ربِّ أعن بلطفك يا كريم
أخبرنا الشَّيخ الإمَامُ الأجَلُّ أبو المحاسن مسعُود بن محمَّد بن غانم بن محمَّد الغانمي ﵀ بقراءتِي عليه بهَرَاة (^١) قال: أخبرنا الإِمام زينُ الإِسلام أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك بن محمَّد بن طلحة القُشَيريُّ إجازةً، قال: أخبرنا أبو نعيم عبد الملك بن الحسن بن محمَّد بن إسحاق بن الأزهر بن عبد الله الأزهري قراءةً عليه بنيسابور (^٢)، قال: أخبرنا أبو عَوانة يعقوبُ بن إسحاق بن إبراهيم بن يَزيد ﵀ قراءةً عليه قال: الحمدُ لله قبل كلِّ مَقالٍ، وأَمام كلِّ رغبةٍ وَسؤالٍ، فإِنَّ يوسفَ بن سعيد بن مُسَلَّمٍ المِصِّيْصيَّ (^٣)، ومحمدَ بن إبراهيمَ
_________________
(١) هَراة -بالفتح- من أمهات مدن خراسان، وتقع اليوم في أفغانستان. انظر: معجم البلدان لياقوت الحموي (٥/ ٤٥٦)، بلدان الخلافة الشرقية لكي لسترنج (ص: ٤٤٩).
(٢) نيسَابُور -بفتح أوله- أحد أمهات مدن خراسان، وكانت خراسان تقسَّم إلى أربعة أرباع هي: هَراة، ومرو، وبلخ، ونيسابور، وكان اسمها قديما: أبرشهر، وتقع اليوم في إيران. انظر: معجم البلدان ٥/ ٣٨٢، بلدان الخلافة الشرقية (ص: ٤٢٤ - ٤٢٩).
(٣) جده مُسَلَّم: بفتح الميم والسين، واللام المشدَّدة. تبصير المنتبه لابن حجر (٤/ ١٢٨١). كثيرًا ما يورده المصنف بنسبته إلى جدِّه فيما سيأتِي. والمِصِّيصي -بكسر الميم والصاد المهملة الثقيلة، ويقال أيضًا: بفتح الميم كسر الصاد بدون تشديد، والأول أصح- وهي نسبة إلى: المِصِّيصة، بلدة كبيرة على ساحل نهر جيحون بالشام، ما زالت قائمة الآن بسوريا، على حدودها مع تركيا، =
[ ١ / ٥ ]
الطرسُوسيَّ (^١)، وأبا العَباس الغَزِّيَّ (^٢)،
_________________
(١) = قريبة من طرسوس. انظر: الأنساب للسمعانِي (١١/ ٣٥١)، معجم البلدان (٥/ ١٦٩)، القاموس المحيط للفيروزآبادي (ص: ٨١٤)، بلدان الخلافة الشرقية (ص: ١٦٢ - ١٦٣).
(٢) طَرَسُوس -بفتح الطاء والراء المهملتين، والواو بين السينين، الأولى مضمومة والثانية مكسورة-: بلدة بالشام، بين أنطاكية وحلب، وتقع اليوم في سوريا. والمنتسب إليها هنا هو: محمَّد بن إبراهيم بن مسلم الخزاعي، أبو أمية الطرسوسي، بغدادي الأصل مشهور بكنيته، توفي سنة (٢٧٣ هـ). وثقه أبو داود السجستانِي، وأبو بكر الخلال، والسمعانِي، وابن يونس، ومسلمة بنُ القاسم، والذهبي في العبر، وابن ناصر الدين الدمشقي. وأثنى عليه ابن الجوزي، والنووي وغيرهما. وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: "كان من الثقات، دخل مصر فحدثهم من حفظه من غير كتاب بأشياء أخطأ فيها، فلا يعجبنِي الاحتجاج بخبره إلا بما حُدِّثتُ من كتابه"، وقال الحكم أبو عبد الله: "صدوق كثير الوهم"، وقال مسلمة بن قاسم: "أنكرت عليه أحاديث ولج فيها فتكلم الناس فيه". أقول: ومثل هذا الكلام يكون في الصدوق، ولذا قال الحافظ: "صدوق صاحب حديث يهم". انظر: الثقات لابن حبان (٩/ ١٣٧)، تاريخ بغداد (١/ ٣٩٥)، الأنساب (٨/ ٢٣١)، المنتظم لابن الجوزي (١٢/ ٢٥٨)، معجم البلدان (٤/ ٣١)، تهذيب الأسماء واللغات للنووي (١/ ٧٧)، تهذيب الكمال للمزي (٢٤/ ٣٢٧)، ميزان الاعتدال (٣/ ٤٤٧)، والعبر (١/ ٣٩٤)، وسير أعلام النبلاء (١٣/ ٩٢)، تهذيب التهذيب (٩/ ١٥) وتقريب التهذيب كلاهما لابن حجر (٥٧٠٠).
