ورد في الصحيحين أحاديث قوم وصفوا بالتدليس، وجعلوا في منزلة من لا يقبل ما رواه بالعنعنة حتى يرد تصريحه بالسماع في طريق من الطرق، وقد ذهب الحفاظ في عنعنة المدلسين في الصحيحين أو أحدهما إلى ثلاثة مذاهب:
قبولها مطلقًا، تحسينًا للظن بصاحبي الصحيحين، بأنهما قد وقفا على التصريح بالسماع من جهة أخرى.
التوقف بناءً على أن بعض الأئمة يعللون أحاديث فيهما أو في أحدهما بتدليس رواتها.
التفصيل بين ما كان من تلك العنعنة في الأصول ووردت مورد الاحتجاج بها، وبين ما كان منها في المتابعات فيحتمل على أن يكون
[ مقدمة / ٣٥٨ ]
حصل التسامح في تخريجها (^١).
ويترجح القول الثالث بأن إخراجهما لتلك الأحاديث للاحتجاج يقتضي زوال علة التدليس عندهما، لأنه من شرط الصحة، وقد اشترطاها في كتابيهما، ونظير هذا قول ابن حبان في مقدمة صحيحه: "فإذا صح عندي خبر من رواية مدلس أنه بين السماع فيه، لا أبالي أن أذكره من غير بيان السماع في خبره بعد صحته عندي من طريق آخر" (^٢)، والفرق بين الصنيعين أن ابن حبان ذكر ذلك تنصيصًا وهو عند صاحبي الصحيحين مذكور ضمنًا في شرطهما، فمقتضى هذا التقرير قبول عنعنة المدلسين فيهما، لأن تلك العنعنة إما أن تكون في الأصول، فهي محمولة على ثبوت السماع تحقيقا لشرط الصحة، وإما أن تكون في المتابعات فتنجبر علة التدليس برواية الحديث من أوجه أخرى، إلا أن هذا الحمل ليس كالوقوف على التصريح بالسماع في تلك المواضع، لأنه ليس الخبر كالمعاينة، ومن هنا تدرك أهمية هذه الفائدة من الكتب المستخرجات.
ثم المدلسون في الصحيحين على مراتب، فمنهم من لم يوصف بذلك إلا نادرًا، وإطلاق التدليس عليهم فيه تجوز، ومنهم من قل تدليسه في
_________________
(١) انظر: السنن الأبين (ص ١٤٣ - ١٤٤)، النكت على كتاب ابن الصلاح (٢/ ٦٣٥ - ٦٣٦).
(٢) الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان (١/ ١٦٢).
[ مقدمة / ٣٥٩ ]
جنب ما روى، أو كان لا يدلس إلا عن ثقة فقبل الأئمة تدليسه، ومنهم من أكثروا من التدليس وعرفوا به فلم يقبل منهم إلا ما صرحوا فيه بالسماع، وقد جمعهم الحافظ ابن حجر مرتبين على هذه الطبقات الثلاث (^١)، فتتبعت عنعنتهم في القسم الموافق لهذه المقارنة عند الإمام مسلم، واقتصرت على من ذكرهم الحافظ في المرتبة الثالثة في النكت فبلغت ثمانية وعشرين موضعًا، ولم أذكر منهم ابن شهاب الزهري، لأن الحافظ العلائي ذكر أن الأئمة قبلوا عنعنته (^٢)، وفي بعض تلك المواضع ورد التصريح بالسماع عند المستخرجين أو أحدهما، أو في موضع آخر إما عند صاحب الأصل أو عند غيره، أو كان ذلك في المتابعات، أو كان من رواية بعض النقاد ممن يميز ما دلسه مما سمعه، فذكرتها كلها إتمامًا للفائدة.
- فمنهم الأعمش، سليمان بن مهران الأسدي الإمام، له عشرة مواضع، وهي:
حديث عائشة في تعجيل الفطر والصلاة (^٣)، لم يصرح بالسماع في شيء من الطرق التي وقفت عليها، لكن من الرواة عنه حفص بن غياث
_________________
(١) النكت على كتاب ابن الصلاح (٢/ ٦٣٦ - ٦٤٤).
(٢) جامع التحصيل (ص ١٠٩).
