لم يراع أبو عوانة ترتيب الإمام مسلم للأحاديث في الباب الواحد، ولا لطرق الحديث الواحد في الغالب من صنيعه، بل إنه تصرف في ذلك، وقد
_________________
(١) منهج الإمام مسلم (ص ٥١).
[ مقدمة / ٢٤٨ ]
يظهر للناظر مقاصده من تصرفه أولا، وفيما يلي أمثلة توضح منهجه:
١ - أورد الإمام مسلم أحاديث النهي عن الوصال من حديث أربعة من الصحابة، وهم: عبد الله بن عمر، وأبو هريرة، وأنس، وعائشة، ﵃، على هذا الترتيب (^١)، فأورد الحافظ أبو عوانة الأحاديث نفسها في باب واحد مبتدئا بحديث أبي هريرة، ثم ابن عمر، ثم عائشة، ثم أنس (^٢)، وقد يتصرف في مثل هذا الصنيع فيقحم بعض طرق حديث صحابي في طرق صحابي آخر كما فعل في أحاديث صيام عاشوراء، فشوش في ترتيب مسلم للأحاديث وفرق طرق حديث ابن عمر وأقحم طرق حديث ابن مسعود، وعائشة بينها كلها في باب واحد (^٣)، فالتصرف الأول لا مؤاخذة عليه، وأما الثاني فيؤخذ عليه إخلاله بحسن ترتيب الإمام مسلم بإيراده لطرق كل حديث على حدة.
٢ - قد يورد الإمام مسلم أحاديث عدد من الصحابة في موضوع واحد وفي مكان واحد، فيفرقها أبو عوانة ويفرد لحديث كل صحابي ترجمة غير ترجمة الآخر، مثال ذلك أن الإمام مسلم أورد في "باب بيان وقت انقضاء الصوم" حديث عمر بن الخطاب، وحديث عبد الله بن أبي أوفى
_________________
(١) صحيح مسلم -كتاب الصيام- باب النهي عن الوصال (٢/ ٧٧٤ - ٧٧٦).
(٢) انظر الأحاديث من: (٣٠١٢ إلى ٣٠٢٤)، وانظر مثالا آخر في: (٣٠٠١ إلى ٣٠٠٦).
(٣) انظر الأحاديث من: (٣١٩١ إلى ٣٢١٢)، وصحيح مسلم (٢/ ٧٩٢ - ٧٩٤).
[ مقدمة / ٢٤٩ ]
﵄ (^١)، فأفرد الحافظ أبو عوانة لكل حديث ترجمة؛ أورد حديث عمر بن الخطاب في "باب بيان الوقت الذي يحل للصائم الإفطار، والدليل على أنه إذا دخل ذلك الوقت كان الصائم مفطرا، وإن لم يأكل ولم يشرب" (^٢)، وأورد حديث عبد الله بن أبي أوفى في أبواب الوصال في الصوم وترجم له بـ "باب الدليل على أن الصائم إذا واصل كان مفطرًا إذا غابت الشمس" (^٣)، وكذلك أحاديث المجامع في نهار رمضان التي عند مسلم من حديث أبي هريرة، وعائشة ﵄، جعلها أبو عوانة في ثلاثة أبواب؛ فرق طرق حديث أبي هريرة على أساس اختلاف أصحاب الزهري، بين من عين سبب الفطر، وذكر خصال الكفارة على الترتيب، ومن أبهم السبب، وجعل الخصال على التخيير، فترجم لكل لمجموعة من تلك الطرق في باب مستقل، وترجم لحديث عائشة في باب ثالث (^٤)، وهذا أيضا لا مؤاخذة فيه، إذ الغاية من الكتب المصنفة هي الاستنباط من أحاديثها،
_________________
(١) صحيح مسلم (٢/ ٧٧٢ - ٧٧٣).
(٢) انظر حديث رقم: (٣٠٠٧ إلى ٣٠٠٨).
(٣) انظر طرقه من حديث رقم: (٣٠٢٥ إلى ٣٠٢٨).
(٤) صحيح مسلم (٢/ ٧٨١ - ٧٨٤)، وانظر الأبواب التالية في كتاب الصوم: باب بيان إجازة الصوم إذا أدركه الصبح وهو جنب من الجماع …، وباب بيان حظر الجماع في شهر رمضان بالنهار وما فيه من الكفارة ، وباب الدليل على أن الصدقة واجبة على الذي يقع على امرأته في رمضان نهارا
[ مقدمة / ٢٥٠ ]
والإمام مسلم يورد أحاديث يستقل كل حديث منها بحجة، وإنما تكون المؤاخذة حيث يورد مسلم الحديث لبيان علته، فيستدل به لترجمة الباب استقلالا، لأن في ذلك إخلالا لقصد مسلم من إيراد الحديث، ولم نقف في القسم المخصص للمقارنة من كتابي الصوم والزكاة على ما يصلح أن يكون من هذا القبيل إلا ما قد يقال في باب: الدليل على أن الصدقة واجبة على الذي يقع على امرأته في رمضان بهارا … من كتاب الصيام، حيث أفردَ بترجمة، طرق حديث أبي هريرة في المجامع في نهار رمضان التي فيها إبهام سبب الفطر، والتخيير في خصال الكفارة، وهي في الأصل قد سيقت لبيان الاختلاف بين أصحاب الزهري، والعذر لأبي عوانة أن جمعًا من العلماء لم ير هذا علة قادحة، وقد احتج بها الإمام مالك وأصحابه.
