• تكرار الحديث.
• اختصار الحديث وتقطيعه.
• الكناية عن الراوي الضعيف.
• التنوع في ذكر الشيوخ.
• شرح الغريب وضبط المشكل.
وسأفصل كل واحدة منها بمطلب.
المطلب الأول: طرق سياقهما لروايات الحديث ومراعاتهما لاختلاف ألفاظه:
الطرق التي سلكها الحافظ أبو عوانة ثلاث، ويشاركه فيها الحافظ أبو نعيم، لكن بمراتب مختلفة، والطرق هي:
١. إفراد كل طريق من طرق الحديث بالذكر إسنادًا ومتنًا.
[ مقدمة / ٢٧٨ ]
٢. إيراد الطرق المتعددة والاكتفاء بذكر المتن عقب الإسناد الأول، مع الإشارة في الباقي بنحو: (مثله)، أو (نحوه)، أو (وذكر الحديث).
٣. جمع الطرق في سياق واحد، وذكر المتن عقبها.
الطريقة الأولى: إفراد كل طريق بالذكر:
وذلك بأن يكون الحديث عند أبي عوانة من عدة طرق، فيفرد كل طريق بذكر إسنادها مع متنها، كثيرًا ما يسلك هذه الطريقة عند وجود اختلاف بين ألفاظ الطرق، وكاد يكون ذلك مطردًا عنده، مثاله حديث قتادة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري في الباب التاسع من كتاب الصيام: "باب بيان الخبر المبين أن الصائم في السفر لا يجوز له أن يعيب المفطر بفطره إلخ"، اختلف أصحاب قتادة في ذكر يوم خروجه ﷺ من رمضان، فأورد أبو عوانة ﵀ طرقهم واحدة بعد واحدة، بذكر أسانيدها ومتنها (^١).
ويسلك أبو عوانة هذه الطريقة أيضًا إذا كان في بعض الطرق التي يوردها زيادة ليست في بعضها، مثال ذلك حديث عائشة في قصة من جامع أهله في نهار رمضان (من حديث قم ٣٠٨٣ إلى ٣٠٨٥)، ذكره من طريق عبد الوهاب الثقفي، عن يحيى بن سعيد، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن محمد
_________________
(١) انظر الأحاديث من (٣٠٤٦ - ٣٠٤٩).
[ مقدمة / ٢٧٩ ]
ابن جعفر بن الزبير، عن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن عائشة، وذكر المتن، وفيه أن الرجل قال: أفطرت في رمضان، ثم ذكر طريق يزيد بن هارون، عن يحيى ابن سعيد بالإسناد، ودكر متنه أيضًا، وفيه أن الرجل دكر أنه وقع على امرأته في رمضان، والطريق الثالث طريق عمرو بن الحارث، عن عبد الرحمن بن القاسم بالإسناد، وهي التي فيها زيادة في آخره، (قال: يا رسول الله، أعلى غيرنا؟ فوالله إنا لجياع، ما لنا شيء، قال: "فكلوه").
وقد يسلك الحافظ أبو عوانة هذه الطريقة لبيان علة في الحديث، كما أورد ثلاث طرق لحديث أبي هريرة في قصة المجامع في نهار رمضان، بعد ذكره لأصل طرق الحديث، في أولاها علة في الإسناد والمتن، وفي الثانية غرابة في السياق، وفي الثالثة زيادة منكرة، وصرّح عقب كل طريق ببيان علتها (^١).
وأما الحافظ أبو نعيم فيسلك هذه الطريقة أيضًا، إلا أنها نادرة عنده، مثالها عنده إيراده لحديث أبي بن كعب ﵁ في باب في علامة ليلة القدر (^٢)، قال الحافظ أبو نعيم:
حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن، حدثنا بشر بن موسى، حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان، حدثنا عبدة بن أبي لبابة، وعاصم بن بهدلة، أنهما سمعا زر بن حبيش يقول: قلت لأُبَيّ إن أخاك ابن مسعود يقول: من يقم
_________________
(١) انظر الطرق من: (٣٠٨٠ - ٣٠٨٢).
(٢) (ص ٢٥١) من مصورة رقم: (٢٠٥٠).