(٣) صحيح مسلم، كتاب الصيام، باب فضل السحور، وتأكيد استحبابه واستحباب تأخيره، وتعجيل الفطر (٢/ ٧٧٢).
[ مقدمة / ٣٦٠ ]
عند الدارقطني في العلل، وقد ذكر الحافظ ابن طاهر، والحافظ ابن حجر بعده، أنه كان يميز بين ما دلسه الأعمش مما صرح فيه بالسماع، ومن أجل ذلك اعتمده البخاري في كثير من رواياته عن الأعمش، كما وضحت ذلك في التحقيق (^١).
حديث أبي هريرة في النهي عن الوصال في الصوم (^٢)، الحديث من روايته عن أبي صالح، وهو من شيوخه الذين أكثر عنهم، وعنعنته عنه محمولة على السماع (^٣).
حديث عائشة في القُبلة والمباشرة في الصوم، له موضعان فيه، الأول عن إبراهيم، عن الأسود وعلقمة عنها، والثاني، عن مسلم عن مسروق عنها، وفي كلا الموضعين ورد الحديث في المتابعات، فتابعه ابن عون عن إبراهيم، عن الأسود مسروق، وتابعه منصور عن إبراهيم عن علقمة، كلاهما عند الإمام مسلم (^٤).
حديث حفصة في القبلة للصائم أيضًا، رواه عن مسلم، عن شتير ابن شكل عنها، تابعه منصور عن مسلم، عند الإمام مسلم أيضًا (^٥).
_________________
(١) انظر الحديث رقم: (٣٠١٠).
(٢) صحيح مسلم، كتاب الصيام، باب النهي عن الوصال في الصوم (٢/ ٧٧٤).
(٣) انظر الحديث رقم: (٣٠١٦).
(٤) صحيح مسلم، -كتاب الصيام- باب بيان أن القبلة للصائم ليست محرمة إلخ، (٢/ ٧٧٧ - ٧٧٨).
(٥) المصدر السابق (٢/ ٧٧٩).
[ مقدمة / ٣٦١ ]
حديث ابن عباس فيمن ماتت أمه وعليها صوم، صرح بالتحديث عند أبي داود الطيالسي في المسند (^١).
حديث أبي هريرة في النهي عن صوم يوم الجمعة منفردًا، شيخه فيه أبو صالح، ومن الرواة عنه عند مسلم حفص بن غياث (^٢).
حديث ابن مسعود في صيام عاشوراء، تابعه زبيد عند مسلم (^٣).
حديث عائشة: ما رأيت رسول الله ﷺ صام في العشر قط، من الرواة عنه حفص بن غياث، عند النسائي في الكبرى وغيره (^٤).
حديث جابر بن عبد الله: "إذا قضى أحدكم الصلاة في المسجد، فليجعل لبيته نصيبًا من صلاته، فإن الله جاعل في بيته ذلك خيرًا" (^٥)، والحديث في موضع الاستشهاد عند مسلم، ثم هو من الأحاديث التي أخرجها ابن حبان بالعنعنة، وقد شرط على نفسه، ألا يخرج معنعَن المدلس إلا ما ثبت عنده من وجه آخر مصرحًا بالسماع (^٦).
_________________
(١) انظر الحديث رقم: (١١٨).
(٢) كتاب الصيام -باب كراهية صيام يوم الجمعة منفردًا (٢/ ٨٠١).
(٣) كتاب الصيام -باب صوم يوم عاشوراء (٢/ ٧٩٤).
(٤) انظر الحديث رقم: (٣٢٣١).
(٥) كتاب صلاة المسافرين وقصرها -باب استحباب صلاة النافلة في بيته، وجوازها في المسجد (١/ ٥٣٩).
(٦) انظر الحديث رقم: (٣٢٨٢).
[ مقدمة / ٣٦٢ ]
حديث أبي ذر في باب تغليظ عقوبة من لا يؤدي الزكاة (^١)، من الرواة عنه حفص بن غياث، ومن طريقه أخرجه البخاري مقتصرًا عليه (^٢).
- ومنهم حميد بن أبي حميد الطويل، وله موضعان:
حديث أنس في النهي عن الوصال (^٣)، تابعه سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس عند مسلم (^٤).
حديث أنس في الصوم في السفر (^٥)، صرح بالتحديث في طريق آخر عند مسلم.