(٣) عبد الله بن محمَّد بن عمرو بن الجراح الأزدي، والغَزِّي بفتح الأول، نسبة إلى غَزَّة، =
[ ١ / ٦ ]
والعباسَ بن محمَّد (^١) حَدثونا، قالوا: حدثنا عبيد الله بن موسى (^٢)، قال: أخبَرنا الأوزاعي (^٣)، عن قرة بن عبد الرحمن بن حَيويل (^٤)، عن الزُّهري،
_________________
(١) = بليدة من بلاد فلسطين على مرحلة من بيت المقدس، وما زالت تعرف هذا الاسم إلى اليوم. انظر: (الأنساب) (٩/ ١٤٦)، (معجم بلدان فلسطين) لمحمد شراب (ص: ٥٦٧).
(٢) هو الدوري، أبو الفضل البغدادي، صاحب التاريخ عن ابن معين.
(٣) عبيد الله بن موسى بن أبي المختار (باذام) العبسي الكوفي، توفي سنة (٢١٣ هـ). وثقه جماعة كابن معين، وأبي حاتم، والعجلي، وابن عدي، وغيرهم، ولكن رموه بالتشيع، وتركه الإمام أحمد لروايته أحاديث منكرة في التشيع. وقال ابن سعد: "كان ثقة صدوقًا إن شاء الله تعالى، كثير الحديث، حسن الهيئة، وكان يتشيع، ويروي أحاديث في التشيع منكرة، وضعِّف بذلك عند كثير من الناس، وكان صاحب قرآن". وقال الفسوي: "شيعي، وإن قال قائل: رافضي لم أنكر عليه، وهو منكر الحديث". وقال الحافظ: "ثقة، كان يتشيع". انظر: طبقات ابن سعد (٦/ ٤٠٠)، العلل للإمام أحمد -رواية المرُّوذي- (ص: ١٢٧، ١٧٤)، الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (٥/ ٣٣٤)، الثقات لابن حبان (٧/ ١٥٢)، تهذيب الكمال للمزي (١٩/ ١٦٨)، تهذيب التهذيب (٧/ ٤٧)، والتقريب للحافظ ابن حجر (٤٣٤٥).
(٤) عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمرو الأوزاعي - أبو عمرو.
(٥) قُرَّة بن عبد الرحمن بن حَيْوِيل (وفي بعض المصادر: حيوئيل) -بمهملة مفتوحة ثم تحتانية- على وزن جَبْرِيل، المعافري المصري، يقال اسمه: يحيى، توفي سنة (١٤٧ هـ). ضعَّفه الإمام أحمد، وابن معين، وأبو حاتم، والنسائي، والدارقطني. وقال عنه =
[ ١ / ٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = أبو زرعة: "الأحاديث التي يرويها مناكير"، وقال أبو داود: "في حديثه نكارة" وقال أبو زرعة الدمشقي: "ذِكره أحسن من حديثه". ووثقه يعقوب الفسوي، وذكره ابن حبان في الثقات، وكذا ابن شاهين وقال: "ليس به بأس عندي"، ونقل ابن حجر في التهذيب عن ابن معين: "كان يتساهل في السماع وفي الحديث، وليس بكذاب"، وقال العجلي: "يكتب حديثه"، وقال ابن عدي: "لم أر في حديثه حديثًا منكرًا جدًّا فأذكره، وأرجو أنه لا بأس به". وذكره العقيلي، وابن الجوزي في الضعفاء. وقال الأوزاعي: "ما أحد أعلم بالزهري من قرة بن عبد الرحمن بن حيويل". ونسب ابن حبان هذا القول في الثقات إلى يزيد بن السمط، وأيٌّ كان صاحب القول فقد ردَّه أبو حاتم بقوله: "كيف يكون قرة بن عبد الرحمن أعلم بالزهري كل شيء روى عنه لا يكون ستين حديثًا، بل أتقن الناس في الزهريّ: مالك ومعمر والزبيدي ويونس وعقيل وابن عيينة، هؤلاء الستة أهل الحفظ والإتقان والضبط والمذاكرة، وبهم يعتبر حديث الزهريّ إذا خالف بعض أصحاب الزهريّ بعضًا في شيء يرويه". وقال ابن أبي حاتم: "لم يكن الأوزاعي وقف على كتاب معمر عن الزهريّ، فإنه أكثرهم رواية عنه، ولا وقف على كتاب عقيل ويونس وإنما شاهد من قرَّة مكان يورده عليه