[ مقدمة / ٢٨٠ ]
الحول يصب ليلة القدر، فقال يرحم الله أبا عبد الرحمن، إنما أراد أن لا يتكل الناس، ولقد علم أنها في العشر الأواخر من رمضان، وأنها في ليلة سبع وعشرين، ثم حلف لا يستثني أنها ليلة سبع وعشرين، فقلنا له يا أبا المنذر، بأي شيء علمته؟ قال بالآية أو بالعلامة التي أخبرنا رسول الله ﷺ، أخبرنا أن الشمس تطلع صبيحة ذلك اليوم لا شعاع لها.
ثم قال: وحدثنا أبو علي الصواف، حدثنا عبد الله بن أحمد ابن حنبل، حدثني أبي، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، قال: سمعت عبدة ابن أبي لبابة يحدث عن زر بن حبيش، عن أبي بن كعب، قال: قال أبي في ليلة القدر: والله إني لأعلمها، قال شعبة، والله علمي هي الليلة التي أمرنا رسول الله ﷺ بقيامها، هي ليلة سبع وعشرين، وإنما شك شعبة في هذا الحرف: هي هذه الليلة التي أمرنا بها رسول الله ﷺ، قال وحدثني بها صاحب لي.
وإنما قلَّ عند أبي نعيم سلوك هذا الطريق، لأنه يهتم في أكثر تخريجه أن يكون موضع الالتقاء قريبًا من الإمام مسلم، وأن يكون مستوعبًا لطرقه، فاستدعى ذلك منه أن يجمع الطرق في الأغلب حتى لا يطول الكتاب، فحيث سلك الإمام مسلم مثل هذه الطريقة يحافظ الحافظ أبو نعيم على ترتيبه، إلا أنه بتخريجه للطرق، يصبح كأنه لم يسلكها، لأنه كثيرًا ما يجمع الأسانيد، والله أعلم.
فالخلاصة هي أن الحافظين اشتركا في سلوكهما لهذه الطريقة، إلا أن
[ مقدمة / ٢٨١ ]
الحافظ أبي نعيم ندر عنده انتهاجها.
الطريقة الثانية: إيراد الطرق المتعددة والاكتفاء بذكر المتن عقب الإسناد الأول:
وتوضيح ذلك أن يكون الحديث عند المصنف من عدة طرق، فيورد أسانيدها، ويكتفي بذكر المتن عقب الإسناد الأول، وفي بقية الطرق يشير إلى المتن بقوله، (مثله)، أو (نحوه)، أو (وذكر الحديث)، وقد قال الحاكم: "يلزم الحديثي من الإتقان أن يفرق بين مثله ونحوه، فلا يحل أن يقول مثله إلا إذا اتفقا في اللفظ، ويحل نحوه إذا كان بمعناه" (^١)، فقد سلك كل من الحافظ أبي عوانة، والحافظ أبي نعيم هذا الطريق، وهي أكثر عند أبي عوانة منها عند أبي نعيم.
فمن أمثلة الطرق التي أوردها أبو عوانة وأحال في الباقي بقوله: بمثله، حديث أبي هريرة في النهي عن الوصال في الصوم، فذكر الحديث أولا من طريق يونس بن يزيد الأيلي، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، وأورد المتن عقبة، ثم ذكر طريق معمر، عن الزهري، بباقي الإسناد، وقال: عن النبي ﷺ بمثله، وذكر طريق شعيب، عن الزهري، كذلك، وفي إحالته في مثل هذا بقوله: بمثله تجوز، حيث إن المثلية حاصلة في المعنى دون اللفظ (^٢)،
_________________
(١) سؤالات السجزي للحاكم النيسابوري (ص ١٢٨/ رقم ١٢٣).
(٢) انظر الأحاديث: (٣٠١٣ - ٣٠١٤) وانظر الألفاظ المحالة في مصنف عبد الرزاق، (٤/ ٢٦٧/ ٧٧٥٣) صحيح البخاري، كتاب الصوم، باب التنكيل لمن أكثر الوصال، =
[ مقدمة / ٢٨٢ ]
ومما أحال على اللفظ: بمثله وحصل الاتفاق في اللفظ حديث رقم: (٣٠٢٨)، ورقم: (٣٠٥٤).
ومثال ما عند الحافظ أبي نعيم من هذا، وهو قليل أيضًا، إحالته لطريق زائدة عن الأعمش، لحديث ابن عباس فيمن ماتت أمه وعليها صوم شهر، أحال على طرق أبي معاوية، وعيسى بن يونس، كلاهما عن الأعمش، وقال في الإحالة: بمثله، وفيه أيضًا تجوز إذ السائل في المحال عليه امرأة، وفي المحال به رجل (^١)، ومما أحال بمثله واتفق المعنى فيهما حديث الثوري عن أبي حازم، عن سهل بن سعد مرفوعًا: "لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر"، أحاله على طريق عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه به، بقوله بمثله، واللفظان متفقان (^٢).
