١٧٦٣ - حدثنا وكيع حدثنا سفيان عن عبد الملك بن عمير عن عبد الله بن الحرث عن العباس بن عبد المطلب أنه قال: يا رسول الله، عمك أبو طالب كان يَحُوطُك ويفعل؟ قال: "إنه في ضَحْضَاح من النار، ولولا أنا كان في الدَّرْك الأسفل [من النار] ".
١٧٦٤ - حدثنا عبد الرحمن بن مهدي حدثنا عبد الله بن جعفر عن إسماعيل بن محمد بن عامر بن سعد عن العباس قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إذا سجد الرجلُ سجد معه سبعةُ آرابٍ: وجههِ وكفَّيه، وركبتيه، وقدميه".
_________________
(١) هو العباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، عم رسول الله، وكان أشد الناس نصرة له بعد وفاة أبي طالب، وكان أسن من رسول الله بثلاث سنين. أسلم قبل فتح خيبر، وكان جوادًا مطعمًا وصولا للرحم، ذا رأي حسن ودعوة مرجوة، وكان لا يمر بعمر وعثمان وهما راكبان إلا نزلا إجلالا له. مات بالمدينة سنة ٣٢ وهو ابن ٨٨ سنة، ﵁.
(٢) إسناده صحيح، ورواه الشيخان كما في ذخائر المواريث ٢٥٥٣. يحوطك: يقال "حاطه يحوطه" إذا حفظه وصانه وذب عنه وتوفر على مصالحه. قال ابن الأثير: "الضحضاح، في الأصل: ما رق من الماء على وجه الأرض ما يبلغ الكعبين، فاستعاره للنار". الدرك الأسفل من النار، بفتح الراء وإسكانها: أقصى قعرها، جمعه أدراك ودركات، وهي منازل أهل النار، والنار دركات والجنة درجات. كلمة، من النار" زيادة من ك، لم تذكر في ح. وانظر ١٧٦٨، ١٧٧٤، ١٧٨٩.
(٣) إسناده صحيح، وانظر ١٧٦٥، ١٧٦٩، ١٧٨٠. الآراب: الأعضاء، واحدها "إرب" بكسر الهمزة وسكون الراء.
[ ٢ / ٣٧٣ ]
١٧٦٥ - حدثنا عبد الرحمن حدثنا عبد الله بن جعفر عن يزيد بن عبد الله بن الهاد عن محمد بن إبراهيم عن عامر بن سعد عن العباس بن عبد المطلب عن النبي - ﷺ - بمثله.
١٧٦٦ - حدثنا عبد الله بن بكر حدثنا حاتم، يعني بن أبي صَغيرة، حدثني بعض بني المطلب قال: قدم علينا عليّ بن عبد الله بن عباس في بعض تلك المواسم، قال: فسمعته يقول: حدثني أبي عبدُ الله بن عباس عن أبيه العباس: أنه أتى رسول الله - ﷺ - فقال: يا رسول الله، أنا عَمّك، كَبِرَتْ سنّي واقترب أجلي، فعلمني شيئًا ينعفني الله به، قال: "يا عباس، أنت عَمَّي، َ ولا
أُغني عنك من الله شيئًا، ولكن سل ربك العفو والعافية في الدنيا والآخرة"، قالَها ثلاثًا، ثم أتاه عندَ قَرْنِ الحَوْل، فقال له مثل ذلك.
١٧٦٧ - حدثنا رَوْح حدثنا أبو يونس القُشَيري حاتم بن أبي صَغيرة حدثني رجل من ولد عبد المطلب قال: قدم علينا عليّ بن عبد الله بن عباس، فحضره بنو عبد المطلب، فقال: سمعت عبد الله بن عباس يحدث عن أبيه عباس بن عبد المطلب قال: أنتُ رسول الله، فقلت: يا رسول الله،
_________________
(١) إسناده صحيح، وهو مكرر ما قبله. ورواه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة، كلهم من طريق ابن الهاد.