فتصور صورة عنده أنه أعلمهم بالزهري، ويحتمل أنه كان عالمًا بأخلاق الزهريّ ولم يُرِد أنه كان عالمًا بحديث الزهريّ والله أعلم". وعلَّق الحافظ ابن حجر في التهذيب بقوله: "يظهر أن مراد الأوزاعي أنه أعلم بحال الزهريّ من غيره، لا فيما يرجع إلى ضبط الحديث، وهذا هو اللائق والله أعلم". وقال عنه في التقريب: "صدوق له مناكير"، وقد أخرج له مسلم في المتابعات. فالظاهر أنه ضعيف، يصلح حديثه للمتابعات والشواهد إذا لم يخالف غيره. =
[ ١ / ٨ ]
عَنْ أبي سلمةَ (^١)، عن أبي هُريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "كُلُّ أَمْرٍ ذِي بالٍ لا يُبْدَأُ فِيهِ بِالحَمْدِ فَهُوَ أَقْطَع" (^٢).
_________________
(١) = انظر: تاريخ أبي زرعة الدمشقي (١/ ٢٦٦ - ٢٦٧)، الضعفاء للعقيلي (٣/ ٤٨٥)، تقدمة الجرح والتعديل (١/ ٢٠٤ - ٢٠٥)، والجرح والتعديل لابن أبي حاتم (٧/ ١٣١ - ١٣٢)، الثقات لابن حبان (٧/ ٣٤٢)، الكامل لابن عدي (٦/ ٢٠٧٦)، سنن الدارقطنِي (١/ ٢٢٩)، الثقات لابن شاهين (ص: ٢٧٠ رقم ١١١٠)، الضعفاء لابن الجوزي (٣/ ١٧) تهذيب الكمال (٢٣/ ٥٨١)، ميزان الاعتدال (٣/ ٣٨٨)، تهذيب التهذيب (٨/ ٣٢٣)، التقريب (٥٥٤١).
(٢) بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ.
(٣) أخرجه: أبو داود في السنن -كتاب الأدب -باب الهدي في الكلام (٤/ ٢٦١ - ح ٤٨٤٠) وابن ماجة في السنن -كتاب النكاح -باب خطبة النكاح (١/ ٦١٠ - ح ١٨٩٤)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (السنن الكبرى ٦/ ١٢٧) وأحمد في المسند (٢/ ٣٥٩)، وابن حبان في صحيحه (موارد الظمآن ص ١٥٢ رقم ٥٧٨)، والدارقطنِي في سننه (١/ ٢٢٩)، والبيهقي في السنن الكبرى (٣/ ٢٠٨ - ٢٠٩) وغيرهم من طرق عن: الأوزاعي، عن قرة بن عبد الرحمن بن حيويل، عن الزهريّ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة مرفوعًا بألفاظ متقاربة، ولفظ ابن ماجه موافق للفظ المصنِّف، والحديث ضعيف. تنبيهات: أولًا: سبب تضعيف هذا الحديث هو: ضعف إسناده لما تقدَّم من حال قرة بن عبد الرحمن، ومخالفته للثقات من أصحاب الزهريّ الذين رووه عنه عن النبي ﷺ مرسلًا. قال أبو داود عقب إخراجه الحديث: "رواه يونس، وعقيل، وسعيد بن عبد العزيز عن =
[ ١ / ٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = الزهريّ عن النبي ﷺ مرسلًا". وقال الدارقطني أيضًا عقب الحديث: "تفرَّد به قرَّة عن الزهريّ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة وأرسله غيره عن الزهريّ عن النبي ﷺ، وقرة ليس بقويٍّ في الحديث، ورواه صدقة، عن محمَّد بن سعيد، عن الزهريّ، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن أبيه، عن النبي ﷺ، ولا يصحُّ الحديث، وصدقة ومحمد بن سعيد ضعيفان، والمرسل هو الصواب". ثانيًا: قول الدارقطني: "تفرد به قرَّة" لعله يقصد أن الراجح في الطرق عن الزهريّ أنَّ قرة تفرَّد به؛ لأن في ظاهر الأمر هناك متابعة لقرة عن الزهريّ، فقد تابعه: سعيد بن عبد العزيز، عن الزهريّ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة رفعه. أخرجه النسائي في عمل اليوم والليلة (السنن الكبرى ٦/ ١٢٧ رقم ١٠٣٢٩)، وسعيد