وقد يقول في الإحالة: بمعنى حديث فلان (^٣).
ومما أحال أبو عوانة بقوله: بنحوه، قوله في باب: ذكر الخبر المبين أن
_________________
(١) = (٤/ ٢٠٥).
(٢) انظر: مستخرج أبي نعيم -كتاب الصوم- باب قضاء الصيام عن الميت (ص ٢١٦) من مصورة رقم: (٢٠٤٩)، وصحيح مسلم -كتاب الصيام- باب قضاء الصيام عن الميت (٢/ ٨٠٤).
(٣) مستخرج أبي نعيم -كتاب الصيام- باب الحث على أكلة السحور (ص ١٥٧ - ١٥٨) من مصورة رقم: (٢٠٤٩) وانظر لفظ حديث الثوري في حديث رقم: (٣٠٠٩) عند أبي عوانة.
(٤) (ص ٨٠) من مصورة رقم (٢٠٤٨).
[ مقدمة / ٢٨٣ ]
صوم يوم عاشوراء لم يكن في الأصل صومه واجبًا. . الخ:
حدثنا السلمي، والدبري، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، قال حدثني حميد بن عبد الرحمن، أنه سمع معاوية يخطب: يا أهل المدينة، أين علماؤكم؟ سمعت رسول الله ﷺ يقول: "هذا يوم عاشوراء، ولم يفرض علينا صيامه، فمن شاء منكم أن يصوم فليصم، فإني صائم"، فصام الناس، حدثنا عباس الدوري، حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، حدثنا أبي، عن صالح، عن ابن شهاب، بإسناده نحوه.
ففي قوله نحوه دقة وإتقان، حيث جاء قوله: "فمن أحب أن يصوم فليصم، ومن أحب أن يفطر فليفطر" في اللفظ المحال من قول معاوية لا من قول رسول الله ﷺ كما هو في اللفظ المحال عليه (^١).
وعند أبي نعيم من هذا قوله في حديث منصور، عن الزهري، عن حميد، عن أبي هريرة في قصة الذي وقع بامرأته في نهار رمضان، قال: فذكر نحوه، محيلا به على طريق الحميدي، عن ابن عيينة المتقدمة عنده، وإنما قال ذلك لأن بين ألفاظ الطريقين مغايرة بالزيادة والنقص (^٢).
وقد يحيل أبو عوانة في الباقي بقوله: وذكر الحديث، أو وذكر حديثه
_________________
(١) انظر: حديث رقم: (٣٢١٥، ٣٢١٦) والتعليق عليهما.
(٢) مستخرج أبي نعيم -كتاب الصيام- باب كفارة من جامع أهله في رمضان نهارًا (ص ١٧٥) من مصورة رقم: (٢٠٤٩).
[ مقدمة / ٢٨٤ ]
في هذا (^١).
فالحافظان كلاهما سلك هذا الطريق، إلا أن أبا عوانة أكثر استعمالًا لها من أبي نعيم، وفائدتها الاختصار، إذ لو أوردا لكل طريق متنها لعظم حجم كتابيهما، ولو اختصرا بالاكتفاء بذكر طريق أو طريقين لكل حديث لفاتتهما الفوائد الإسنادية المكتمنة في الطرق، من المتابعات، وتصريح المدلس بالسماع، وغير ذلك من فوائد الاستخراج.
الطريقة الثالثة: جمع الطرق في سياق واحد وذكر المتن عقبها:
لهذه الطريقة مسلكان:
الأول: أن يجمع الحافظ شيخين أو أكثر بالعطف بينهما في إسناد واحد، ثم يسوق الحديث بلفظ أحدهما، كقول أبي عوانة:
حدثنا يونس بن عبد الأعلى، والربيع بن سليمان، وعيسى بن أحمد العسقلاني، قالوا: أخبرنا ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، فذكر بقية الإسناد والمتن (^٢)، كقول أبي نعيم: نا عبد الله بن محمد، ومحمد بن إبراهيم، قالا: حدثنا أحمد بن علي، فذكره (^٣).
