسط من شهر رمضان، الحديث وفي آخره: قال أبو نضرة: فقلت لأبي سعيد: إنكم أصحاب محمد أبصر بالعدد منا، فكيف تعدون؟ قال: أجل، نحن أحق بذلك منكم، إذا مضت إحدى وعشرين فالتي تليها التاسعة، فإذا مضت فالتي تليها السابعة، فإذا مضت التي تليها الخامسة (^٣).
وهذه الأحاديث كلها عند مسلم أيضًا، وانفرد عند أبي عوانة حديث
_________________
(١) الحديث رقم: (٣٣٩٣) وموضعه عند مسلم في التعليق على الحديث، وهو عند أبي نعيم في كتاب الزكاة -باب في الإثم لمن لم يؤد الحق من أمواله (٨١ - ٨٢) من مصورة رقم: (٢٠٤٨).
(٢) الحديث رقم: (٣١٤٩، و٣١٧١، ٣١٧٢)، والمواضع الموافقة عند مسلم ومستخرج أبي نعيم -كتاب الصيام- باب ما ذكر في فضل صوم داود (ص ٢٣٢) من مصورة رقم: (٢٠٥٠).
(٣) الحديث رقم: (٣٢٨٦).
[ مقدمة / ٣١٧ ]
عمر بن الخطاب (ح ٣٣٦٩): "ما سقت الأنهار، والسماء، والعيون، العشور، وما سقي بالنضح فنصف العشر"، وهو من الأحاديث الزوائد، ذكره أبو عوانة ليبين الخلاف بين نافع، وسالم في هذا المتن، والذي من أجله أعرض الإمام مسلم عن روايته في الصحيح كما ذكُر في موضعه.
وانفرد عند أبي نعيم من هذا النوع حديث عمر في النهي عن صيام العيدين، وفي آخره زيادة موقوفة وهي: قال أبو عبيد: ثم شهدت العيد مع عثمان بن عفان فجاء فصلى ثم انصرف فخطب، وقال: إنه قد اجتمع لكم في يومكم هذا عيدان، فمن أحب من أهل العالية أن ينتظر الجمعة فلينتظرها، ومن أحب أن يرجع فقد أذنت له، قال أبو عبيد: ثم شهدت مع علي بن أبي طالب، وعثمان محصور، فجاء فصلى ثم انصرف فخطب (^١).
هذه الزيادة قد حذفها الإمام مسلم والحافظ أبو عوانة كما تقدم التنبيه عليه في الكلام على اختصار الحديث وتقطيعه، في المطلب الثالث من المبحث السادس، وأنها حذفت لوقوعها موقوفة ولعدم تعلقها برواية الحديث.
وأما النوع الثاني، وهو الموقوف لفظًا المرفوع حكمًا، فالأحاديث منه كالآتي:
_________________
(١) هكذا أخرجه مالك الذي روى الثلاثة الحديث من طريقه (الموطأ، ١/ ١٧٩)، وانظر مستخرج أبي نعيم: (ص ٢٠٩)، من مصورة: (٢٠٤٩).
[ مقدمة / ٣١٨ ]
١ - حديث عائشة ﵂ أنها قالت: إنما نهى النبي ﷺ عن الوصال رحمة لهم اهـ، وذلك أنه يحتمل أنها قالته من اجتهادها، لكن تبين من رواية أبي نعيم أنه مرفوع صريح إلى النبي ﷺ (^١).
٢ - حديث عائشة ﵂: إن كان ليكون علي الصوم في رمضان فما أستطيع أن أقضيه حتى يدخل شعبان، كان ذلك لمكان رسول الله ﷺ (^٢)، وهذا ظاهره الرفع، خاصة وأن جملة: كان ذلك لمكان رسول الله ﷺ، مدرجة من قول راويه، يحيى بن سعيد الأنصاري، إلا أن الحديث ورد من وجه آخر، وهو عند الثلاثة (مسلم، وأبي عوانة، وأبي نعيم) بلفظ: إن كانت إحدانا لتفطر زمان رسول الله ﷺ فما تقدر أن تقضيه مع رسول الله ﷺ حتى يأتي شعبان (^٣)، فدل أن للحديث حكم الرفع لأن الظاهر اطلاعه ﷺ على ذلك (^٤).
٣ - حديث عائشة، وقد سألتها معاذة: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ الحديث، وفيه، قالت عائشة: كان يصيبنا ذلك مع رسول الله ﷺ فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة (^٥)،
_________________
(١) انظره مع التعليق عليه في حديث رقم: (٣٠٢٣).