بن عبد العزيز هو: ابن أبي يحيى التنوخي، فقيه أهل الشام ومفتيهم بعد الأوزاعي، كان الإمام أحمد وغيره يقرنه بالأوزاعي في ثقته وحفظه، وكان أبو مسهر يقدمه على الأوزاعي، وقال الحكم: "سعيد لأهل الشام كمالك بن أنس لأهل المدينة في التقدُّم والفضل والفقه والأمانة". انظر: تهذيب الكمال (١٠/ ٥٣٩ - ٥٤٤). فهذه متابعة قوية لقرَّة بن عبد الرحمن إن صحَّت، والراوي عن سعيد: الوليد بن مسلم، وهو مدلِّس وقد صرَح بالتحديث، ولكن سعيدًا اختلط قبل موته -كما قال أبو مسهر- ولم أجد أحدًا ميز الرواة عنه قبل الاختلاط أو بعده. وانظر: الكواكب النيرات لابن الكيال (ص: ٢١٣). ويبدو أنه قد اختلف عليه في الوصل والإرسال، فقد قال البيهقي: "أسنده قرَّة، ورواه يونس بن يزيد، وعقيل بن خالد، وشعيب بن أبي حمزة، وسعيد بن عبد العزيز عن الزهريّ، عن النبي ﷺ مرسلًا". السنن الكبرى (٣/ ٢٠٩).=
[ ١ / ١٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = فالظاهر أن الراجح عن سعيد هو رواية الإرسال، لذا قال الدارقطني: "تفرَّد به قرَّة … "، وعلى فرض صحَّة متابعة سعيد لقرَّة: فلا يقوى على مخالفة هذا الجمع من أصحاب الزهريّ الثقات، والله أعلم. ثالثًا: ما تقدَّم في كلام الدارقطنِي وتضعيفه للحديث الذي روي من وجهٍ آخر عن الزهريّ عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن أبيه ﵁؛ فلم أجده من الطريق الذي ذكره، ولكن أخرجه الطبرانِي في الكبير (١٩/ ٧٢) من طريق صدقة بن عبد الله، عن محمَّد بن الوليد الزُبيدي، عن الزهري، عن عبد الله بن كعب بن مالك، عن أبيه، عن النبي ﷺ. وكعب بن مالك له من الأبناء: عبد الله، وعبد الرحمن، وعبيد الله، ومعبد، ومحمد كلهم رووا عن أبيهم -كما ذكر ذلك الحافظ في الإصابة (٥/ ٦١١) - فالله أعلم بالصواب أهو: عبد الله أم عبد الرحمن، ويحتمل أنَّ كليهما رويا الحديث عن أبيه والله أعلم. ولا يضر هذا الاختلاف؛ لأن عبد الله وعبد الرحمن كليهما ثقة، فكيف ما دار دار على ثقة. ولكن ضعف الإسناد جاء من ضعف صدقة وهو: ابن عبد الله السمين، أبو معاوية أو أبو محمَّد الدمشقي قال الحافظ: "ضعيف". (التقريب ٢٩١٣) وقد سبق قول الدارقطنِي فيه. والراوي عنه في إسناد الطبراني: عبد الله بن يزيد الدمشقي ضعيف أيضًا، قاله الحافظ. (التقريب ٣٧١٤). رابعًا: وهو مما يجدر ذكره هنا أنَّ السبكي رحمه الله تعالى ذهب إلى تصحيح حديث قرَّة في طبقات الشافعية الكبرى (١/ ٦) بما يلي: أ - بأنَّ الأوزاعي قال عنه: إنه أعلم الناس بالزهري، وقد مرَّ هذا القول في ترجمة قرَّة، وتوجيه ابن أبي حاتم والحافظ ابن حجر لكلام الأوزاعي. ب - بأن له شاهدًا من حديث كعب بن مالك، وهو الذي رواه من طريق الطبرانِي، =
[ ١ / ١١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وقد سبق أيضًا أن فيه ضعيفين، وأيضًا هو مخالفٌ لرواية الأثبات عن الزهريّ. جـ - أنه قد رُوِي هذا الحديث عن الأوزاعي، عن الزهريّ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة مرفوعًا بدون ذكر: قرة بن عبد الرحمن، ثم أخرج تلك الطرق بأسانيده وهي كالتالي:
(٢) حديث خارجة بن مصعب، عن الأوزاعي، عن الزهريّ به.
