موضوع الاستخراج يقتضي بالأصالة زيادة الطرق على ما عند صاحب الأصل، وذلك أن المستخرج كلما روى طريقًا التقى مع صاحب الأصل فيمن فوقه ولو بدرجة، فقد ضم شخصًا آخر، فأكثر مع الذي روى مصنف الأصل عنه (^٤)، وأهمية هذه الفائدة من وجهين:
الأول: أنها تفيد في الترجيح عند المعارضة.
الثاني: أن بها يحصل تقوية للضعيف، ومن ينحط حديثه عن درجة الصحيح لذاته، وتزيد أهمية هذه الفائدة كلما بعد موضع الالتقاء من رأس الإسناد كما سبق تقريره في مطلب تحقيق شرط الاستخراج.
_________________
(١) الجرح والتعديل (٢/ ٣٢١).
(٢) شرح علل الترمذي (٢/ ٦٨٩).
(٣) انظر: تهذيب التهذيب (٢/ ١٨٦).
(٤) تدريب الراوي (١/ ١١٥ - ١١٦).
[ مقدمة / ٣٥٢ ]
وفي الجملة الحافظ أبو نعيم أكثر زيادة للطرق من الحافظ أبي عوانة، إلا أنهما اختلفا في كثرة تلك الزيادة بالنسبة لطبقة موضع الالتقاء مع الإمام مسلم منه، كما يتضح من الجدول (^١):
الطرق عند أبي عوانة … الطرق عند أبي نعيم … طبقة موضع الإلتقاء من الإمام مسلم
٧ … ١٣٠ … ١
٢٠٩ … ٢٧٩ … ٢
٢٣٧ … ١٨٥ … ٣
٧٨ … ١٢ … ٤
٩ … ١ … ٥
١ … ١ … ٦
٥٤١ … ٦٠٨ … المجموع
فظهر من هذا الجدول أن أكثر الطرق التي زادها أبو عوانة، وهي قريب من نصف ما عنده؛ كان موضع الالتقاء مع الإمام مسلم بثلاث طبقات منه، أي في شيخ شيخ شيخه، وهي طبقة أمثال شعبة، وابن جريج، والأوزاعي، ويحيى بن أبي كثير أحيانًا، على حين كان أكثر ذلك عند أبي نعيم، وهو قريب من النصف أيضًا، بطبقتين أي في شيخ شيخه، وهي
_________________
(١) هذه الإحصائية نتيجةُ دراسةِ هذه المقارنة من حديث رقم: (٣٠٠٩ - ٣٤٠٧) من كتابي الصوم والزكاة.
[ مقدمة / ٣٥٣ ]
طبقة أمثال عبد الرزاق، وابن عيينة، ومالك، وأيضًا قد زاد أبو عوانة في الطبقة الثانية أكثر مما زاد أبو نعيم في الطبقة الثالثة، ونسبة ما زاد أبو عوانة في الطبقة الأولى، وهي طبقة شيوخ مسلم، ٥ % مما زاد أبو نعيم في هذه الطبقة.
وفائدة هذا الإحصاء هي الوقوف على ما سبق تقريره من أن الغالب في الاستخراج عند أبي عوانة أن يتأخر عنده موضع الالتقاء، وأن زيادة الطرق ثَم أكثر فائدة مما لو كانت قريبة من طرفه الذي فيه مصنف الأصل، وقد يصل في ذلك إلى طبقة التابعين، كما نص السيوطي على ذلك (^١)، ومن أمثلة ذلك زياداته لطرق حديث أبي سعيد الخدري: "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة"، من غير طريق يحيى بن عمارة الذي اشتهر برواية الحديث عن أبي سعيد (^٢)، فمثل هذا يجعل الحديث مشهورًا من طبقة التابعين، وهو مما يفيد في الترجيح، وكذلك استخراجه لحديث عائشة، أن معاذة العدوية سألتها: أكان رسول الله ﷺ يصوم ثلاثة أيام من كل شهر، الحديث، ففيه رفع التفرد عن عبد الوارث بن سعيد، حيث تابعه شعبة عند أبي عوانة، فكان موضع الالتقاء بثلاث طبقات من الإمام مسلم، بخلافه عند أبي نعيم الذي كان الموضع عنده بطبقتين (^٣)، والله أعلم.
_________________
(١) انظر: تدريب الراوي (١/ ١١٦).
(٢) انظر من حديث رقم (٣٣٥٣ إلى ٣٣٥٧).
(٣) الحديث رقم: (٣١٧٤)، ومستخرج أبي نعيم (ص ٢٣٩)، من مصورة رقم: (٢٠٥٠).