- ومنهم هشيم بن بشير السلمي، له موضعان:
حديث عبد الله أبي أوفى في بيان وقت انقضاء الصوم (^٦)، صرح بالتحديث عند أبي نعيم في المستخرج (^٧).
_________________
(١) (٢/ ٦٨٦).
(٢) انظر الحديث رقم: (٣٣٧٣).
(٣) صحيح مسلم -كتاب الصيام- باب النهي عن الوصال في الصوم (٢/ ٧٧٥ - ٧٧٦).
(٤) انظر الحديث رقم: (٣٠٢٤).
(٥) صحيح مسلم -كتاب الصيام- باب جواز الصوم والفطر في شهر رمضان، (٢/ ٧٨٧ - ٧٨٨).
(٦) صحيح مسلم -كتاب الصيام- باب بيان وقت انقضاء الصوم وخروج النهار (٢/ ٧٧٢).
(٧) كتاب الصيام -باب في وقت الإفطار (ص ١٦١)، من مصورة رقم: (٢٠٤٩).
[ مقدمة / ٣٦٣ ]
حديث ابن عباس في صوم يوم عاشوراء (^١)، صرح بالخبر عند أبي عوانة وأبي نعيم في مستخرجيهما (^٢).
- ومنهم الوليد بن مسلم القرشي مولاهم، أبو العباس الدمشقي، له موضع واحد، وهو:
حديث أبي الدرداء في الصوم في السفر (^٣)، صرح بالخبر عند أبي عوانة (^٤).
- ومنهم عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأموي مولاهم المكي، له موضع واحد:
حديث أبي سعيد الخدري في فضل الصيام في سبيل الله (^٥)، صرح بالخبر عند أبي عوانة (^٦).
- ومنهم قتادة بن دعامة السدوسي، وله موضع واحد:
حديث أبي سعيد الخدري: غزونا مع رسول الله ﷺ لست عشرة
_________________
(١) صحيح مسلم -كتاب الصيام- باب صوم يوم عاشوراء (٢/ ٧٩٥).
(٢) انظر الحديث رقم: (٣١٨٠) مستخرج أبي نعيم -باب في فضل صيام يوم عاشوراء (٢/ ٢٠٢).
(٣) صحيح مسلم -كتاب الصيام- باب التخيير في الصوم والفطر في السفر (٢/ ٧٩٠).
(٤) انظر الحديث رقم: (٣٠٣١).
(٥) صحيح مسلم -كتاب الصيام- باب فضل الصيام في سبيل الله (٢/ ٨٠٨).
(٦) الحديث رقم: (٣٠٣٦).
[ مقدمة / ٣٦٤ ]
مضت في رمضان، الحديث (^١)، ومن الرواة عنه شعبة عند الثلاثة (^٢)، وقد قال: كفيتكم تدليس ثلاثة، الأعمش، وأبي إسحاق، وقتادة (^٣).
- ومنهم يحيى بن أبي كثير الطائي، وله موضعان:
حديث عائشة في القبلة للصائم (^٤)، الحديث في المتابعات عند مسلم وقد صرح بالتحديث في مسند عمر بن عبد العزيز كما أشير إليه في التحقيق (^٥).
حديث أبي سعيد الخدري في قيام ليلة القدر (^٦)، صرح بالتحديث عند أبي عوانة (^٧).
- ومنهم عبد الملك بن عمير، وله موضعان:
حديث أبي سعيد الخدري في النهي عن صوم يوم الفطر ويوم
_________________
(١) صحيح مسلم -كتاب الصيام- باب جواز الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر (٢/ ٧٨٧).
(٢) الحديث رقم: (٣٠٤٦)، مستخرج أبي نعيم -كتاب الصيام- باب الصوم والإفطار في السفر (ص ١٨٢)، من مصورة رقم: (٢٠٤٩).
(٣) تعريف أهل التقديس (ص ١٥١).
(٤) صحيح مسلم -كتاب الصيام- باب بيان أن القبلة للصائم ليست محرمة إلخ (٢/ ٧٧٨).
(٥) الحديث رقم: (٣٠٩٣).
(٦) صحيح مسلم -كتاب الصيام- باب فضل ليلة القدر والحث على طلبها (٢/ ٨٢٦).
(٧) الحديث رقم: (٣٢٨٨).