(٣) حديث مبشِّر بن إسماعيل، عن الأوزاعي، عن الزهريّ به.
(٤) حديث محمَّد بن كثير، عن الأوزاعي، عن الزهريّ به. واستشهد أيضًا بمن تابع الأوزاعي من غير طريق قرة، عن الزهريّ؛ وهو: إسماعيل بن أبي زياد الشامي الذي رواه عن يونس بن يزيد، عن الزهريّ به. وفي كلِّ ما أورده نظر، وإليك بيانه: فالأول: فيه خارجة بن مصعب: "متروك كان يدلِّس عن الكذَّابين، ويقال: إنَّ ابن معين كذَّبه". قاله الحافظ في التقريب (١٦١٢). والثانِي -وهو حديث مبشِّر بن إسماعيل- فيه: محمَّد بن صالح البصري قال الحافظ: "ما علمت حاله". اللسان (٥/ ٢٠١) ويروي عن عبيد بن عبد الواحد بن شريك وهو ثقة، قد تغيَّر في آخره، ولم نعرف إن كان محمَّد بن صالح البصري روى عنه قبل التغيُّر أم بعده. انظر: اللسان (٤/ ١٢٠). وفيه أيضًا: أحمد بن محمَّد بن عمران، أبو الحسن النهشلي، المعروف بابن الجُنْدِي -نسبة إلى الجُنْد يعنِي: العسكر (الأنساب للسمعاني (٣/ ٣٢١) -، قال الخطيب: "كان يضعَّف في روايته، ويُطعَن عليه في مذهبه"، وقال الأزهري: "ليس بشيء"، وقال العتيقي: "وكان يرمى بالتشيُّع، وكانت له أصول حسان". قال الحافظ: "أورد ابن الجوزي في الموضوعات في فضل عليٍّ حديثًا بسندٍ رجاله ثقات إلا الجُنْدي فقال: هذا موضوع ولا يتعدَّى الجندي". =
[ ١ / ١٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = انظر: تاريخ بغداد للخطيب (٥/ ٧٧ - ٧٨)، الميزان للذهبي (١/ ١٤٧ - ١٤٨) لسان الميزان لابن حجر (١/ ٢٨٨). والثالث: حديث محمَّد بن كثير وهو: المصِّيصي قال عنه الشيخ الألبانِي: "محمَّد بن كثير المصِّيصي ضعيف لأنه كثير الغلط كما قال الحافظ". إرواء الغليل (١/ ٣٠). قلت: قال الحافظ: "صدوق كثير الغلط". التقريب (٦٢٥١). وأما شاهد إسماعيل بن أبي زياد فأسوأ حالًا من سابقه؛ لأنَّ إسماعيل بن أبي زياد هذا قال عنه الدارقطنِي: "متروك الحديث"، وقال الخليلي: "شيخ ضعيف ليس بالمشهور، كان يُعلِّم ولد المهدي، وشحن كتابه في التفسير بأحاديث مسندة يرويها عن شيوخه: محمود بن يزيد، ويونس الأيلي، لا يتابع عليها". لسان الميزان (١/ ٤٠٦ - ٤٠٧). مما سبق يتبين: أنَّ الأسانيد التي ساقها لتقوية حديث قرة بن عبد الرحمن لا تصلح للمتابعة؛ إما لضعفها الشديد أو لمخالفتها لرواية الثقات -حيث رووه عن الزهريّ عن النبي ﷺ مرسلًا- وقد رجَّح رواية الإرسال -كما سبق- من الحفاظ: أبو داود، والدارقطنِي، والبيهقي. وقد ذكر الشيخ الألبانِي حفظه الله أمرًا آخر يؤيد ضعف هذا الحديث وهو: اضطراب الرواة في المتن فتارة يروى: أقطع، وتارة: أبتر، وتارة: أجذم، وتارة يذكر الحمد، وتارة يقول: بذكر الله. الإرواء (١/ ٣١). وقد عزى السبكي في الطبقات (١/ ٩) تصحيح هذا الحديث إلى الحاكم وابن حبان، فأما ابن حبان فقد أخرجه في صحيحه كما سبق، وأما الحكم فلم أجده في مستدركه بعد طول تفتيش، ونقل أيضًا تحسين ابن الصلاح له.