(٢) إسناده ضعيف، لجهالة الرجل من بني المطلب. وفى الحديث التالي ١٧٦٧ "من ولد عبد المطلب" وهو الصواب إن شاء الله، لأن ابن سعد رواه في الطبقات ٤/ ١/ ١٨ عن عبد الله بن بكر السهمي، شيخ أحمد هنا، وعن محمد بن عبد الله الأنصاري، كلاهما عن حاتم، وقال فيه"رجل من بني عبد المطلب. حاتم بن أبي صغيرة، بفتح الصاد وكسر الغين المعجمة، أبو يونس القشيري: ثقة ثقة، كما قال أحمد. "عند قرن الحول": أي عند آخر الحول وأول الثاني. وسيأتي الحديث بمعناه بإسناد آخر صحيح ١٧٨٣.
(٣) إسناده ضعيف، وهو مكرر ما قبله.
[ ٢ / ٣٧٤ ]
أنا عمَّك، قد كبرتْ سِنَّي، فذكر معناه.
١٧٦٨ - حدثنا عفان حدثنا أبو عَوَانة حدثنا عبد الملك بن عُمير عن عبد الله بن الحرث بن نوفل عن عباس بن عبدِ المطلب قال: قلت: يا رسول الله، هل نفعتَ أبا طالب بشيء، فإنه كل يحُوطك ويغضب لك؟ قال: "نعم، هو في ضَحْضاح من النار، ولولا ذلك لكان في الدَّرْك الأسفل من النار".
١٧٦٩ - حدثنا يحيى بن إسحق أنبأنا ابن لَهِيعة عن يزيد بن عبد الله ابن الهاد عن محمد بن إبراهيم التيمي عن عامر بن سعد عن العباس بن عبد المطلب قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إذا سجد ابنُ آدم سجد معه سبعة آراب: وجهِه، وكفّيه، وركبتيه، وقدميه".
١٧٧٠ - حدثنا عبد الرزاق أنبأنا يحيى بن العلاء عن عمه شعيب
_________________
(١) إسناده صحيح، وهو مكرر ١٧٦٣. وسيأتي مرة أخرى بهذا الإسناد ١٧٨٩.
(٢) إسناده صحيح، وهو مكرر ١٧٦٥. في ح "وركبته" وصححناه من ك.
(٣) إسناده ضعيف جدًا، يحيى بن العلاء الرازي البجلي: قال البخاري في الكببر ٤/ ٢ / ٢٩٧: "كان وكيع يتكلم فيه"، وكذلك قال في الضعفاء ٣٧، وقال النسائي في الضعفاء٣١: "متروك الحديث"، وفى الميزان والتهذيب: "قال أحمد بن حنبل: كذاب يضع الحديث"، وفى التهذيب أن وكيعًا قال: "كان يكذب، حدث في خلع النعلين نحو عشرين حديثًا". عبد الله بن عميرة: ذكره ابن حبان في الثقات، وحسن الترمذي حديثه وهو يروي في هذا الإسناد عن العباس، ولولا ضعف الإسناد لصح حديثه، لأنه قديم أدرك الجاهلية، وكان قائد الأعشى كما قال أبو نعيم، ولذلك ترجمه الحافظ في الإصابة ٥: ٩٤، والمعروف أنه يروي هذا الحديث عن الأحنف بن قيس عن العباس، فقول البخاري: "لا يعلم له سماع من الأحنف" لا يعلل روايته، إذ كان قديمًا أدرك الجاهلية، فعاصر رسول الله وكبار الصحابة. والحديث من هذا الطريق رواه البغوي في =
[ ٢ / ٣٧٥ ]
ابن خالد حدثني سمَاك بن حرب عن عبد الله بن عَميرة عن عباس بن عبد المطلب قال: كَنا جلوسًا مع رسول الله - ﷺ - بالبطحاء، فمرت سحابة، فقال رسول الله - ﷺ -: "أتدرون ما هذا؟ "، قال: قلنا: السحاب، قال: "والمُزْن"، قلنا: والمزن، قال: "والعَنان"، قال: فسكتنا، فقال: "هل تدرون كم بين السماء والأرض؟ "، قال: قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: "بينهما مسيرة خَمسمائة سنةِ، وِمن كل سماء إلى سماء مسيرة خمسمائة سنة، وكثَفُ
كل سماء [مسيرة] خمسمائة سنة، وفوق السماء السابعة بحرٌ بين أسَفله وأعلاه كما بينَ السماء والأرض، ثم فوق ذلك ثمانيةُ أوعالٍ، بين/ رُكَبهنَّ وأَظْلافهنّ كما بين السماء والأرض، ثم فوق ذلك العرش، بين أسَفله وِأعلاه كما بين السماء والأرض، والله ﵎ فوق ذلك، وليس يخْفى عليه من أعمالِ بني آدم شيء".