المسلك الثاني: أن يجمع عددًا من الأسانيد في سياق واحد،
_________________
(١) انظر حديث رقم (٣٠٠٢)، وحديث رقم: (٣١٤٨) ومستخرج أبي نعيم، كتاب الصيام -باب الصوم والإفطار في السفر (ص ١٨٤) من مصورة رقم: (٢٠٤٩).
(٢) الحديث رقم: (٣٠٥٨).
(٣) باب في الحث على تعجيل الفطر (ص ١٦٠)، من مصورة رقم: (٢٠٤٩).
[ مقدمة / ٢٨٥ ]
باستخدام (ح)، للتحويل عند موضع الالتقاء، ويذكر المتن عقب ذلك، وهذه الطريقة هي أكثر الطرق الثلاث سلوكًا من الحافظ أبي نعيم في مستخرجه، وأما الحافظ أبو عوانة فقد سلك الطرف الثلاث كثر عنده سلوك الطريقة الأولى، إلا أنه كثيرًا ما يسلك هذه الطريقة إذا كثر عنده طرق الحديث وقصد إيرادها ليشير إلى استفاضة الحديث كما فعل في حديث أبي هريرة في قصة من جامع أهله في نهار رمضان، حيث جمع أحد عشر إسنادًا في سياق واحد (^١)، وكما في حديث أبي سعيد الخدري: "ليس فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقة"، حيث جمع ثمانية أسانيد في سياق واحد (^٢).
وقد ذكُر في علم صفة رواية الحديث ضوابط لمراعاة اختلاف الألفاظ في رواية الحديث بهذه الطريقة، وأن شرط ذلك اتفاقهما في المعنى (^٣)، وإذا اتفقا في اللفظ كان جوازه من باب أولى، وقد مثل الكتابان نموذجين لتطبيق هذه الضوابط ومثلها، إلا أنهما اختلفا في ذلك وفق ما في القسم الذي جرت عليه الدراسة، فمن تلك الضوابط:
١ - التنصيص على اتحاد الألفاظ، وهذا لا مثال له عند الحافظ
_________________
(١) الحديث رقم: (٣٠٧٩).
(٢) الحديث رقم: (٣٣٤٤).
(٣) انظر: فتح المغيث (٣/ ١٨١ - ١٨٤)، تدريب الراوي (٢/ ١١١ - ١١٢).
[ مقدمة / ٢٨٦ ]
أبي عوانة، وفق القسم الذي جرت عليه المقارنة، وأما عند الحافظ أبي نعيم فمثاله ما ذكره في باب: الرخصة في القبلة للصائم:
قال الحافظ أبو نعيم: حدثنا أحمد بن يوسف بن خلاد، حدثنا الحارث بن أبي أسامة، ح، وحدثنا أبو بكر الطلحي، حدثنا عبيد بن غنام، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قالا: حدثنا الحسن بن موسى الأشيب، حدثنا شيبان، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، أن عمر بن عبد العزيز أخبره أن عروة بن الزبير أخبره أن عائشة أم المؤمنين أخبرته أن رسول الله ﷺ كان يقبلها وهو صائم، لفظهما سواء (^١).
٢ - التنصيص على اتحاد المعنى: ومثاله عند الحافظ أبي عوانة الحديث رقم (٣١٣٥)، وهو حديث أبي سعيد الخدري: سمع من رسول الله ﷺ أربعًا فأعجبنني وأينقنني، وذكر الحديث، جمع فيه أربعة أسانيد، وقال في آخره: معنى حديثهم واحد.
ولا مثال له عند الحافظ أبي نعيم وفق القسم الموافق للقسم الذي جرت عليه المقارنة، وفائدة هذا التنصيص معرفة أن المصنف يرى جواز الرواية بالمعنى.
٣ - التنصيص على كون بعض حديثهم قريبًا من بعض، مثاله عند الحافظ أبي عوانة الحديث رقم (٣١٤٧)، وهو حديث عبد الله بن عمرو،
_________________
(١) (ص ١٦٩) من مصورة رقم: (٢٠٤٩)، وانظر أيضًا: (ص ١٦٥، ١٩٧) منها و(ص ٢١٦) من مصورة رقم: (٢٠٥٠).
[ مقدمة / ٢٨٧ ]
أن النبي ﷺ قال له: "ألم أنبأ أنك تقوم الليل وتصوم النهار؟ " الحديث، جمع فيه أربعة أسانيد، وقال في آخره: حديثهم قريب، بعضهم من بعض، وهذا أيضًا لم أجد له مثالًا عند الحافظ أبي نعيم، وفائدته مثل فائدة الذي قبله.