[ ١ / ١٣ ]
حدثنِي يزيد بن عبد الصمد الدمشقي (^١)، وسعد بن محمَّد (^٢) قالا: حدثنا هشامُ بن عمَّار (^٣)، حدثنا عبد الحميد بن حبيب (^٤)، عَن الأوزاعي،
_________________
(١) هو: يزيد بن محمَّد بن عبد الصمد القرشيّ، أبو القاسم الدمشقي.
(٢) سعد بن محمَّد البيروتي، أبو محمَّد.
(٣) هشام بن عمَّار بن نُصير -بنون مصغَّر- السُّلمي الدمشقي، الخطيب، صدوق مقرئ، كبر فصار يتلقَّن فحديثه القديم أصحُّ، توفي سنة (٢٤٥ هـ). قلت: لم يميِّز صاحب (الكواكب النيرات) بين الرواة عنه قبل التغيُّر أو بعده، ولم يستدرك المحقِّق -د: عبد القيوم بن عبد رب النبي- أحدًا، ولم يتبين لي ذلك، وليس ذلك مهمًّا هنا؛ إذ الإسناد علَّته: ضعف قرة بن عبد الرحمن، ومخالفة الثقات من أصحاب الزهري له بروايته مرسلًا. وذكر الحافظ ابن حجر في (هدي الساري): أن البخاري أخرج لهشام حديثين، تابعه فيهما غيره، وحديث المعازف المعلَّق، ثم قال: "هذا جميع ماله في كتابه مما تبين لي أنه احتج به". انظر: هدي الساري لابن حجر (ص ٤٧١)، التقريب (٧٣٠٣)، الكواكب النيرات لابن الكيال (ص: ٤٢٤ رقم ٦٥).
(٤) ابن أبي العشرين الدمشقي، أبو سعيد الشامي، كاتب الأوزاعي، ولم يرو عن غيره. قال ابن معين: "ليس به بأس"، ووثقه الإمام أحمد، وقال: "كان أبو مسهر يرضاه"، وقال هشام بن عمار الموصلي: "أوثق أصحاب الأوزاعي: عبد الحميد بن حبيب"، وقال العجلي: "لا بأس به"، وقال أبو زرعة: "ثقة، حديثه مستقيم، وهو من المعدودين في أصحاب الأوزاعي"، وذكره ابن حبان في الثقات وقال: "ربما أخطأ"، ووثقه الدارقطني، وذكره ابن شاهين في الثقات. وضعَّفه دُحيم الدمشقي، وقال البخاري: "ربما يخالف في حديثه"، وقال مرة أخرى: =
[ ١ / ١٤ ]
بإسنادِه مثلَه.
_________________
(١) = "ليس بالقوي"، وقال أبو حاتم: "كان صاحب ديوان ولم يكن صاحب حديث"، وقال مرة: "ليس بذاك القوي"، وقال النسائي: "ليس بالقوي"، وقال ابن عدي: "تفرد عن الأوزاعي بغير حديث لا يرويه غيره، وهو ممن يكتب حديثه"، وقال أبو أحمد الحكم: "ليس بالمتين عندهم". تنبيه: نقل المزي عن أبي حاتم أنه قال عنه: "ثقة، كان صاحب ديوان، ولم يكن صاحب حديث"، وتبعه على ذلك الذهبي في الميزان" ثم ابن حجر في التهذيب، والظاهر أن العبارة بها سقطٌ أو خلل، فالسياق جاء عند ابن أبي حاتم في الجرح كما يلي: "سألت أبي عن ابن أبي العشرين ثقة هو؟ فقال: كان صاحب ديوان، ولم يكن صاحب حديث". فلم يوثِّقه، وهذا متوافقٌ مع قوله الآخر الذي نقله المزِّيُّ عنه أيضًا: "ليس بذاك القوي". وقال الحافظ ابن حجر: "صدوق ربما أخطأ"، وأخرج له البخاري في الشواهد. فمثله يحتاج إلى متابع، وقد تابعه في الإسناد الماضي: عبيد الله بن موسى، ولكن علة الحديث فيمن فوقه وهو: قرة بن حيويل كما سبق. انظر: سؤالات ابن الجنيد (ص: ٣٠٦) التاريخ الكبير للبخاري (٦/ ٤٥)، الثقات للعجلي (٢/ ٧٠)، الضعفاء والمتروكين للنسائي (ص: ١٦٩)، الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (٦/ ١١)، الثقات لابن حبان (٨/ ٤٠٠)، الكامل لابن عدي (٥/ ١٩٥٩)، سؤالات الحكم للدارقطنِي (ص: ٢٤١)، تهذيب الكمال للمزي (١٦/ ٤٢٠)، ميزان الاعتدال للذهبي (٢/ ٥٣٩)، شرح علل الترمذي لابن رجب (٢/ ٧٢٠)، تهذيب التهذيب لابن حجر (٦/ ١٠٢)، التقريب (٣٧٥٧).