(٢) الحديث رقم: (٣١٠٥)، مستخرج أبي نعيم -كتاب الصيام -باب في قضاء شهر رمضان (ص ٢١٤ - ٢١٥) من مصورة رقم: (٢٠٥٠).
(٣) الحديث رقم: (٣١١٠) والموضع السابق من مستخرج أبي نعيم.
(٤) انظر فتح الباري: (٤/ ١٩١).
(٥) الحديث رقم: (٣١١٣).
[ مقدمة / ٣١٩ ]
وهذا مما يتمحض فيه حكم الرفع لإضافة الفعل إلى عهد رسول الله ﷺ، والاحتمال أن يكون الآمر غير النبي ﷺ في مثل هذا مرجوح جدًّا.
٤ - حديث الربيع بنت المعوذ، قالت: كان رسول الله ﷺ يأمرنا أن نصوم يوم عاشوراء، فكنا نصومه ونُصوِّمه صبياننا، ونعمل لهم اللُّعَب من العِهْن، ونذهب بهم المسجد، فإذا بكوا أعطيناهم إياها (^١)، وعند مسلم: فكنا بعد ذلك نصومه إلخ، فقولها هذا موقوف لفظًا، وحيث لم تضفه إلى عصر النبي ﷺ لم يأخذ حكم الرفع (^٢)، لكن قولها: كان رسول الله ﷺ يأمرنا أن نصوم يوم عاشوراء، يدل على أنها كانت تحكي عن الأمر الأول فيكون فعلهم ذلك موافقًا له، وقد ثبت كونه منسوخًا من أحاديث أخرى، فدل على أن فعلهم ذلك كان في عهد النبي ﷺ إذ لا نسخ بعده، فحكمه حينئذ حكم الرفع، والله أعلم.
٥ - حديث عبد الله بن مسعود، أن الأشعث بن قيس دخل عليه يوم عاشوراء وهو يأكل، فقال: يا أبا عبد الرحمن، ادنُ فكل، قال: إني
_________________
(١) الحديث رقم: (٣١٩٠)، وموضعه عند مسلم مذكور في حاشيته وهو عند أبي نعيم في كتاب الصيام -باب في فضل صيام عاشوراء (ص ٢٠٩) من مصورة: (٢٠٤٩).
(٢) فتح المغيث: (١/ ١٣٦).
[ مقدمة / ٣٢٠ ]
صائم، قال: كنا نصوم ثم ترك (^١)، فهذا أيضًا ظاهره الوقف، لكن ورد في سائر طرقه التصريح بالرفع، وهي الطرق التي صدر بها أبو عوانة، وكذلك مسلم وأبو نعيم (^٢)، وهذه الأحاديث كلها عند المخرجين والإمام مسلم.
فخلاصة المطلب أن الأحاديث الموقوفة مع قلتها في الكتابين وفي كتاب الأصل المخرج عليه، وقوعها فيها على وجهين:
١ - ما يكون منها من الألفاظ الموقوفة الصريحة التي لا تحتمل حكم الرفع، حيث وردت ضمن روايات الأحاديث المرفوعة، فكان ذكرها ثَم تبعا لا قصدًا، وقد تحذف بسبب عدم تعلقها برواية الجانب المرفوع من الأحاديث، وربما انفرد أبو عوانة بذكرها في الزوائد ليشير بها إلى اختلاف الرواة في الرفع والوقف.
٢ - ما يكون فيها من الموقوف الذي يأخذ حكم الرفع، فهذا قد يكون في بعض طرقه ما يصرح بالرفع، فيذكر مع المرفوع، أو يكتفي بذكر الموقوف اعتمادًا على معرفة أهل الصنعة بكونه مرفوعًا من وجه آخر، وحيث لم يوجد ما يصرح بالرفع، يكون مما يتمحض فيه
_________________
(١) الحديث رقم: (٣١٩٨) وعند أبي نعيم -كتاب الصيام- باب في صوم يوم عاشوراء (ص ١٩٩) من مصورة رقم: (٢٠٤٩).
(٢) انظر: صحيح مسلم -كتاب الصيام -باب صوم يوم عاشوراء (٢/ ٧٩٤) والأحاديث (ح ٣١٩٥ - ٣١٩٧) عند أبي عوانة والموضع السابق عند أبي نعيم.
[ مقدمة / ٣٢١ ]
حكم الرفع، ويكون أيضًا نادرًا، وهذا معنى ما ذكره الحافظ ابن حجر عن الموقوفات التي في صحيح مسلم، والله أعلم.