٤ - ذِكر لفظ كل طريق مما جمع، مثاله عند الحافظ أبي عوانة: الحديث رقم (٣٠٦٦)، قال: حدثنا عباس الدوري، وابن أبي عبد الله المقرئ، ببغداد، قالا: حدثنا روح بن عبادة، ح، وحدثنا أبو سعيد البصري، حدثنا يحيى بن سعيد القطان، كلاهما قالا: حدثنا ابن جريج، فذكر بقية الإسناد والمتن، وقال في آخره: هذا لفظ حديث روح، وأما حديث يحيى فقال: عن ابن جريج، فذكره.
وقد يذكر إحدى الطريقين في موضع آخر مفردة، مشعرًا بأن اللفظ الذي ساق في الموضع الأول للطريق الآخر، مثاله الحديث رقم: (٣٣٠٥)، قال فيه:
حدثنا يزيد بن سنان، حدثنا يعقوب بن إسحاق الحضرمي، ومحمد ابن كثير، ح، وحدثنا يونس بن حبيب، وعمار بن رجاء، قالا: حدثنا أبو داود، حدثنا شعبة، عن عقبة بن حريث، سمع ابن عمر عن النبي ﷺ قال في ليلة القدر: "تحروها في العشر الأواخر"، ثم ذكر في باب آخر الإسناد الثاني وحده، (برقم ٣٣٠٨) وقال في لفظه: "تحروها في العشر الأواخر، يعني ليلة القدر، وإن ضعف أحدكم أو عجز، فلا يغلبن علي السبع البواقي"، وهو لفظ أبي داود الطيالسي كما في مسنده، فدل على أن
[ مقدمة / ٢٨٨ ]
اللفظ في الموضع الأول للطريق الآخر.
ومثاله عند الحافظ أبي نعيم: حديث سلمة بن الأكوع في باب فضل صيام عاشوراء، ذكره بإسنادين، أحدهما من طريق قتيبة، عن حاتم ابن إسماعيل، والآخر من طريق زهير بن حرب، عن أبي عاصم، كلاهما عن يزيد ابن أبي عبيد، عن سلمة، فذكر المتن، ثم قال في آخره: ولفظ قتيبة: بعث رجلًا، فذكره، وهذا الصنيع يشعر بأن السياق الأول للطريق الآخر، فيلتحق بالضابط الذي سيأتي برقم ٦.
٥ - التصريح بصاحب اللفظ، مثاله عند الحافظ أبي عوانة الحديث رقم (٣٠٧٥)، قال:
حدثنا علي بن حرب، حدثنا سفيان، عن الزهري، عن حميد ابن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، ح، وحدثنا أبو إسماعيل الترمذي، حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان، حدثنا الزهري، وحفظناه منه، قال: أخبرني حميد ابن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، أن رجلًا أتى النبي ﷺ، فذكر الحديث، وقال في آخره: اللفظ للحميدي، وفي هذا المثال عند أبي عوانة دقة من ناحية أخرى، حيث إنه لم يذكر (ح) للتحويل عند سفيان، الذي هو موضعها، وأخرها إلى آخر الإسناد ليراعي بذلك ما في الإسناد الثاني من فائدة ليست في الأول، وهي تصريح سفيان بالتحديث من الزهري، على حين عنعن في الإسناد الأول، وزيادة تأكيد أنه حفظه منه.
ومثاله عند الحافظ أبي نعيم، حديث أبي نضرة، عن أبي سعيد
[ مقدمة / ٢٨٩ ]
الخدري، خرجنا مع رسول الله ﷺ لثمان عشرة مضت من رمضان، فذكر الحديث وجمع عدة طرق عن قتادة، عن أبي نضرة، وقال في آخره: لفظ فاروق، رواية مسلم -وهو ابن إبراهيم الفراهيدي- عن هشام (^١)، ومثل هذا كثير عند أبي نعيم، وهذا الصنيع هو المرجح عند الحفاظ في هذا المسلك (^٢).