[ مقدمة / ٣٥٤ ]
وأما ما يحصل بهذه الفائدة من تقوية الرواة المتكلم فيهم، فليس في القسم المخصص لهذه المقارنة منه إلا في مواضع يسيرة جدًّا، وذلك أن أغلب الرواة المتكلم فيهم مما يتجاذب فيهم أقوال الحفاظ، بين التوثيق والتليين، ويغلب على ظن الباحث أن حديثهم لا ينحط عن أدنى حد الاحتجاج، ثم الغالب فيهم أن يكون الإمام مسلمًا أوردهم في موضع الاستشهاد، أو ذكر لهم متابعًا ممن هو مثلهم أو فوقهم، فبالتتبع المستعجل في هذا القسم اجتمع عندي واحد وعشرون موضعًا فيه راو متكلم فيه عند الإمام مسلم، وفي تلك المواضع إما أن يكون أورده في موضع الاستشهاد، أو المتابعة، ما عدا ستة مواضع، في اثنين منها توبع الراوي عند أبي عوانة، وفيما يلي تفصيلها:
معاوية بن صالح الحضرمي، أبو عبد الرحمن الحمصي (^١)، روى عن ربيعة بن يزيد، عن قزعة، عن أبي سعيد الخدري، في الصوم في السفر، وقد تكلم في حديثه عن أهل الشام، وهذا منه، توبع متابعة قاصرة عند أبي عوانة (^٢).
عبد العزيز بن محمد الدراوردي، تكلم فيه من قبل حفظه، وقال الذهبي: لا ينحط حديثه عن درجة الحسن (^٣)، روى مسلم من طريقه
_________________
(١) انظر ترجمته تحت الحديث رقم: (٣٠٣٩).
(٢) الحديث رقم: (٣٠٤٠).
(٣) انظر ترجمته تحت الحديث رقم: (٣١١٠).
[ مقدمة / ٣٥٥ ]
حديث عائشة في قضاء أمهات المؤمنين صوم رمضان في شعبان، والحديث في موضع الاستشهاد عنده، إلا أن عنده زيادة تفرد بها عند مسلم، وأبي نعيم: وهي قول عائشة: فما تقدر أن تقضيه مع رسول الله ﷺ حتى يأتي شعبان، وتابعه يحيى بن أيوب الغافقي، ونافع بن يزيد عند أبي عوانة على أصل الحديث وذكر الزيادة (^١).
طلحة بن يحيى التيمي المدني، روى حديث إفطاره ﷺ في صوم التطوع، عن عمته عائشة بنت طلحة، عن عائشة أم المؤمنين، وقد انفرد به، لكن له شواهد خارج الصحيح، والمستخرجين، ذُكرت في قسم التحقيق (^٢).
الضحاك بن عثمان الحزامي المدني، روى حديث عبد الله بن أنيس في ليلة القدر ليلة ثلاث وعشرين، خالف في لفظ الحديث من هو أولى منه ثقة كثرة، فأورد أبو عوانة طريقًا آخر توضح أن الحديث معلول (^٣).
يزيد بن كيسان: روى عن أبي حازم، عن أبي هريرة حديث ليلة القدر وعلامتها، توبع خارج الصحيح والمستخرجين، كما ذكرت في التحقيق (^٤).
مخرمة بن بكير: تكلم في سماعه من أبيه، وعيب على مسلم إخراج حديثه عن أبيه، روى عن أبيه، عن عراك، عن أبي هريرة حديث: ليس في
_________________
(١) انظر حديث رقم: (٣١١١، ٣١١٢).
(٢) انظر الحديث رقم: (٣٠٦٢).
(٣) انظر الحديث رقم: (٣٣١٨ - ٣٣٢٠).
(٤) انظر الحديث رقم: (٣٣٢٣، ٣٣٢٤).
[ مقدمة / ٣٥٦ ]
العبد صدقة إلا صدقة الفطر، الجزء الأول من الحديث في موضع الاستشهاد، والزيادة يشهد لها أحاديث أخرى كما بينت في التحقيق.
فهذه جملة ما وقفت عليه، وليس عند أبي نعيم شيء من هذه المتابعات، ولو حصل له أن نزل في موضع الالتقاء كما فعل أبو عوانة في الأحاديث التي توبع فيها الراوي عند مسلم، لأتى هو أيضًا بمثل ما أتى به أبو عوانة، والله أعلم.
والكلام في الغالب في هؤلاء الرواة لا يحط حديثهم عن مرتبة الحسن، وكذا يتبين أن الإمام مسلم قد انتقى في الرواة وفي أحاديثهم.