توضيح هذا هو أن يكون الحديث معللا بعلة قادحة، ولم تبين هذه العلة في الأصل، فيبين المستخرج العلة ويكشفها (^١)، وقد وقع مثال لذلك عند أبي عوانة في حديث عبد الله بن أنيس في أن ليلة القدر ليلة ثلاث وعشرين والذي رواه مسلم من رواية الضحاك بن عثمان (^٢)، والحديث فيه علة، وهي أن الضحاك حمل من حديث عبد الله بن أنيس الذي ليس فيه ذكر نزول المطر في تلك الليلة، ولا السجود بين الماء والطين، على لفظ حديث أبي سعيد الخدري الذي فيه ذكر هذه الأمور، فأورد أبو عوانة طريق الضحاك، ثم أورد الحديث من وجه آخر سالما من هذه العلة وحصل بذلك بيان ما في الرواية الأولى من العلة، والله أعلم (^٣).
وهناك فوائد أخرى ذكرت ووقعت في قسم التحقيق عند الحافظين أو أحدهما، ولم نذكرها إما لكونها خارجة عن موضوع الاستخراج، وإن كانت في حد ذاتها فائدة، كتفسير الغريب الذي يكون من المستخرِج، وهو مما يكثر عند الحافظ أبي نعيم، بخلاف ما لو كان التفسير من الرواية، فإنه حينئذ فائدة للاستخراج يلزم ذكرها.
_________________
(١) انظر: مختصر الأحكام (١/ ٦٩).
(٢) صحيح مسلم -كتاب الصيام -باب فضل ليلة القدر والحث على طلبها (٢/ ٨٢٧).
(٣) انظر الحديث رقم: (٣٣١٨ - ٣٣٢٠).
[ مقدمة / ٣٨٠ ]
ومثل فائدة تراجم الأبواب التي هي غزيرة عند الحافظ أبي عوانة، فإنها لا علاقة لها بموضوع الاستخراج وإن كانت في حد ذاتها أيضًا فائدة.
وإما لعدم ثبوتها فائدة للاستخراج، كالحكم بعدالة من أخرج له في المستخرجات، فهذه ذكرها الحافظ ابن حجر (^١)، وفيها نظر لأمرين:
الأول: أن الحافظ ﵀ رد على ابن الصلاح حكمه بصحة الزيادات التي عند المستخرجين، بأن ذلك متوقف على النظر في حالة من جاء عند المستخرج بعد موضع الالتقاء، ولو استفيد من مجرد إخراج المستخرج لحديثهم الحكم بتوثيقهم لم يحصل ذلك التوقف.
الثاني: وجود ما يناقضه في الكتب المستخرجات، من الرواية عن جماعة من الضعفاء، بل حتى المتركين، كما سيأتي قريبًا إن شاء الله، وقد ذكر ذلك الحافظ كله، والله أعلم (^٢)، وقد رد السخاوي على من اشترط في الاستخراج ثقة الرواة، وقال: شذ بعضهم حيث جعله شرطا (^٣).
وعلى العكس من ذلك هناك فوائد أخرى مهمة لم يوجد لها ذكر في الكتابين مع وجود المقتضي لها، فمن ذلك فائدة فصل الكلام المدرج الذي قد يقع في الأصل فيأتي بيانه في المستخرجات، كحديث أبي هريرة: كان رسول الله ﷺ يرغب في قيام رمضان من غير أن يأمرهم فيه بعزيمة، فيقول:
_________________
(١) النكت على كتاب ابن الصلاح (١/ ٣٢١ - ٣٢٢).
(٢) المصدر نفسه (١/ ٢٩٣).
(٣) فتح المغيث (١/ ٤٤).
[ مقدمة / ٣٨١ ]
"من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه"، فتوفي رسول الله ﷺ والأمر على ذلك، ثم كان الأمر على ذلك في خلافة أبي بكر، وصدر من خلافة عمر على ذلك، اهـ (^١)، فالجملة الأخيرة مدرجة من قول الزهريّ عند معمر، بينت ذلك رواية مالك، فلم يورد كلا المخرجين ما يبين هذا الإدراج فرويا الحديث من طريق معمر، أو من طريق مالك التي لا توجد فيها بيان الإدراج، وهذا بخلاف صنيع البخاري حيث روى الحديث بما يبين الإدراج (^٢)، وهذا من المآخذ عليهما في هذا الباب.
الخلاصة في فوائد الاستخراج في الكتابين:
١ - أهمية هذه الفوائد المذكورة كما اتضح من الأمثلة في الكتابين.
٢ - فائدة العلو في الاستخراج أكثر عند أبي نعيم منها عند أبي عوانة.
٣ - زيادة الطرق عند أبي نعيم أكثر منها عند أبي عوانة، إلا أن أبا عوانة يمتاز بكون أَكثر الطرق التي زادها كان موضع الالتقاء بينه وبين الإِمام مسلم فيها أبعد مما عند أبي نعيم، وتضمن هذا فائدة أكثر مما عند أبي نعيم، فأوصل أحاديث إلى حد الاستفاضة من أصل أسانيدها، ورفع
_________________
(١) صحيح مسلم -كتاب صلاة المسافرين وقصرها -باب الترغيب في قيام رمضان (١/ ٥٢٣).
(٢) انظر تفصيل الكلام تحت الحديث رقم: (٣٢٦٦).
[ مقدمة / ٣٨٢ ]
التفرد في مواضع لم يصل إليها أبو نعيم، وأتى بمتابعات للمتكلم فيهم في مثل تلك المواضع.
٤ - بيان لفظ المتن المحال به عند أبي عوانة أكثر منه عند أبي نعيم، والسبب في ذلك اختلاف منهجيهما في سياقة الأحاديث وطرقها، حيث إن أبا عوانة يسلك طريقة إيراد كل طريق بإسنادها ومتنها كثيرًا، بخلاف أبي نعيم حيث يكثر من جمع الطرق وإيراد المتن بلفظ أحدها، كما تقدم تقريره.
٥ - يمتاز منهج أبي عوانة في زيادات الألفاظ بكونه يوحي بما يميز ما إذا كانت الزيادة من قبل زيادات الثقات فتقبل، أو من قبيل المنكر فترد.
٦ - يؤخذ عليهما عدم مجيئهما بفائدة الاستخراج حيث احتيج إليها كالمواضع التي احتيج فيها لفصل الكلام المدرج.
واستطردت في هذا المبحث بذكر أحاديث المتكلم فيهم، والمدلسين، والمختلطين في صحيح مسلم، في قسم التحقيق الموافق لهذه المقارنة، فتبين أولًا أيضا قليلة جدًّا؟ وثانيًا أن أكثرها يوجد في الصحيح ما تزول به علتها، وبعض منها يوجد في المستخرجيْن، وسائرها يوجود خارجهما، فوقفت بذلك على صحة ما عليه أئمة هذا الفن من أن صاحبي الصحيحين قد انتقيا أحاديثهما، وأن تحسين الظن كما في تلك مواضع له مستند من التحقيق.
[ مقدمة / ٣٨٣ ]