٦ - ذكر ما يشعر بصاحب اللفظ، وقد ذُكر هذا الضابط في كتب المصطلح ممثَّلا بصنيع الإمام مسلم في الصحيح، كقوله: حدثنا أبو بكر ابن أبي شيبة، وأبو سعيد، كلاهما عن أبي خالد الأحمر، قال أبو بكر: حدثنا أبو خالد، عن الأعمش، مما يفيد ظاهره أن اللفظ لأبي بكر (^٣)، مثاله عند الحافظ أبي عوانة الحديث رقم ٣٤٠٢، قال:
حدثنا أحمد بن علي بن يوسف الخزاز ، أبو بكر بدمشق، حدثنا مروان الطاطري، ح، وحدثنا أبو أمية، حدثنا منصور بن سلمة الخزاعي، وعاصم بن علي، وسعيد بن سليمان، قالوا: حدثنا الليث، قال مروان: حدثنا الليث بن سعد، عن بكير بن الأشج، عن بسر بن سعيد، عن ابن
_________________
(١) كتاب الصيام -باب الصوم والإفطار في السفر (ص ١٨٢ - ١٨٣)، من مصورة رقم (٢٠٤٩).
(٢) فتح المغيث (٣/ ١٨١ - ١٨٤).
(٣) تدريب الراوي (٢/ ١١١ - ١١٢). قال أحمد بسيوني: كذا: (الخزاز)، وصوابه: (الخّرَّاز)، وتراجع المواضع التالية التي وردت على الصواب: (١٦٦٧، ٢٢٢٧، ٢٣١٥، ٣٤٠٢، ٣٦١١، ٤٦٦٨، ٤٨٠٥، ٤٨٣٩، ٤٨٥٧، ٤٨٥٨، ٥٠٣١، ٥٦٤٦، ٦٦٣٢، ٩١٨١، ١٠٧٣٢، ١٠٩٩٥، ١٢٣١٨)، وكذا المواضع التي وردت على الخطأ: (٥٢٩٩، ٥٦٢٢، ٥٧٦٥ هامش، ١٠٥٠٠، ١٠٥٠٦، ١٢٤٠٨ هامش)، وانظر: تلخيص المتشابه للخطيب (١/ ٥٨٢) والإكمال لابن ماكولا (٢/ ١٨٦) وتوضيح المشتبه لابن ناصر الدين (٢/ ٣٤٥).
[ مقدمة / ٢٩٠ ]
الساعدي المالكي، قال: استعملني عمر ﵁، فذكره، فظاهره أن اللفظ لمروان الطاطري.
ولم أقف له على مثال عند الحافظ أبي نعيم رحمه الله تعالى إلا ما تقدم تحت الضابط رقم ٤ من هذه الضوابط:
٧ - التنصيص على اختلاف صيغ التحمل، وهو مأثور عن الإمام مسلم أيضًا (^١)، وهذا لا مثال له عند الحافظ أبي عوانة في القسم المخصص لهذه الدراسة من كتابي الصوم والزكاة، وربما كان ممن يرى جواز إطلاق (حدثنا) و(أخبرنا)، فيما تحمله عرضًا وسماعًا، كما هو مذهب البخاري في الكثيرين (^٢)، فإن أبا عوانة كان أغلب ما يروي عن شيوخه بحدثنا، وروايته بأخبرنا قليلة، ومعلوم أن أخذه بين شيوخه غير منحصر في التحديث، أو في العرض، بل هو دائر بينهما، فدل على احتمال إطلاقهما فيهما عنده، وحينئذ لا يهتم بالتنصيص عليهما عند الاختلاف، وقد يكون غير ذلك، والله أعلم (^٣).
_________________
(١) كتاب الصيام -باب بيان أن القبلة للصائم ليست محرمة (٢/ ٧٧٧/ ٦٥) وانظر صيانة صحيح مسلم (ص ١٠١).
(٢) صحيح البخاري مع فتح الباري -كتاب العلم- باب قول المحدث: "حدثنا" و"أخبرنا" و"أنبأنا" (١/ ١٤٤).
(٣) انظر ما قرره الحافظ السخاوي عن الإمام النسائي في مثل هذه المسألة في بغية الراغب المتمني في ختم النسائي (ص ٤٠).
[ مقدمة / ٢٩١ ]
وأما عند الحافظ أبي نعيم فقد أورد هذا الضابط في عقب حديث حفصة: "كان رسول الله ﷺ يقبل وهو صائم"، قال: لفظهم سواء، إلا أن إسحاق قال: أخبرنا (^١).