[ مقدمة / ٣٦٥ ]
الأضحى (^١)، صرح بالتحديث عند مسلم في موضع آخر، وعند أبي عوانة (^٢).
حديث أبي هريرة: أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله الحرام (^٣)، الحديث من طريقه في المتابعات.
- ومنهم أبو الزبير محمد بن مسلم بن تدرس المكي، له موضعان:
حديث كعب بن مالك: "أيام التشريق أيام أكل وشرب" (^٤)، الحديث في موضع الاستشهاد عند مسلم.
حديث جابر بن عبد الله: "ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة" الحديث (^٥)، وهو في موضع الاستشهاد عند مسلم.
- ومنهم هشام بن حسان القردوسي، له موضع واحد، وهو:
حديث أبي هريرة: "من نسي وهو صائم فأكل أو شرب، فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه" (^٦)، وهو مقرون عند أبي عوانة بغيره في
_________________
(١) صحيح مسلم -كتاب الصيام- باب النهي عن صوم يوم الفطر ويوم الأضحى (٢/ ٧٩٩).
(٢) انظر الحديث رقم: (٣١٣٥).
(٣) صحيح مسلم -كتاب الصيام- باب فضل صوم المحرم (٢/ ٨٣١).
(٤) صحيح مسلم -كتاب الصيام- باب تحريم صوم أيام التشريق (٢/ ٨٠٠).
(٥) صحيح مسلم -كتاب الزكاة- (٢/ ٦٧٥).
(٦) صحيح مسلم -كتاب الصيام- باب أكل الصائم وشربه وجماعة لا يفطر =
[ مقدمة / ٣٦٦ ]
الإسناد (^١).
- ومنهم أبو سفيان، طلحة بن نافع، له موضع واحد، وهو ما سبق ذكره في أحديث الأعمش برقم: (٣٠٠٩)، والكلام فيه مثل ما تقدم هناك.
- ومنهم مروان بن معاوية الفزاري، وله موضعان:
حديث أبي سعيد الخدري، وجابر: سافرنا مع رسول الله ﷺ فيصوم الصائم ويفطر المفطر، فلا يعيب بعضهم على بعض (^٢)، الحديث في موضع الاستشهاد عند مسلم، إلا ما ذكر من زيادة ذكر جابر في الإسناد، وقد توبع على ذلك عند أبي عوانة، وأبي نعيم (^٣).
حديث أبي هريرة: تذاكرنا ليلة القدر عند رسول الله ﷺ الحديث (^٤)، وقد صرح بالتحديث عند أبي عوانة وأبي نعيم (^٥).
_________________
(١) = (٢/ ٨٠٩).
(٢) الحديث رقم: (٣٠٥٩ و٣٠٦٠).
(٣) صحيح مسلم -كتاب الصيام- باب جواز الصوم والفطر في رمضان للمسافر (٢/ ٧٨٧).
(٤) الحديث رقم: (٣٠٤٤)، و(٣٠٤٥)، مستخرج أبي نعيم -كتاب الصيام- باب الصوم والإفطار في السفر (ص ١٨٤)، من مصورة رقم: (٢٠٤٩).
(٥) صحيح مسلم -كتاب الصيام- باب فضل ليلة القدر والحث على طلبها (٢/ ٨٢٩).
(٦) الحديث رقم: (٣٢٣)، مستخرج أبي نعيم -كتاب الصيام- باب علامة ليلة القدر، (ص ٢٥٢)، من مصورة رقم: (٢٠٥٠).
[ مقدمة / ٣٦٧ ]
- ومنهم محمد بن إسحاق بن يسار، وله موضع واحد، وهو:
حديث عائشة في اعتكاف النبي ﷺ وأزواجه (^١)، وقد صرح بالخبر عند أبي نعيم (^٢).
فهذه جملة ما وقفت عليه، والتي كان زوال علة التدليس فيها من المستخرجين أو أحدهما تسعة مواضع، اشتركا في بيان التصريح بالسماع في موضعين، وفي الإتيان بالمتابعات في موضع واحد، وانفرد أبو عونة ببيان بالسماع في ثلاثة مواضع، وبذكر المتابعات في موضع واحد، وانفرد أبو نعيم ببيان السماع في موضعين، وكان زاولها في بقية المواضع بأمور أخرى خارج المستخرجين، تقدم ذكرها مفصلًا، والعلم عند الله.