وهو أصل مقصود أصحاب المستخرجات كما قال الحافظ ابن حجر (^٣)، وفائدته تكمن في أن طلبه من سنة سلف هذه الأمة، وثانيًا احتمال الخطأ من الإسناد العالي أقل منه من الإسناد النازل، لقلة الوسائط في الأول دون الثاني، ومن أجل تحصيل هذه الفائدة كثرت الكتب المستخرجات على صحيح مسلم، قال الذهبي في ترجمة الإمام مسلم:
"ليس في صحيح مسلم من العوالي إلا ما قل، كالقعني، عن أفلح ابن حميد، ثم حديث حماد بن سلمة، وهمام، ومالك، والليث، وليس في الكتاب حديث عال لشعبة، ولا للثوري، ولا لإسرائيل، وهو كتاب نفيس كامل في معناه، فلما رآه الحفاظ أعجبوا به، ولم يسمعوه لنزوله، فعمدوا إلى
_________________
(١) انظر: فتح المغيث (١/ ٤٦ - ٤٧).
(٢) انظر: مستخرج أبي نعيم بتحقيقه: (١/ ٨٢ - ١٠٠).
(٣) النكت على كتاب ابن الصلاح (١/ ٢٩٣).
[ مقدمة / ٣٤٢ ]
أحاديث الكتاب فساقوها من مروياتهم عاليةً بدرجة وبدرجتين، ونحو ذلك، حتى أتوا على الجميع هكذا، وسموه "المستخرج على صحيح مسلم" (^١).
وأجل أنواع العلو هو القرب من رسول الله ﷺ بإسناد صحيح، وهو المسمى العلو المطلق، فأعلى ما وقع لأبي عوانة من ذلك الأحاديث الرباعيات، وهي التي كانت الواسطة بينه وبين رسول الله ﷺ أربع وسائط، ومن أمثلة هذا النوع:
١ - الحديث رقم: (٣٠٢٥)، قال أبو عوانة: حدثنا علي بن حرب، حدثنا أبو معاوية، عن أبي إسحاق الشيباني، عن ابن أبي أوفى، قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر فقال لرجل: "انزل فاجدح لنا" الحديث.
٢ - الحديث رقم: (٣٠٥٠)، قال أبو عوانة: حدثنا أبو أمية، حدثنا الأنصاري، حدثنا حميد، عن أنس، قال: سافرنا مع رسول الله ﷺ في رمضان، صام قوم وأفطر آخرون، فلم يعب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم.
٣ - الحديث رقم: (٣١٨٧)، قال أبو عوانة: حدثنا أبو عبيد الله، حماد بن الحسن الوراق، حدثنا حماد بن مسعدة، عن يزيد ابن أبي عبيد، عن سلمة بن الأكوع، أنَّ النبي ﷺ أمر رجلًا من أسلم
_________________
(١) سير أعلام النبلاء (١٢/ ٥٦٨ - ٥٦٩).
[ مقدمة / ٣٤٣ ]
يؤذن في الناس يوم عاشوراء: "من كان صائمًا فليتم صومه، ومن أكل فلا يأكل شيئًا، وليتم صومه".
٤ - الحديث رقم: (٣١٨٨): حدثنا إسحاق بن سيار، حدثنا أبو عاصم، عن يزيد، عن سلمة، أن النبي-ﷺ أمر رجلًا ينادي يوم عاشوراء
٥ - الحديث رقم: (٣١٨٩): حدثنا ابن الجنيد، وعباس بن محمد، قالا: حدثنا أبو عاصم بإسناده، أن النبي ﷺ بعث رجلًا يوم عاشوراء ينادي في الناس: "من كان أكل فلا يأكل بقية يومه، ومن كان لم يأكل فليصم بقية يومه"، فأبو عوانة في هذه الأحاديث صار من طبقة التي تلي تبع الأتباع، وهذه الأحاديث هي أيضًا عند الإمام مسلم من الرباعيات، وهي أعلى ما عنده في الصحيح (^١).
وأما أبو نعيم فأعلى ما عنده في القسم الذي تحت هذه الدراسة السداسيات، وعنده جملة منها.
منها جميع طرقه لحديث ابن أبي أوفى المتقدم، ما عدا طريق شعبة (^٢)، وكذلك طرق الحديث الثاني المتقدم، وهو حديث أنس (^٣)، ويمكن أن يكون
_________________
(١) انظر: غنية المحتاج في ختم صحيح مسلم بن الحجاج (ص ٣٩).