وقد لا يذكران شيئًا من هذه الضوابط، وقد يحصل مع ذلك اتفاق في اللفظ، كما روى أبو عوانة حديث جابر بن حمرة، في صوم عاشوراء من طريق أبي داود الطيالسي، ومن طريق الحسن بن موسى الأشيب، وجمعهما بمتن واحد، ولم ينبه على صاحب اللفظ، ولا على اتفاق في اللفظ، أو المعنى، وعند تتبع الطريقين اتَّضحَ أنَّ اللفظين متفقان (^٢)، وقد يحصل العكس، كما في الحديث الأول عند أبي عوانة، وهو حديث سمرة ابن جندب: "لا يغرنكم نداء بلال، ولا هذا البياض حتى ينفجر الفجر هكذا"، لم يذكر شيئًا من الضوابط، وبالتتبع تبين أن اللفظ لأبي داود الطيالسي، وليس لروح بن عبادة، فإن في لفظ حديث روح كما رواه أحمد (^٣)، وأبو نعيم (^٤) زيادة قوله في سوادة بن حنظلة، الراوي عن سمرة:
_________________
(١) باب الرخصة في القبلة للصائم (ص ١٧١) من مصورة (٢٠٤٩)، انظر أيضًا باب صوم بعض رمضان في السفر وإفطار بعض (ص ١٧٩) من مصورة (٢٠٤٩).
(٢) الحديث رقم (٣٢١٨)، وانظر لفظ الطيالسي في مسنده: (ص ١٠٦)، وانظر لفظ طريق الحسن بن موسى في المعجم الكبير للطبراني (٢/ ٢١٢).
(٣) المسند (٥/ ٧).
(٤) المستخرج -كتاب الصيام- باب صفة الصبح ومعرفته (ص ١٥٦) من مصورة رقم (٢٠٥٠).
[ مقدمة / ٢٩٢ ]
وكان إمامهم، لم تذكر في سياق أبي عوانة، ومثال هذا عند الحافظ أبي نعيم: حديث أنس مرفوعًا: "ذهب المفطرون اليوم بالأجر"، حيث ذكره بإسنادين، أحدهما من طريق أبي معاوية، والآخر من طريق حفص ابن غياث، ثم ساقهما بلفظ واحد، ولم يبين شيئًا، وكلا الإسنادين عند مسلم، وعند سياقهما أفرد كل طريق بلفظها لما بين اللفظين من المغايرة، وإن كان المعنى واحدًا، وسياق الحافظ أبي نعيم إنما هو بلفظ أبي معاوية، وليس عنده ما يبين ذلك تصريحًا أو تلميحًا (^١)، وأغلب ما وجد منهما من هذا الصنيع في الأحاديث القصيرة التي يغلب على ظن الباحث اتحاد ألفاظ طرقها، وإن لم يتسن له التحقق من ذلك، كحديث: "من مات وعليه صوم صام عنه وليه" وحديث النهي عن صيام يومين: يوم الفطر، ويوم الأضحى.
ومما تنبغي الإشارة إليه في هذا المقام أبي في الغالب يصدران بالطريق العالي عندهما، ثم يتبعان بما هو أنزل، عند سياقهما للطرق، وقد أفاد الحافظ السخاوي أن هذا الصنيع هو الأكثر عند المتقدمين (^٢)، وقد يحصل منهما عكس هذا، ويكون ذلك لدليل ظاهر، أو لأمر آخر قد لا يتبين للباحث، فمن تصديرهما بالعالي الحديث رقم (٣١٣٥) عند الحافظ أبي عوانة، حيث صدر بالطريق التي ساوى مسلمًا فيها؛ وعند الحافظ أبي نعيم حديث ابن
_________________
(١) مستخرج أبي نعيم -كتاب الصيام- باب الصوم والإفطار في السفر (ص ١٨٥) من مصورة رقم: (٢٠٤٩).
(٢) بغية الراغب المتمني: (ص ٤٣).
[ مقدمة / ٢٩٣ ]
جريج، عن عطاء، عن أبي العباس، عن عبد الله بن عمرو، حيث أورده من ثلاث طرق عن ابن جريج:
الأولى: عن الطبراني، عن الدبري، عن عبد الرزاق، عنه به.
الثانية: عن أبي بكر بن مالك، عن عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن أبيه، عن عبد الرزاق، عنه به.
الثالثة: عن علي بن هارون، عن جعفر الفريابي، عن عمرو بن علي، عن أبي عاصم، عنه به (^١)، فصدر بطريق الطبراني التي هو فيها كأنه سمع من مسلم.