١٧٧١ - حدثنا محمد بن الصَّباح البزَّار ومحمد بن بكار قالا
_________________
(١) = تفسيره ٨: ٤٦٥ - ٤٦٦ بإسناده إلى عبد الرزاق. وسيأتي مزيد بحث وتخريج في الحديث الذي بعده. البطحاء: هي المحصب، وهو موضع معروف بمكة. المزن: الغيم والسحاب. العنان، بفتح العين. السحاب. هل تدرون "في ك" أتدرون". "كثف كل سماء" هكذا رسم الحرف في ك. ورسم في ح "كيف" وهو عندي خطأ لم أجد له وجهًا، ولا أستطيع إلا أن أقرأه "كثف بكسر الكاف وفتح الثاء المثلثة، بوزن "غلظ" ومعناه، ولكن مادة "كثف" لم أجد منها هذا الوزن، أعنى كسر الكاف وفتح الثاء، بل قالوا: "كثف يكثف كثافة" بضم الثاء في الماضي والمضارع، وفتح الكاف في المصدر. والذي في رواية البغوي "غلظ كل سماء". وكذلك في بعض روايات الحديث الآتي. كلمة (مسيرة) زيادة من ك. الأوعال: جمع "وعل" بفتح الواو وضمها مع كسر العين، وأصله تيس الجبل، والمراد هنا ملائكة على صورة الأوعال، كما قال ابن الأثير في النهاية.
(٢) إسناده ضعيف أيضًا، الوليد بن أبي ثور، هو الوليد بن عبد الله بن أبي ثور، ينسب إلى =
[ ٢ / ٣٧٦ ]
حدثنا الوليد بن أبي ثور عن سِماك بن حرب عن عبد الله بن عَميرة عن الأحنف بن قيس عن العباس بن عبد المطب عن النبي - ﷺ -، نحوه.
_________________
(١) = جده، هو ضعيف، قال ابن معين: "ليس بشىء"، وقال محمد بن عبد الله بن نمير: "كذاب"، وقال أبو زرعة: "منكر الحديث، يهم كثيرًا". أحنف بن قيس: تابعي قديم مخضرم، وهو ثقة مأمون، وكان يضرب به المثل في الحلم، واسمه "الضحاك" ولكن عرف بالأحنف، وله ترجمة في التاريخ الكبير ١/ ٢/ ٥٠ - ٥١. والحديث رواه أبو داود ٤ ك ٣٦٨ - ٣٦٩ عن محمد بن الصباح، وابن ماجة١: ٤٣ عن محمد بن يحيى عن محمد بن الصباح، رواه أيضًا الحافظ عثمان بن سعيد الدارمي في كتاب "النقض على بشر المريسي" الذي طبعه أخونا العلامة الشيخ محمد حامد الفقي بمطبعة أنصار السنة المحمدية سنة ١٣٥٨ باسم "رد الإمام الدارمي عثمان بن سعيد على بشر المريسي العنيد" ص ٩٠ - ٩١ عن محمد بن الصباح، بهذا الإسناد. فلو كان الحديث بهذا الإسناد والذي قبله وحدهما لم يكن صحيحًا، لضعفهما كما ترى، ولكن لم ينفرد به الوليد بن أبي ثور، فقد رواه أبو داود أيضًا ٤: ٣٦٩ عن أحمد بن أبي سريج عن عبد الرحمن بن عبد الله بن سعد ومحمد بن سعيد عن عمرو بن أبي قيس عن سماك ابن حرب بإسناده ومعناه، ورواه أيضًا عن أحمد حفص عن أبيه عن إبراهيم بن طهمان عن سماك، ورواه الترمذي: ٤: ٢٠٥ - ٢٠٦وعن عبد بن حميد عن عبد الرحمن ابن سعد عن عمرو بن أبي قيس عن سماك قال الترمذي: "قال عبد بن حميد: سمعت يحيى بن معين يقول: ألا يريد عبد الرحمن بن سعد أن يحج، حتى يسمع منه هذا الحديث؟ هذا حديث حسن غريب، وروى الوليد بن أبي ثور عن سماك نحوه رفعه، وروي شريك عن سماك بعض هذا الحديث ووقفه ولم يرفعه، وعبد الرحمن: هو ابن عبد الله بن سعد الرازي". وهذه أسانيد صحاح. أحمد بن أبي سريج: هو أحمد بن الصباح النهشلي الرازي، وهو ثقة. عبد الرحمن بن عبد الله بن سعد الرازي: ثقة. محمد ابن سعيد بن سابق الرازي نزيل قزوين: ثقة صدوق. عمرو بن أبي قيس الرازي الأزرق: ثقة مستقيم الحديث. أحمد بن حفص بن عبد الله السلمي قاضي نيسابور: ثقة من شيوخ البخاري وأبى داود، وروى عنه مسلم في غير الصحيح. أبوه حفص بن عبد الله بن =
[ ٢ / ٣٧٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) راشد السلمي قاضي نيسابور: ثقة، وكان كاتب الحديث لإبرايهم بن طهمان، قال محمد ابن عقيل: "كان قاضينا عشرين سنة بالأثر، ولا يقضي بالرأي البتة". ورواه أيضًا البيهقي في الأسماء والصفات ٢٨٦ - ٢٨٧ من طريق أبي داود بإسناد الوليد بن أبي ثور وإسناد إبراهيم بن طهمان. ورواه الحاكم في المستدرك ٢ ك ٥٠١٥٠٠ من طريق شريك عن سماك بن حرب عن عبد الله بن عميرة عن الأحنف عن العباس مختصرًا موقوفًا، وقال: "صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. وقد أسند هذا الحديث إلى رسول الله - ﷺ - شعيب ابن خالد الرازي والوليد بن أبي ثور وعمرو بن ثابت بن أبي المقدام عن سماك بن حرب، ولم يحتج الشيخان بواحد منهم، وقد ذكرت حديث شعيب بن خالد إذ هو أقربهم إلى الاحتجاج". ثم رواه بإسناده إلى عبد الرزاق مختصرًا، كإسناد الحديث الماضي ١٧٧٠، ووافقه الذهبي على أن الإسناد الأول الموقوف على شرط مسلم، ثم تعقبه في تجويد حديث شعيب بن خالد فقال: " يحيى واه، بل حديث الوليد أجود". وفى عون المعبود: "وقال الحافظ ابن القيم في تعليقات سنن أبي داود: وأما رد الحديث بالوليد بن أبي ثور ففاسد، فإن الوليد لم ينفرد به، بل تابعه عليه إبراهيم بن طهمان، كلاهما عن سماك، ومن طريقه رواه أبو داود، ورواه أيضًا عمرو بن أبي قيس عن سماك، ومن حديثه رواه الترمذي عن عبد بن حميد حثنا عبد الرحمن بن سعد عن عمرو بن أبي قيس، انتهى. ورواه ابن ماجة من حديث الوليد بن أبي ثور عن سماك، وأي ذنب للوليد في هذا؟ وأي تعلق عليه؟! وإنما ذنبه روايته ما يخالف قول الجهمية، وهي علته الموثرة عند القوم. انتهى كلامه مختصر". وقد امتحن أخونا الشيخ حامد الفقي بشأن هذا الحديث امتحانًا قاسيًا، فقام أحد علماء الأزهر، حين طبع كتاب الدارمي، وثار به ثورة شديدة، يزعم أن الحديث موضوع، ولعله ظن أن الطابع وضعه!! وندب الأزهر لجنة من هيئة كبار العلماء فيه فحصت الكتاب، وبحثت أسانيد الحديث، فلم تجد مأخذًا لا على المؤلف ولا على الطابع. فأطفئت الفتنة، والحمد لله رب العالمين. وأخبار هذه الفتنة ذكرت مفصلة في عدد خاص من مجلة الهدي النبوي التى يصدرها جماعة أنصار السنة، وهو عدد شهر ذي القعدة سنة ١٣٦١ من المجلد السادس.