(٢) (ص ١٦١ - ١٦٣)، من مصورة رقم: (٢٠٤٩) تحت باب في وقت الإفطار.
(٣) (ص ١٨٤ - ١٨٥) من مصورة رقم: (٢٠٤٩)، تحت باب الصوم والإفطار في السفر.
[ مقدمة / ٣٤٤ ]
له بعض الخماسيات في مواضع أخرى من الكتاب، فهي أعلى ما يمكن له من الأحاديث، وذلك حيث يكون الحديث عند مسلم من الرباعيات، فوافقه أبو نعيم في الإسناد عاليا بدرجتين، فيكون كأنه سمع من مسلم.
وأما عكسه، وهو أنزل ما وقع لهما فلأبي عوانة الحديث رقم: (٣٠٩٥)، وهو من تساعياته؛ ولأبي نعيم الحديث نفسه من طريق أبي بكر الطلحي، حدثنا عبيد بن غنام، نا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا الحسن ابن موسى الأشيب، حدثنا شيبان، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، أن عمر بن عبد العزيز أخبره أن عروة بن الزبير أخبره أن عائشة أم المؤمنين أخبرته أن رسول الله ﷺ كان يقبلها وهو صائم، وهو من عشارياته، على أنه هو فيه عال نسبيًّا، لأنه لو رواه من طريق مسلم لكانت الوسائط إحدى عشرة (^١).
والنوع الثاني هو العلو النسبي، وهو القرب إلى إمام من أئمة الحديث، وهذا أكثر الأنواع وقوعًا في الكتابين، وقد تقدم أن الحافظ الذهبي ذكر أنه ليس في صحيح مسلم حديث عال عن شعبة، ولا عن الثوري، ولا عن إسرائيل، فهؤلاء وأمثالهم يكون حديثهم عند الحافظين عاليًا، يكون عند أبي عوانة عاليًا بدرجة حيث يساوي مسلمًا في عدد الوسائط بينه وبينهم، ويكون عند أبي نعيم عاليًا بدرجتين، كأنه سمع من مسلم، وفيما يلي ذكر بعض أسانيد المخرِّجين العالية إلى هؤلاء الأئمة.
_________________
(١) باب الرخصة في القبلة للصائم: (ص ١٦٩) من مصورة رقم: (٢٠٤٩).
[ مقدمة / ٣٤٥ ]
حميد الطويل:
عند أبي عوانة إسناد واحد يعلو به عنه في قسم هذه الدراسة من كتابي الصوم والركاة، وهو أبو أمية، عن الأنصاري، عنه، وهذا الإسناد فيه مساواة لأبي عوانة مع مسلم، فإن من أسانيده العالية إلى حميد: ابن أبي شيبة، عن لأبي خالد الأحمر، عنه، وأما أبو نعيم فعنده في قسم الدراسة: أبو بكر بن خلاد، عن الحارث بن أبي أسامة، عن عبد الله بن بكر عنه، وفيه علو له بدرجتين، لأنه لو رواه من طريق مسلم، لكانت الوسائط بينه وبين حميد خمسة: أبو أحمد الجلودي، وإبراهيم بن محمد بن سفيان، ومسلم، ثم اثنان بين مسلم وحميد.
الأعمش:
أسانيد أبي عوانة إليه:
١ - علي بن حرب، عن أبي معاوية الضرير عنه.
٢ - علي بن حرب، عن يعلى بن عبيد عنه.
٣ - أبو علي الزعفراني، عن عبيدة بن حميد عنه.
٤ - الحسن بن علي بن عفان، عن عبد الله بن نمير عنه، فبينهما واسطتان مثل ما عند مسلم.
ولأبي نعيم إلى الأعمش في قسم الدراسة أبو بكر الطلحي، عن عبيد ابن غنام، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن وكيع، عنه؛ والطلحي، عن أبي حصين، عن يحيى الحماني، عن أبي معاوية عنه، فيعلو بدرجة عما لو رواه
[ مقدمة / ٣٤٦ ]
من طريق مسلم.
شعبة:
أسانيد أبي عوانة إليه:
١ - يونس بن حبيب، عن أبي داود الطيالسي، عنه.
٢ - محمد بن إسماعيل الصائغ، والصاغاني، وإبراهيم بن مرزوق، كلهم عن روح، عنه.