ومن أمثلة ما وقع من عكس هذا، الحديث رقم: (٣٠٥٥)، قال الحافظ أبو عوانة ﵀: حدثنا صالح بن عبد الرحمن، حدثنا أصبغ، أخبرنا ابن وهب، ح، وحدثنا أبو عبيد الله، حدثنا عمي، حدثنا عمرو، عن بكير بن الأشج، عن يزيد مولى سلمة، عن سلمة بن الأكوع، قال: فذكر الحديث، فصدر بالطريق التي هو فيها نازل، وأخر التي ساوى مسلمًا فيها، ويبدو أنه فعل هذا لاشتمال الطريق النازل على أصبغ بن الفرج، الذي هو أجل أصحاب ابن وهب، وفي الطريق العالي أبو عبيد الله، ابن أخي ابن وهب، وقد ضعفه بعض الحفاظ.
_________________
(١) كتاب الصيام -باب ما ذكر في فضل صوم داود (ص ٢٣٤) من مصورة رقم: (٢٠٥٠).
[ مقدمة / ٢٩٤ ]
ومثاله عند الحافظ أبي نعيم ﵀، وهو قليل، حديث عبد الله ابن شقيق، سألت عائشة ﵂ عن صوم رسول الله ﷺ، فقالت: فذكر الحديث، قال في السياق: حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا الحسين ابن إسحاق، حدثنا أبو الربيع، ح، قال وحدثنا محمد بن حيان، حدثنا ابن حساب، قالا: حدثنا حماد بن زيد، حدثنا أيوب، وهشام، عن محمد ابن سيرين، عن عبد الله بن شقيق قال: فذكره (^١)، فصدر بالطريق النازل التي هي من ثمانياته، وأخر الطريق التي هي من سباعياته، ولعله فعل ذلك ليقدم الطريق التي عند مسلم على التي زادها هو عليه، فإن الحديث عند مسلم عن أبي الربيع الزهراني به.
الخلاصة:
١ - أكثر الطرق سلوكًا عند الحافظ أبي عوانة في سياقه الأحاديث الطريقة الأولى، ومن أجل ذلك كثر عنده بيان اللفظ المحال به عند مسلم، إذ سلوك هذه الطريقة توجب على المصنف بيان متن كل طريق أتى بإسنادها، وأما الحافظ أبو نعيم، فأكثر الطرق سلوكًا لديه هي الطريقة الثالثة، وذلك لما فيها من الاختصار، إلا أنها تقتضي غالبًا إهمال ذكر ألفاظ بعض الطرق التي يجمعها المصنف، ويفضل سلوك الطريقة الأولى لما يحصل بها من فائدة بيان اختلاف ألفاظ الناقلين، وزيادات بعض الطرق على
_________________
(١) كتاب الصيام -باب في صوم رسول الله ﷺ تطوعًا (ص ٢٢٨) من مصورة رقم: (٢٠٥٠).
[ مقدمة / ٢٩٥ ]
بعض، وبيان العلة في بعض الطرق.
٢ - الحافظ أبو عوانة أكثر سلوكًا للطريقة الثانية من الحافظ أبي نعيم، وفائدة هذه الطريقة الاختصار مع المحافظة على فوائد الاستخراج الإسنادية.
٣ - قد يتجوز كل من الحافظين في إطلاق (مثله)، على المثلية في المعنى دون اللفظ، وحقيقة المثلية أن تكون في اللفظ، والحافظ أبو عوانة يدقق في الإحالة بقوله: بنحوه، حيث يطلقها فيما كان فيه اختلاف في المتون، إما بالزيادة والنقصان، أو بغير ذلك.
٤ - أكثر أبو عوانة من اتباع الطريقة الثالثة عند إرادة الإشارة إلى كثرة طرق الحديث واستفاضته، على حين أكثر أبو نعيم اتباعًا لها مطلقًا.
٥ - قدّم الكتابان نموذجين لضوابط الرواية عند إرادة سياق أسانيد متعددة بمتن واحد.
٦ - درج الحافظان في سلك المتقدمين في إكثارهم من الابتداء بالطريق العالي في سياقهم للأحاديث عند تعدد طرقها وجمعهم إياها.
٧ - يؤخذ عليهما عدم بيان صاحب اللفظ عند جمعهما للطرق في مواضع عديدة، وخاصة إذا تبين أن الألفاظ متغايرة.