٣ - قد يورد الإمام مسلم طرقا عدة لحديث واحد فيفرقها الحافظ أبو عوانة ويورد كل طريق أو مجموعة من الطرق في باب مستقل، وهذا يقال فيه مثل ما قيل في الذي قبله، ومن أمثلة ذلك تفرقته لطرق حديث عبد الله ابن عمرو بن العاص ﵁ في صيامه في التطوع، التي بلغ عددها عند مسلم ١٥ طريقا (^١)، فرقها أبو عوانة في ثلاثة أبواب؛ أورد بعضها في "باب ذكر الأخبار الدالة على حظر صوم الدهر وإبطال فضيلته" من حديث رقم: (٣١٤٦ - ٣١٥١)، وأورد بعضها الآخر في "باب بيان فضيلة صوم عرفة، وثوابه، وثواب صوم يوم عاشوراء إلخ" من حديث رقم:
_________________
(١) صحيح مسلم (٢/ ٨١٢ - ٨١٨).
[ مقدمة / ٢٥١ ]
(٣١٧٠ - ٣١٧٢)، وأورد باقي الطرق في "باب ذكر الخبر المبين أن أحبَّ الصيام إلى الله ﷿ صيام داود صلوات الله عليه؛ صوم يوم وإفطار يوم، وأفضله" (^١)، من حديث رقم: (٣٢٥٢ - ٣٢٥٧)، كما أورد بعض تلك الطرق في كتاب الصلاة أيضا (^٢).
٤ - يتصرَّف الحافظ أبو عوانة ﵀ في ترتيب الأحاديث التي يوردها الإمام مسلم في موضع الاستشهاد، أو التي رجالها من الطبقة الثانية عنده، وهي التي تكون في الأصل بعد الأحاديث التي هي الأصول عنده في الترتيب، فلا يحافظ هو على ذلك الترتيب، وفيما يلي بيان ذلك:
أولا: أورد الإمام مسلم حديث: "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة … " الحديث، من حديث أبي سعيد الخدري من عِدَّة طرقٍ، ومن حديث جابر بن عبد الله، على هذا التَّرتيب:
١ - ذكر الطرق عن عمرو بن يحيى بن عمارة، عن أبيه، عن أبي سعيد، وصدر بالعالي منها، وهي طريق ابن عيينة عنه، ثم أتبعها بطريقين نازلين من هذا الوجه.
_________________
(١) انظر أيضا تفريقَه لطرق حديث ابن عمر في تحرّي ليلة القدر في العشر الأواخر، وهي من حديث رقم: (٣٣٠٥ إلى ٣٣٠٦)، ومن حديث رقم: (٣٣٠٨ إلى ٣٣١٥)، ولطرق حديث أبي سعيد الخدري: "ليس فيما دون خسة أوسق صدقة"، وهي من حديث رقم: (٣٣٣٠ إلى ٣٣٥١).
(٢) انظر حديث رقم: (٢٢٥٢، و٢٢٥٧، و٢٢٥٨).
[ مقدمة / ٢٥٢ ]
٢ - ذكر طريقا عن عمارة بن غزية، عن يحيى بن عمارة، عن أبي سعيد، وهي عالية عنده، لكنه أخرها حتى يراعي الترتيب بين الطرق عن عمرو بن يحيى.
٣ - ذكر الطرق عن إسماعيل بن أمية، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن يحيى بن عمارة، عن أبي سعيد، وقد نزل فيها جدا، إذ هي من السباعيات عنده، أوردها لما فيها من زيادة معنى في اللفظ، وهي قوله: "ليس فيما دون خمسة أوساق من تمر ولا حب صدقة".
٤ - ختم الباب بحديث جابر من رواية أبي الزبير عنه باللفظ نفسه، وفي الإسناد عياض بن عبد الله الفهري، وهو راو فيه لين (^١)، فالحديث في موضع الاستشهاد عند مسلم.
فلم يراع الحافظ أبو عوانة هذا الترتيب المتقن، وأتى بحديث جابر ابن عبد الله بين طرق حديث أبي سعيد، وكان حقه التأخير، ولم يظهر أن له ترتيبا معينا في هذا الباب (^٢).
ثانيا: الرجال الذين نص الحُفاظ على إخراج الإمام مسلم لهم في الشواهد، ومن تأخرت طبقته من الرواة عن الأئمة الذين تجمع أحاديثهم، لم يراع أبو عوانة منهج الإمام مسلم في ترتيب أحاديثهم، فهؤلاء يؤخر الإمام مسلم أحاديثهم في الأصل عند اقترانهم بغيرهم ممن يخرج لهم في
_________________
(١) انظر تفصيل كلام أئمة الجرح والتعديل فيه تحت الحديث رقم: (٣٣٣٢).
(٢) انظر الأحاديث من رقم: (٣٣٣٠ - ٣٣٤٥).
[ مقدمة / ٢٥٣ ]
الأصول، ومن أمثلتهم هشام بن سعد، وسهيل بن أبي صالح، والليث بن سعد، وعبيد الله بن الأخنس، كلاهما في نافع، ففي سياق الإمام مسلم لطرق حديث عبد الله بن عمر في صوم عاشوراء، أخر طريق الليث عن نافع وهي من رباعياته، وكان من عادته التصدير بالطريق العالي، فصدّر بطريق عبيد الله بن عمر، عن نافع، وما ذاك إلا لتقدم الثاني في طبقة أصحاب نافع، وتأخر الأول في ذلك (^١)، وأما أبو عوانة فلم يراع هذا الترتيب، فصدر بطريق الوليد بن كثير، عن نافع، مراعيا في ذلك التصدير بالطريق العالي (^٢).