٣ - الصاغاني، عن أبي النضر، هاشم بن القاسم، عنه.
٤ - الصاغاني، عن يحيى بن أبي بكير، عنه.
٥ - أبو قلابة الرقاشي، عن عبد الصمد بن عبد الوارث، عنه، فساوى مسلمًا في عدد الوسائط إلى شعبة، قد ذكر الحافظ السيوطي أن حديث شعبة لم يقع في الكتب الستة بعلو إلا في كتاب البخاري، وأبي داود، حيث كان بينهما وبينه رجل واحد (^١).
وأما التي للحافظ أبي نعيم إليه، فمنها:
١ - أبو الشيخ الإصفهاني، عن يونس بن حبيب، عن أبي داود الطيالسي عنه.
٢ - فاروق الخطابي، عن أبي مسلم الكشي، عن سليمان ابن حرب، وعمرو بن مرزوق عنه.
_________________
(١) تدريب الراوي (٢/ ١٧٠).
[ مقدمة / ٣٤٧ ]
٣ - فاروق الخطابي، عن أبي مسلم الكشي، عن أبي الوليد الطيالسي عنه.
٤ - أبو بكر بن خلاد، عن الحارث بن أبي أسامة، عن روح عنه.
٥ - حبيب بن يحيى، عن أبي يوسف الفارسي، عن سليمان ابن حرب عنه.
فالوسائط بينهما ثلاثة، ولو روى من طريق مسلم إليه لكانت خمسة: أبو أحمد الجلودي، وإبراهيم بن محمد بن سفيان، ومسلم، ثم اثنان بينه وبين شعبة.
الثوري:
من أسانيد أبي عوانة إليه:
١ - علي بن حرب، عن القاسم بن يزيد الجرمي عنه.
٢ - أحمد بن أبي رجاء، عن وكيع عنه.
٣ - أبو أمية، عن عبيد الله بن موسى عنه.
٤ - الدبري، والسلمي، وعبد الرحمن بن بشر، وأبو الأزهر، كلهم عن عبد الرزاق عنه.
٥ - الحسن بن عفان، عن يحيى بن آدم عنه، فتساوت عدد الوسائط عنده وعند مسلم، ولو رواه من طريقه لزادت بواحدة.
ومما عند أبي نعيم: الطبراني، عن الدبري، عن عبد الرزاق عنه، يعلو
[ مقدمة / ٣٤٨ ]
في هذا الإسناد بدرجتين، كأنه سمع من مسلم، والثاني، أبو الشيح، عن سليمان بن أيوب، عن زهير بن محمد بن قمير المروزي، عن عبد الرزاق عنه، يعلو في هذا الإسناد بدرجة.
ابن جريج:
عند أبي عوانة الأسانيد التالية إليه:
١ - يوسف بن مسلَّم، عن حجاج بن محمد المصيصي الأعور عنه.
٢ - الدبري، والسلمي، وعبد الرحمن بن بشر، وأبو الأزهر، كلهم عن عبد الرزاق عنه.
٣ - الصاغاني، وعباس الدوري، عن روح عنه.
٤ - قربزان، وعبد الرحمن بن بشر، عن يحيى القطان عنه.
فهذه مما ساوى مسلمًا فيها إلى ابن جريج.
وعند أبي نعيم:
١ - الطبراني، عن الدبري، عن عبد الرزاق عنه.
٢ - محمد بن بركة، عن يوسف بن مسلَّم، عن حجاج عنه.
٣ - ابن خلاد، عن الحارث بن أبي أسامة، عن روح عنه.
فهذه مما علا فيها بالنسبة لمسلم بدرجتين.
ابن عيينة:
وقد لقي أبو عوانة عددًا من تلاميذه، منهم علي بن حرب، وأبو علي الزعفراني، وشعيب بن عمرو، ويعقوب بن إسحاق الحضرمي،
[ مقدمة / ٣٤٩ ]
وعمر بن سهل المصيصي، وسعدان بن نصر، وأحمد بن شيبان الرملي، ويونس بن عبد الأعلى، فساوى الإمام مسلمًا في الرواية عن ابن عيينة من طرقهم، وحصلت له الروايات بالبدل عليا بدرجة، وأما أبو نعيم فله إسناد واحد في قسم هذه الدراسة يعلو فيه بالنسبة للرواية عن ابن عيينة بدرجتين، وهو: أحمد بن جعفر بن حمدان بن مالك، عن عبد الله بن شيرويه عنه، والآخر الذي أكثر عنه في المستخرج إلى ابن عيينة، هو أبو علي الصواف، عن بشر بن موسى، عن الحميدي، عن سفيان، يعلو فيه بدرجة.