[ ٢ / ٣٧٨ ]
١٧٧٢ - حدثنا يزيد، هو ابن هرون، أنبأنا إسماعيل، يعني ابن أبي خالد، عن يزيد بن أبي زياد عن عبد الله بن الحرث عن العباس بن عبد المطلب قال: قلت: يا رسول الله، إن قريشًا إذا لقي بعضهم بعضًا لَقُوهم ببشْرٍ حسن، وإذا لَقُونا لَقُونا بوجوه لا نعرفُها، قال: فغضب النبي - ﷺ - غضبًا شَدَيدًا، وقال: "والذي نفسي بيده، لا يدخل قلبَ رجلٍ الإيمانُ حتى يحبّكم لله ولرسوله".
١٧٧٣ - حدثنا جَرير عن يزيد بن أبي زياد عن عبد الله بن الحرث
_________________
(١) إسناده صحيح، وهو متصل، فإن عبد الله بن الحرث بن نوفل بن الحرث بن عبد المطلب بن هاشم تابعي قديم، ولد على عهد النبي - ﷺ -، وروى عن عمر وعلي، وعن عم جده العباس بن عبد المطلب، وصرح بالسماع منه، كما سيأتي في ١٧٧٤ والحديث رواه الحاكم في المستدرك ٣: ٣٣٣ من طريق يحيى بن سعيد عن إسماعيل ابن أبي خالد بإسناده، وقد روى قبله الحديث الآتي ١٧٧٣، ١٧٧٧ الذي رواه عبد الله ابن الحرث عن عبد المطلب بن ربيعة"وفى بعض الروايات المطلب بن ربيعة"وقال عقب الحديث الأول: "هذا حديث رواه إسماعيل بن أبي خالد عن يزيد بن أبي زياد، ويزيد وإن لم يخرجاه فإنه أحد أركان الكوفيين"، ثم قال عقب هذا الحديث:"قد ذكرت في مناقب الحسن والحسين طرفًا في فضائل أهل بيت رسول الله - ﷺ -، وبينت علل هذا الحديث بذكر المطلب بن ربيعة ومن أسقطه من الإسناد. فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع". وقد بحثت عن الموضع الذي أشار إليه فلم أجده، ولكن يظهر من كلامه أنه يعلل هذا الإسناد بالإسناد الذي فيه زيادة "المطلب" أو "عبد المطلب"، وكأنه يرجح أن عبد الله بن الحرث لم يسمعه من العباس، وإنما سمعه من عبد المطلب عن العباس. وما هذا بتعليل، فإن السياق في الحديثين يدل على أنه سمع القصة من العباس، وسمعها من عبد المطلب، يؤكد كلًا من روايتيه بالأخرى. وسيأتي مزيد بحث في هذا في الحديث بعده. في ك "إذا لقى بعضها بعضًا".
(٢) إسناده صحيح، وهو من مسند عبد المطلب بن ربيعة، لا من مسند العباس، لأن عبد الله =
[ ٢ / ٣٧٩ ]
عن عبد المطلب بنِ رِبيعة قال: دخل العباسُ على رسول الله - ﷺ - فقال: إنَّا لنخرج فنرى قريشًا تحَدَّثُ، فذكر الحديث.
١٧٧٤ - حدثنا يحيى بن سعيد عن سفيان حدثني عبد الملك بن
_________________
(١) = ابن الحرث قال في هذا الإسناد: "عن عبد المطلب بن ربيعة قال: دخل العباس على رسول الله - ﷺ - " إلخ، فهو يحكي القصة رواية من حديثه، لا يسندها إلى العباس زنه أخذها عنه، وكذلك في الرواية الآتية ١٧٧٧ بهذا الإسناد. وعبد المطلب بن ربيعة بن الحرث ابن- عبد المطلب بن هاشم: صحابي معروف. قال ابن عبد البر: "كان على عهد رسول الله - ﷺ - رجلًا، ولم يغير رسول الله - ﷺ - اسمه فيما علمت"، قال الحافظ في الإصابة ٤: ١٩٠ - ١٩١: "وفى ما قاله نظر، فإن الزبير بن بكار أعلم من غيره بنسب قريش وأحوالهم، ولم يذكر أن اسمه إلا المطلب. وقد ذكر العسكري أن أهل النسب إنما يسمون المطلب، وأما