١٤٤٠ - حدّثنا هارون، حدّثنا محمد بن مسلمة، عن محمد بن إسحاق، عن سالم أبى النضر، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، قال: خرجت مع عثمان بن حنيف نعود أبا
_________________
(١) (*) هو: صحابى جليل. شهد أحدًا وما بعدها من المشاهد، واستعمله عمر بن الخطاب على أرض الكوفة، ومات في خلافة معاوية بن أبى سفيان. رضى الله عن الجميع.
(٢) صحيح: أخرجه الطبراني في "الكبير" [٥/ رقم ٤٧٣٢]، والنسائى في "الكبرى" [٩٧٦٥]، والطحاوى في "شرح المعانى" [٤/ ٢٨٥]، وغيرهم، من طرق عن محمد بن إسحاق عن سالم أبى النضر عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن أبى طلحة به قلتُ: وسنده مستقيم لولا عنعنة ابن إسحاق، لكنه لم ينفرد به: بل تابعه مالك بن أنس في "موطئه" [١٧٣٥]، ومن طريقه الترمذى [١٧٥٠]، والنسائى ٥٤٣٩١]، وأحمد [٣/ ٤٨٦]، وابن حبان [٥٨٥١]، والطبرانى في "الكبير" [٥/ رقم ٤٧٣١]، والبيهقى في "سننه" [١٤٣٦٢]، والطحاوى في "شرح المعانى" [٤/ ٢٨٥]، وابن المظفر في "غرائب مالك" [رقم ٦٥]، وغيرهم. لكن خالفه مالك في (عثمان بن حنيف) فجعله (سهل بن حنيف)، وقد جزم ابن عبد البر في "التمهيد" [٢/ ١٩٣]، بكون ذلك وهمًا من مالك، وقبل ذلك قال: "أما سهل بن حنيف، فلا يشك عالم بأن عبيد الله بن عبد الله لم يره ولا لقيه، ولا سمع منه، وذكْره في هذا الحديث خطأ لا شك فيه؛ لأن سهل بن حنيف توفى سنة ثمانٍ وثلاثين، وصلى عليه عليّ - ﵁ - ولا يذكره في الأغلب عبيد الله بن عبد الله؛ لصغر سنه يومئذ، والصواب في ذلك - والله أعلم - (عثمان بن حنيف). وكذلك رواه محمد بن إسحاق عن أَبى النضر سالم عن عبيد الله بن عبد الله قال: انصرفتُ مع عثمان بن حنيف إلى دار أبى طلحة نعوده، فوجدنا تحته نمطًا وساق الحديث بمعنى حديث مالك عن أبى النضر .. ". قلتُ: وهذا كلام قوى مقبول. ثم عاد ابن عبد البر وأجرى نحو هذا الكلام على أبى النضر، وجزم في [٢١/ ١٩٣]، بكون أبى النضر قد وهم في روايته هذا الحديث عن عبيد الله عن أبى طلحة، وعلل ذلك - تبعًا لغيره - بكون الزهرى قد رواه - بجملة النهى عن التصوير دون الاستثناء - عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة فقال: عن ابن عباس عن أبى طلحة به =
[ ٢ / ٥٨٣ ]
طلحة في شكوى له، قال: فدخلنا عليه، وتحته نمطٌ على فراشه، فيه صورة تماثيل، فقال: انزعوا هذا من تحتى! فقال له عثمان: أو ما سمعت يا أبا طلحة رسول الله - ﷺ - يقول حين
_________________
(١) = كما مضى [برقم ١٤١٤]، فأدخل الزهرى بين عبيد الله بن عتبة وأبى طلحة: "عبد الله بن عباس". قال ابن عبد البر: "فالصحيح في هذا الحديث رواية الزهرى له عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس عن أبى طلحة كذا قال على بن المدينى وغيره، وهو عندى كما قالوه". قلت: كذا قال، ولا يسلم له، وقد يكون ذلك - أعنى رواية عبيد الله بن عتبة - من المزيد في متصل الأسانيد. وبهذا أجاب الحافظ في "الفتح" [١٠/ ٣٨١]، فقال: "فلعل عبيد الله سمعه من ابن عباس عن أبى طلحة، ثم لقى أبا طلحة لما دخل يعوده، فسمعه منه. ويؤيد ذلك: زيادة القصة في رواية أبى النضر ". ثم ردَّ على ابن عبد البر في استبعاده سماع عبيد الله بن عتبة من أبى طلحة، وقبل ذلك مال إلى ترجيح رواية ابن إسحاق التى فيها: (عثمان بن حنيف) على رواية مالك والتى فيها: (سهل بن حنيف) مثل ما قاله ابن عبد البر كما مضى سابقًا. وقال الحافظ: "وعثمان تأخر - يعنى وفاته - بعد سهل - يعنى ابن حنيف أخاه - بمدة، وكذلك أبو طلحة، فلا يبعد أن يكون عبيد الله أدركهما ". قلتُ: بل هذا هو المتعين إن شاء الله؛ لما يقتضيه سياق الحديث عند المؤلف وغيره. بل سياق حديث أبى النضر لا يشبه سياق حديث الزهرى عن عبيد الله ولا يكاد، وفى حديث أبى النضر زيادة الاستثناء: (إلا رقمًا في ثوب ) وهى توحى بأن مَنْ يُوهِّم أبا النضر فيها هو الواهم على التحقيق، وأبو النضر ثقة ثبت مأمون، وأين هو من ذلك الوهم الفاحش؟! وكأن ابن عبد البر لم يستطع أن يهضم توهيمه لأبى النضر - تبعًا لغيره - لتغير سياق حديثه عن سياق حديث الزهرى، فوجدته عاد في "تمهيده" [٢١/ ١٩٥]، فقال: "وقد يحتمل أن يكون حديث ابن شهاب في هذا الباب غير حديث أبى النضر؛ لأن في حديث ابن شهاب عموم الصور دون استثناء شئ منها، وفى حديث أبى النضر استثناء ما كان رقمًا في ثوب، وفيه جمع سهل بن حنيف في ذلك مع أبى طلحة، فهو غير حديث أبى النضر. والله أعلم". قلت: وهذا هو القول الفصل، ولكن من عذيرنا من أبى عبد الرحمن بن لهيعة؟! فتراه يروى هذا الحديث عن أبى النضر فيقول: عن عبد الله الخولانى عن أبى طلحة صاحب رسول الله - ﷺ - أنه دخل على سهل وهو مريض ثم ذكره نحو رواية مالك وابن إسحاق عن أبى =
[ ٢ / ٥٨٤ ]
نهى عن الصورة: "إِلا رَقْمًا فِي ثَوْبٍ، أَوْ ثَوْبًا فِيهِ رَقْمٌ؟ " قال: بلى، ولكنه أطيب لنفسى أن لا يُجعل تحتى.
* * *
_________________
(١) = النضر، هكذا أخرجه الطبراني في "الكبير" [٥/ رقم ٤٧٣٣]، من طريق بكر بن سهل الدمياطى عن شعيب بن يحيى عن ابن لهيعة به قلتُ: ما للتخليط من آخر!! وهكذا يكون قلب الأخبار ظهرًا لبطن! نعم، بكر بن سهل قد ضعفه النسائي وغيره. لكن هذا التخليط في المتن والإسناد أشبه بابن لهيعة ممن أسنده إليه، وليس هذا بأول قارورة كُسِرتْ، والله المستعان.
[ ٢ / ٥٨٥ ]