اهتم الحافظ أبو نعيم ﵀ بالمحافظة على ترتيب الإمام مسلم للأحاديث وطرقها، ولم يخالف ذلك إلا نادرًا، فقد حافظ على ترتيب مسلم لأحاديث الباب الواحد التي يسوقها مسلم عن عدد من الصاحبة، سواء ساقها كلها للاحتجاج، كأحاديث النهي عن الوصال في الصوم (^٣)، أو ساق
_________________
(١) صحيح مسلم -كتاب الصيام- باب صوم يوم عاشوراء (٢/ ٧٩٢ - ٧٩٣).
(٢) انظر الأحاديث: (من ٣١٩١ إلى ٣١٩٤)، وأمثلة أخرى من ذلك في صحيح مسلم كتاب الصيام -باب التخيير في الصوم والفطر في السفر (٢/ ٧٩٠ رقم ١٠٩، ١٠٨)، كتاب الزكاة- باب إثم مانع الزكاة (٢/ ٦٨٠ - ٦٨٣)، والمواضع الموافقة عند أبي عوانة في أحاديث بأرقام: (٣٠٣٠ - ٣٠٣١، و٣٣٧٠ - ٣٣٧٢).
(٣) مستخرج أبي نعيم، باب في كراهية الوصال (ص ١٦٣ - ١٦٦) من مصورة رقم =
[ مقدمة / ٢٥٤ ]
بعضها للاحتجاج وبعضها للاستشهاد، كأحاديث: "لا صدقة فيما دون خمسة أوسق من التمر" (^١)، كما حافظ على ترتيبه لطرق الحديث الواحد، ولو اقتضى ذلك أن يؤخر الطريق الذي يعلو بها إسناده، وهو عكس أكثر صنيع المتقدمين كما قال السخاوي (^٢)، فمن ذلك تصديره بطريق الليث بن سعد، عن يحيى بن سعيد، في حديث عائشة ﵂ في قصة المجامع لأهله في نهار رمضان، وعنده طريق يزيد بن هارون، التي صار فيها كأنه سمع من مسلم، فأخرها من أجل المحافظة على ترتيب مسلم (^٣).
ومن النادر عدم محافظته للترتيب، فمن ذلك في القسم المخصص لهذه المقارنة حديث أبي قتادة الأنصاري في كراهية صيام الدهر، حيث أورده بعد باب صيام التطوع في السفر، وقبل باب من لم يصم يوم عرفة (^٤)، وأحاديث البابين متصلة عند مسلم (^٥)، وطرقه عنده في "باب استحباب
_________________
(١) = (٢٠٤٩).
(٢) المصدر نفسه -كتاب الزكاة- باب زكاة الطعام (ص ٧٥ - ٧٥) من مصورة رقم (٢٠٤٨).
(٣) بغية الراغب المتمني في ختم النسائي (ص ٤٣).
(٤) مستخرج أبي نعيم، كتاب الصوم، باب كفارة من جامع أهله في رمضان، (ص ١٧٧) من مصورة رقم (٢٠٤٩)، وانظر أيضا حديث ابن عمر في باب في صوم يوم عاشوراء (ص ١٩٦ - ١٩٨)، وحديث أبي سعيد في باب فضل الصيام في سبيل الله، (ص ٢٢٦).
(٥) (ص ١٨٨ - ١٩٢).
(٦) صحيح مسلم (٢/ ٧٩٠ - ٧٩١).
[ مقدمة / ٢٥٥ ]
صيام ثلاثة أيام من كل شهر" (^١)، ويغلب على الظن أن أبا نعيم لم يخالف ترتيب مسلم، وأن موقع الحديث حيث ذكره هو الصحيح، فإن طرق الحديث في نسخة صحيح مسلم المطبوعة ونسخة شرح النووي له، وقعت بين طرق حديث عمران بن حصين في صوم سرر شعبان، وهذا خلاف منهج الإمام مسلم، فإنه يجمع طرق كل حديث على حدة، ولا يدخل طرق الأحاديث بعضها في بعض، ومن ذلك أيضا طرق حديث أبي هريرة في إثم مانع الزكاة (^٢)، ومنه تقديمه لطريق حماد بن زيد، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، في حديث سؤال حمزة الأسلمي رسول الله ﷺ عن الصوم في السفر، على طريق الليث الذي هو المصدر به عند الإمام مسلم (^٣).
الخلاصة
يتبين من هذه الدراسة أن الحافظ أبا عوانة لم يراع ترتيب الأصل الذي استخرج عليه في الغالب، بخلاف الحافظ أبي نعيم رحمهما الله، وأن في بعض الأحيان تكون على أبي عوانة مآخذ في ذلك، وذلك حيث أخل بمقصد من مقاصد الأصل في الترتيب، وفي بعضها يكون تصرفه سائغا بلا مؤاخذة، وأنَّ اختلاف منهجيهما متفرع عن اختلاف مقاصدهما من
_________________
(١) المصدر نفسه (٢/ ٨١٨ - ٨٢٠).
(٢) مستخرج أبي نعيم -كتاب الزكاة- باب في الإثم لمن لم يؤد الحق من أمواله (ص ٧٨ - ٨٠)، من مصورة رقم (٢٠٤٨).
(٣) كتاب الصيام -باب الصوم والإفطار في السفر (ص ١٨٦)، من مصورة رقم (٢٠٤٩).
[ مقدمة / ٢٥٦ ]
التأليف، فالحافظ أبو نعيم قصد مجرد الاستخراج، والحافظ أبو عوانة قصد أمرًا زائدًا، والله أعلم.