أهل الحديث فمنهم من يقول المطلب ومنهم من يقول عبد المطلب"، وقال نحو هذا في التهذيب. والذي يظهر لي أن اسمه "عبد المطلب" وأن رسول الله لم يغيره كما قال ابن عبد البر، ولكن كانت أسرته وأقاربه يختصرون اسمه كما يحدث في الأسر، فيقولون "المطلب". وسيأتي له مسندان بالأسمين "عبد المطلب" ٤ ك ١٦٥ - ١٦٦ ح و"المطلب " ٤: ١٦٧ ح. وسيأتي هذا الحديث بهذا الإسناد وبإسناد آخر ٤: ١٦٥ ح. والحديث رواه الترمذي ٤ ك ٣٣٧ عن قتيبة عن أبي عوانة عن يزيد بن أبي زياد، بهذا الإسناد وفى آخره: "حتى يحبكم لله ورسوله، ثم قال: يا أيها الناس، من آذى عمي فقد آذاني، فإنما عم الرجل صنو أبيه". قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح ". ورواه الحاكم ٣ ك ٣٣٢ - ٣٣٣ من طريق جرير بن عبد الحميد عن يزيد بن أبي زياد، وقد أشرنا إلى ذلك في الحديث السابق. وجرير بن عبد الحميد بن قرط الضبي: ثقة حجة من شيوخ أحمد. ورواه ابن ماجة اك ٣٣ بمعناه من طريق محمد بن كعب القرظي عن العباس. وهو إسناد منقطع، لأن محمد ابن كعب القرظي تابعي ثقة، ولكنه لم يدرك العباس قطعًا، لأنه مات سنة ١٠٨ أو بعد ذلك عن ٧٨ سنة.
(٢) إسناده صحيح، وهو مكرر ١٧٦٨.
[ ٢ / ٣٨٠ ]
عُمير حدثنا عبد اللهِ بن الحرث حدثنا العباس قال: قلت للنبي - ﷺ -: ما أغنيتَ
عن عمك، كان يَحُوطك ويغضب لك؟ قال: "هو في ضَحْضاح، ولولا أنا لكان في الدَّرْك الأسفل من النار".
١٧٧٥ - حدثنا عبد الرزاق حدثنا مَعْمَر عن الزهري أخبرني كَثير ابن عباس بن عبد المطلب عن أبيه العباس قال: شهدتُ مع رسول الله - ﷺ - حُنينًا، قال: فلقد رأيت النبي - ﷺ - وما معه إلا أنا وأبو سفيان بن الحرث بن عبد المطلب، فلزِمْنا رسول الله - ﷺ - فلم نفارقه، وهو على بغلة شهباء، وربما قال معمر: بيضاَء، أهداها له فَرْوة بن نَعَامة الجُذَامي، فلمِا التقي المسلمون والكفار وليَّ المسلمون مدبرين، وطَفق رسول الله - ﷺ - يَرْكُض بغلتَه قبَل الكفار، قال العباس: وأنا آخذٌ بلجام بغلةَ رسول الله - ﷺ - أكُفُّها، وهو لا يَالوَ ما أسرعَ نحو المشركين. وأبوَ سفيان بن الحرث آخذٌ بغَرْزِ رسول الله - ﷺ -، فقال رسول الله - ﷺ -: "يا عباس، نَاد: يا أصحابَ السَّمُرة"! قال: وكنت رجلًا صَيتًا، فقلت بأعلى صوتي: أين أصَحابُ السمرة! قال: فوالله لكأنَّ عَطْفَتَهم حين
_________________
(١) إسناده صحيح، كثير بن العباس بن عبد المطلب: تابعي ثقة، ممن ولد على عهد رسول الله، كان فقيهًا فاضلا، ولا عقب له، وذكره بعضهم في الصحابة، وسيأتي مزيد بيان لهذا في ١٨٣٦. والحديث رواه مسلم ٢ ك ١٠ - ٦١ من طريق يونس عن الزهري، ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري. وكذلك رواه الحاكم في المستدرك ٣: ٣٢٧ وزعم أن الشيخين لم يخرجاه، واستدرك عليه الذهبي بإخراج مسلم إياه. وأشار الحافظ في التهذيب ٨: ٤٢١ إلى أنه رواه النسائي، ولم ينسب إليه في ذخائر المواريث ٢٥٥٩، إلا أن يكون في السنن الكبرى. وذكره ابن كتير في التاريخ ٤ ك ٣٣١ من كتاب ابن وهب عن يونس، وأشار بعده إلى رواية مسلم. ورواه ابن سعد في الطبقات ٤/ ١/ ١ من طريق ابن أخي الزهري عن عمه. وذكره ابن هشام في السيرة ٨٤٦ عن ابن إسحق عن الزهري بمعناه. أبو سفيان بن الحرث بن عبد المطلب: هو ابن عم =
