ولا تكون هناك فائدة إلا حيث كانت رواية صاحب الأصل عمن عمن المختلط بعد الاختلاط، أو لم يتميز سماعه هل هو قبل الاختلاط أو بعده، فإن جاءت الرواية عند المستخرج عمن سمع قبل الاختلاط زال ما كنا نتوقف فيه من وجود علة الاختلاط، فكانت هناك هذه الفائدة في
_________________
(١) صحيح مسلم -كتاب الاعتكاف- باب متى يدخل من أراد الاعتكاف في معتكفه (٢/ ٨٣١).
(٢) ص ٢٥٥ من مصورة رقم ٢٠٤٩.
[ مقدمة / ٣٦٨ ]
الاستخراج، وأما لو كان الحديث في المتابعات ووافق المختلط الثقات ولم ينفرد، وكان الراوي ممن لم يتبين أمره، فليس ثم هذه الفائدة.
والحال في رواية المختلطين في الصحيحين كالحال في رواية المدلسين سواء بسواء، فليس احتمال أن يكون السماع عند الراوي في الصحيحين قبل الاختلاط كالوقوف على اليقين (^١)، على أن هناك فرقًا بين الأمرين، وذلك أننا في حالة التدليس، إذا وقفنا على التصريح بالسماع عند المخرج، حكمنا بأن الراوي لم يدلس، وليس كذلك في حالة الاختلاط، فإن ثبوت الحديث عند المخرج من رواية من سمع قبل الاختلاط لا يقتضي سماع الراوي عند صاحب الصحيح قبل الاختلاط أيضًا، لاحتمال أن يكون المختلط ليس من المطبقين بحيث لا يفيق ويحدث على الصواب، غايته أن نحكم على استقامة حديث ذلك الراوي بعينه، ولا نطرد الحكم في مروياته عن ذلك المختلط لأننا علمنا أن صاحبي الصحيحين ينتقيان، والله أعلم.
ففي القسم الموافق لهذه المقارنة عند مسلم من المختلطين:
سعيد بن أبي عروبة، له حديث في الصوم في السفر (^٢)، والراوي عنه محمد بن بشر سمع منه قبل الاختلاط (^٣).
والثاني سعيد بن إياس الجريري، له عدة أحاديث كلها عمن سمع منه
_________________
(١) انظر السنن الأبين (ص ١٤٣ - ١٤٤)، النكت على كتاب ابن الصلاح (١/ ٣٢٢).
(٢) كتاب الصيام -باب جواز الصوم والفطر في رمضان للمسافر (٢/ ٧٨٧).
(٣) الكواكب النيرات (ص ٢٠٨).
[ مقدمة / ٣٦٩ ]
قبل الاختلاط.
والثالث عبد الملك بن عمير، له حديثان، وهما اللذان سبق ذكرهما في التدليس، وهو في الحقيقة لم يختلط، وإنما ساء حفظه لكبر سنه مثل ما حصل لأبي إسحاق السبيعي، وسعيد بن أبي سعيد المقبري، وضابط صحة السماع في حديثه أن يكون من رواية القدماء عنه (^١)، ففي الحديث رقم (٣٠٠١)، وهو حديث أبي سعيد في النهي عن صوم يومي العيد، الراوي عنه جرير بن عبد الحميد الضبي توفي سنة ١٨٨ هـ، وعند أبي نعيم، عبيد الله بن عمرو توفي سنة ١٨٠ هـ، وعند أبي عوانة من الرواة عنه شعبة توفي سنة ١٦٠ هـ، وشيبان النحوي توفي سنة ١٦٤ هـ (^٢)، وإن كان جرير ممن روى عنه صاحب الصحيحين كليهما من حديثه عن عبد الملك، إلا أن في رواية المصنف عن المذكورين زيادة فائدة لتقدم وفاتيهما، (^٣) ثم اتفاق هؤلاء الحفاظ على رواية الحديث بطريقة واحدة، يقضي على أنه حدث به في استقامة، فإن من ضوابط موضوع الاختلاط عند صاحبي الصحيحين أنهما ينتقيان من أحاديث المختلطين، فيروون ما توافق عليه عدد من الرواة عنه وإن كانوا ممن سمع منه بعد الاختلاط (^٤).
_________________
(١) انظر: ميزان الاعتدال (٢/ ٦٦١)، هدي الساري (ص ٤٢٢).