وهناك أمثلة أخرى، وفيما ذكرته كفاية، وقد لا يحصل لأبي عوانة في بعض رواياته عن بعض الأئمة العلو، مثل مالك، وهشيم، وحماد بن زيد، والليث بن سعد، فإنه ما أدرك أحدًا من أصحابهم، بخلاف الإمام مسلم، الذي أدرك يحيى بن يحيى التميمي، وهو يروي عن مالك، وهشيم، وأدرك أبا الربيع الزهراني، وقتيبة، وهما من تلاميذ حماد بن زيد؛ وقتيبة، ومحمد ابن رمح من تلاميذ الليث، وقد أدركهما مسلم، فكل هؤلاء رواية أبي عوانة من طريقهم ليس فيها علو بالنسبة لما لو رواها من طريق مسلم عنهم، فلا يحصل له بالاستخراج لحديثهم فائدة العلو، وعنده عدد من هذا القبيل، وأما الحافظ أبو نعيم فلم أقف له على طريق خرَّجها لا يحصل له فيها علو بالنسبة لروايته لها من طريق مسلم على الأقل بدرجة، ومن ثم كانت فائدة العلو بالاستخراج أكثر عنده منها عند الحافظ أبي عوانة، والله أعلم.
والنوع الثالث هو العلو المعنوي: وهو الذي يرجع إلى صفة الراوي
[ مقدمة / ٣٥٠ ]
التي تعتبر عند الترجيح، كأن يكون أفقه، أو أحفظ، أو أتقن، أو أضبط، أو أكثر مجالسة للمروي عنه، أو أقدم سماعًا من غيره، أو وفاة (^١)، وفائدة هذا النوع في الاستخراج أنه يعطي الأصل خصلة من خصال الترجيح المعتبرة عند التعارض، واقتصرت في قسم التحقيق من كتابي الصوم والزكاة على ما يرجع إلى الأوصاف الأولى، دون ما يتعلق بقدم السماع، أو الوفاة، فإن الأول يفقد الأهمية في غير الشيوخ المختلطين، وسيأتي الكلام عليهم، والثاني تركته مخافة الطول ثم إنه قد نازع فيه بعض الحفاظ (^٢).
وصورته أن يروي صاحب الأصل حديث إمام من أئمة الحديث ممن يجمع حديثه، عن بعض تلاميذه، فيأتي المستخرج فيخرج الحديث من طريق من وصف بكونه أثبت أو أضبط، أو أحفظ تلاميذ ذلك الإمام، فيحصل له بذلك العلو المعنوي، فمما وقع عند الحافظين من هذا النوع روايتهما أحاديث ابن عيينة من طريق الحميدي، فإنه وصف بكونه أثبت الناس في ابن عيينة، وأنه رئيس أصحابه، وكان البخاري إذا وجد الحديث عنده لا يعدوه إلى غيره (^٣)، وكذلك أحاديث ابن جريج من طريق حجاج بن محمد المصيصي الأعور، وكان أثبت الناس فيه (^٤)، وكذلك أصبغ بن الفرج، عن
_________________
(١) فتح المغيث (٣/ ٣٥٣ - ٣٥٤).
(٢) انظر: فتح المغيث (٣/ ٣٥٦ - ٣٥٧).
(٣) انظر: الجرح والتعديل (٥/ ٥٧)، تهذيب التهذيب (٥/ ٢١٥ - ٢١٦).
(٤) انظر: شرح علل الترمذي (٢/ ٦٨٢).
[ مقدمة / ٣٥١ ]
ابن وهب، قال ابن أبي حاتم: كان أجل أصحاب ابن وهب (^١)، وكذلك أيوب السختياني، في ابن سيرين (^٢).
ومنه أن يكون الحديث عند المستخرج من طريق من وصف بكونه مقدم على من عند صاحب الأصل في شيخهما، مثل ما قدم حبيب بن شهيد في ابن سيرين على هشام بن حسان (^٣)، وهذا كثير يميزه طبقات الرواة عن الأئمة.