[ ١ / ١٥ ]
وَسَمِعتُ بعضَ أصحابِنا (^١) يَذكُر هذا التحميدَ، فقال: "الحمد لله الذي ابتدأ الخلق بنعمائهِ، وتغمَّدهم بحُسْن بلائه، فوقف (^٢) كل امرئٍ منهم في صِباهُ على طلب ما يحتاجُ إليهِ مِن غذائه، وسَخَّر له مَنْ يكْلؤهُ إلى وَقت استغنائهِ، ثم احتجَّ عَلى مَن بلغ منهُم بآلائه وأعذر إليهم بأنبيائه، فشرح صَدر من أحَبَّ هُداه من أوليائهِ وَطبعَ على قلبِ مَن لم يُرِدْ إرشادَه من أعدائه، الذي لم يزل (^٣) بصفاته وأسمائه، الذي لا يشتمل عليه زَمان، ولا يحيط به مكان، ثم خلق الأماكن وَالأزمان، ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ (^٤)، فقدَّرَها أحْسَنَ تَقديرٍ، وَاخترعَها عن غير نَظيرٍ، لم يرْفَعْها بِعَمَدٍ (^٥)، وَلم يستعِنْ عَليها بأحَدٍ، زَيَّنها للنَّاظرِين،
_________________
(١) لم أقف على تعيينهم.
(٢) كذا في الأصل، وفي (م) كذلك غير أنها أصلحت في الهامش إلى "فوفَّق"، وفي (ط) ليست واضحة تمامًا ويشبه أن تكون موافقة للأصل، وكلتا الكلمتين مناسبة للسياق. والفعل "وقف" يأتي لازمًا وهو الأكثر، ومتعدّيًا كقوله تعالى: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (٢٤)﴾ [الصافات: ٢٤].
(٣) في (م): "لم تزل"، وهو خطأ.
(٤) سورة فصلت- الآية (١١).
(٥) العَمَدُ -بفتحتين-: جمع العمود كـ أعمدة، وعُمُد. القاموس المحيط- للفيروزآبادي (ص ٣٨٤ - عمد). وقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ الرعد- الآية (٢).
[ ١ / ١٦ ]
وجَعلَ فيها رُجُومًا للشياطين، فتبارَكَ الله أحْسنُ الخالقين، وتعَالى (^١) عن أن يُطْلق في وصْفِه آراء المتكلِّفين، أو أن يُحَكّمَ في دينه أهواء المُقَلِّدين، فجَعَل القرآن إِمامًا للمتَّقينَ، وَهُدىً للمؤمنينَ، وَمَلْجأً للمتنازِعين، وحَاكِمًا بين المختلفين، وَدعا أولياءه المؤمنين إلى اتِّباع تنزيله، وَأمر عبادَه عند التنازُع في تأويله بالرجُوع إلى قوْلِ رَسولِه (^٢) ﷺ، بذلك نَطَق محكمُ كتابهِ، إذ يقول جلَّ ثناؤه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ في شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (^٣).
أَحمدهُ حَمْدًا يَبْلُغُ رِضاه، ويَحْتَبِس (^٤) آلاه، ويُكافئ نَعماه، وَأَسْتعينُه على رعايةِ مَا اسْتحفظَنَا من وَدائعهِ، وَحفْظِ ما اسْتَودَعَنا مِن شرائعهِ، وأُؤمِن به إيمان مَن أَخْلَصَ عبَادتَه، واستشعَرَ طاعَتَه، وأتوكُّلُ عليهِ تَوكُّلَ مَنْ انقطَع إليهِ، ثقةً به، وَرغبةً فيما لدَيه.
_________________
(١) سقطت الواو من (م).
(٢) لعل قلم الناسخ سبق إلى كتابتها هكذا: "رسول الله ﷺ" ثم أصلحها إلى ما أثبتُّه، وفي (ط) كما أثبت أيضًا، وهو المناسب للسياق.
(٣) سورة النساء- الآية (٥٩).