(٢) انظر سني الوفيات في تقريب التهذيب.
(٣) انظر: الحديث رقم: (٣١٣٥ وص ٢١٠)، من مصورة رقم: (٢٠٤٩).
(٤) انظر: ضوابط الجرح والتعديل (ص ١١٤).
[ مقدمة / ٣٧٠ ]
والحديث رقم (٣٠٠٢) حديث أبي هريرة: أفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله المحرم، هو عند مسلم والمخرجين من رواية زائدة بن قدامة عنه، وتوفي سنة ١٦٠، وقيل بعدها (^١)، ومن طريق جرير عند مسلم، وأبي نعيم، والحديث في المتابعات كما تقدم.
ومنهم عبد الرزاق بن همام الصنعاني، من سمع منه بعد ما ذهب بصره فهو ضعيف السماع (^٢)، له عند مسلم في القسم الموافق لهذه المقارنة ستة عشر حديثا كلها إما مما توبع عليها عند مسلم، أو هو فيها مقرون بغيره، ما عدا حديثين، توبع في أصلهما وانفرد بزيادة فيهما، الأول حديث أبي سعيد الخدري: "ليس في حب ولا تمر صدقة" الحديث (^٣)، انفرد عبد الرزاق بقوله: "ولا ثمر" بالمثلثة، والحديث عند أحمد في المسند، وهو ممن سمع من عبد الرزاق قبل ذهاب بصره، وفي إحدى طريقيه هو مقرون بغيره (^٤)، الثاني، حديث أبي هريرة، كان رسول الله ﷺ يرغب في قيام رمضان من غير أن يأمر بعزيمة، في رواية عبد الرزاق في آخر الحديث أدرج قوله: فتوفي رسول الله ﷺ والأمر على ذلك إلخ (^٥)، أخرجه أبو نعيم في المستخرج
_________________
(١) تقريب التهذيب (٢١٦٥).
(٢) انظر عن اختلاطه ومن سمع منه قبل الاختلاط: الكواكب النيرات (ص ٢٧٤ - ٢٨٠).
(٣) صحيح مسلم كتاب الزكاة (٢/ ٦٧٥).
(٤) المسند (٣/ ٥٩، ٧٣).
(٥) صحيح مسلم -كتاب صلاة المسافرين وقصرها- باب الترغيب في قيام رمضان، =
[ مقدمة / ٣٧١ ]
من طريق عبد الرزاق مقرونًا بعبد الأعلى بن عبد الأعلى (^١).
ومنهم سهيل بن أبي صالح، أصابته علة نسي بسببها بعض حديثه، وسماع مالك، وشيخه ربيعة منه كان قبل ذلك (^٢)، له حديثان هو مقرون في أحدهما، والثاني في المتابعات (^٣).
ومنهم حفص بن غياث النخعي، ساء حفظه لما ولي القضاء فمن سمع من كتابه أصح ممن سمع من حفظه، وكان عند ابنه عمر كتاب أبيه (^٤)، له ثلاثة أحاديث عند مسلم هو مقرون في اثنين منها، والثالث في المتابعات (^٥).
ومنهم سويد بن سعيد الحدثاني، عمى فصار يتلقن ما ليس من حديثه، وقال أبو زرعة: كتبه صحاح، والإمام مسلم إنما روى عنه نسخة حفص بن ميسرة، مما يدل على أنه روى عنه من كتابه (^٦)، ومع ذلك ليس
_________________
(١) = (١/ ٥٢٣).
(٢) انظر التعليق على حديث رقم: (٣٢٦٦).
(٣) الكواكب النيرات (٢٤٦ - ٢٤٩).
(٤) صحيح مسلم -كتاب الصيام (ح ١٦٧ - ١٦٨)، كتاب الزكاة (ح ٢٦).
(٥) انظر الحديث رقم: (٣١٨٦).
(٦) انظر: صحيح مسلم -كتاب الصيام (ح ١٠١، ١٤٧، ١٧٧).
(٧) انظر: الكواكب النيرات (ص ٤٧١).
[ مقدمة / ٣٧٢ ]
له عنده في هذا القسم إلا حديث واحد، وهو مما توبع فيه متابعة قاصرة (^١).
وهذا أيضًا يدل على انتقاء الشيخين لأحاديث كتابيهما.