(٤) أشار المصنِّف بهذا التعبير إلى دوام النعم بالحمد عليها، بتعبيره هذا. و"آلاه" سُهِّلت فيها الهمزة للسجع وأصلها "ألاءه"، ولعل "نَعماه" الآتية كذلك، فيكون أصلها "نعماءَه" أو "نُعماه" بالضم من النُّعمى.
[ ١ / ١٧ ]
وَأَشهدُ أن لا إلهَ إلا الله وَحْدَه لا شريك له، شهادةَ مُعتَرفٍ له بالرُّبُوبية والتَّوحيد، مقرًا له بالعَظمة والتمجيد، خَائفًا مِن إنجاز ما قُدِّم إليه مِن الوعيد.
وَأشْهد أن محمَّدًا عَبدُه ورسولهُ، اصْطفاه لنفْسه وَليًّا، وارتضاه لخلقِهِ نبيًّا، فوجَده عَلى حفظ ما ضَمَّنَه قَويًّا، وَبأداء ما اسْتودَعَهُ مَلِيًّا، وَبالدُّعاء إلى ربهِ حَفيًّا، مُتوقِّفًا عندَ وُرودِ المشكلات، مُشَمِّرًا عند تجلِّي الشُّبُهات، لا يَرعوي (^١) لمن عَذله، وَلا يلْوي على مَن خَذَله، وَلا يُطيعُ غيرَ من أرسَله، يَصدع بِالأمْر، ويُطفِئ نارَ الكفْر، لم تأخذْهُ في الله لومَةُ لائمٍ.
وَإنَّ فَرْض الله اتباعُ أمر رَسُولهِ، والتَّسليم لحُكمِهِ، فإن الله لم يَجْعَل لأحدٍ بعدَهُ إلَّا اتباعَه، وأنهُ لا يلزم قولٌ بكُل حالٍ إلا بكتابِ الله ﷿ (^٢) أو سنَّة رَسولهِ [ﷺ] (^٣)، وَأنَّ ما (^٤) سواهما تَبَعٌ
_________________
(١) لا يرعوي، أي: لا ينفكُّ، ولا ينزجر، وارْعَوى يَرْعَوِي، أي: كفَّ عن الأمور. لسان العرب (٥/ ٢٥٣). والمعنى: أنه ﷺ لا يترك أمر ربِّه ولا يكفُّ عن تبليغ رسالته لأجل لوم لائم، والعذل هو اللوم.
(٢) جملة الثناء على الله ﷿ ليست في (م).
(٣) ما بين المعقوفتين من (ط).
(٤) في (ط): "من" بدل "ما".
[ ١ / ١٨ ]
لهما، وإنَّ فَرْض الله علينا وعلى مَنْ بَعدنا وقبلنا في (^١) قبول الخبر عن رسول الله ﷺ".
حدثنا يونس بن عبد الأعلى (^٢)، قال: أخبرنا ابن وهب (^٣)، قال: أخبرنِي يونس بن يزيدَ، عن ابن شهابٍ قال: بلغَنَا عن رجالٍ من أهل العلم أنهم كانوا يَقولون: "الاعتِصَامُ بِالسُّنَّةِ نَجَاةٌ، والعِلْمُ يُقْبَض قَبْضًا سَرِيعًا، فَنَعْشُ (^٤) العِلْمِ ثَبَاتُ الدِّينِ والدُّنْيَا، وذَهابُ ذَلكَ كلِّهِ (^٥) في ذَهَابِ العِلْمِ" (^٦).
_________________
(١) حرف الجر (في) متعلِّقٌ بمحذوفٍ تقديره "منحصرٌ"، فالمعنى: أن فرض الله علينا منحصرٌ في قبول الخبر عن رسول الله ﷺ؛ لأنه لا واسطة لنا للتلقّي عن الله إلا عن طريقه.
(٢) ابن ميسرة الصدفي، أبو موسى المصري.
(٣) عبد الله بن وهب بن مسلم القرشي، أبو محمَّد المصري.
(٤) النَّعْشُ: الارتفاع، والبقاء. القاموس المحيط للفيروزآبادي (ص ٧٨٤).
(٥) أي: الدين والدنيا.
(٦) سند المصنف صحيح إلى الزهريّ، وقد أخرج الأثرَ: عبد الله بن المبارك في الزهد (ص / ٢٨١ رقم ٨١٧)، والدارمي في السنن (١/ ٥٨ رقم ٩٦)، وأبو نعيم الأصبهانِي في حلية الأولياء (٣/ ٣٦٩)، واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (١/ ٩٥ رقم ١٣٧).
[ ١ / ١٩ ]