[ ٢ / ٣٨١ ]
سمعوا صوتي عطفةُ البقر على أولادها، فقالوا: يا لبيك، يا لبيك، وأقبل المسلمون فاقتتلوا هم والكفار، فنادت الأنصار يقولون: يا معشر الأنصار، ثم قَصَّرَتِ الداعون على بني الحرث بن الخزرج، فنادوا: يا بني الحرث بن الخزرج، قال: فنظر رسول الله - ﷺ - وهو على بغلته كالمتطاول عليها إلى قتالهم، فقال رسول الله - ﷺ -: "هذا حينَ حمي الوَطِيس"، قال: ثم أخذ رسول الله - ﷺ - حَصَيَات فرمى بهنَّ وجوه الكفار، ثم قال: "انهزَموا وربَّ الكعبة، انهزَموا وربّ الكعبة"، قال: فذهبتُ أنظر، فإذا القتال على هيئته فيما
_________________
(١) = رسول الله وأخوه من الرضاعة، أسلم حين الفتح ورسول الله متوجه إلى مكة، ومات في خلافة عمر. فروة بن نعامة الجذامي: هكذا الرواية هنا "ابن نحامة" بفتح النون والعين، وهي توافق رواية مسلم من طريق عبد الرزاق، وفى روايته من طريق يونس عن الزهري "فروة بن نفاثة الجذامي" بضم النون وتخفيف الفاء، وفروة هذا ترجمه ابن سعد ٧/ ٢ / ١٤٨ - ١٤٩ باسم "فروة بن عمرو الجذامي" وذكر أنه كان عاملًا لقيصر على عَمان، وأنه أسلم وأهدى لرسول الله هدايا، منها بغلة يقال لها "فضة" وأن رسول الله قبل هديته، وأن قيصر حبس فروة لما بلغه إسلامه حتى مات في السجن فصلبوه. وترجمه الحافظ في الإصابة ٥: ٢١٧ باسم "فروة بن عامر الجذامي أو ابن عمرو، وهو أشهر". وذكر ابن الأثير في أسد الغابة ٤: ١٧٨ الأقوال كلها في اسمه ولم يرجح. والراجح عندي ما ثبت في المسند ومسلم "فروة بن نعامة" لاتفاق الروايتين الصحيحتين على ذلك. لا يألو ما أسرع: أي لا يقصر. الغرز: الركاب. السمرة، بفتح السين وضم الميم: هي الشجرة التى كانت عندها بيعة الرضوان عام الحديبية. الصيت، بفتح الصادوكسر الياء المشددة: الشديد الصوت العاليه، يقال "هو صيت وصائت، كميت ومائت" قاله ابن الأثير. الوطيس: قال في النهاية:" شبه التنور، وقيل: هو الضراب في الحرب، وقيل: هو الوطء الذي يطس الناس، أي يدقهم، وقال الأصمعي: هو حجارة مدورة إذا حميت لم يقدرأحد يطؤها. ولم يسمع هذا الكلام من أحد قبل النبي - ﷺ -. وهو من فصيح الكلام، عبر به عن اشتباك الحرب وقيامها على ساق".
[ ٢ / ٣٨٢ ]
أرى، قال: فوالله ما هو إلا أن رماهم رسول الله - ﷺ - بحَصَيَاته، فما زلتُ أرى
حَدَّهم كليلًا، وأمرهم مدبرًا، حتى هزمهم الله، قال: وكأني أنظر إلى النبي - ﷺ - يركض خلفَهم على بغلته.
١٧٧٦ - حدثنا سفيان قال: سمعت الزهريَّ مرةً أو مرتين فلم أحفظه، عن كثير بن عباس قال: كان عباس وأبو سفيان معه: يعني النبي - ﷺ -، قال: فخطبهم، وقال: "الآن حمي الوطيس"، وقال: " ناد: يا أصحاب سُورة البقرة".
١٧٧٧ - حدثنا جِرير بن عبد الحميد عن يزيد بن أبي زياد عن عبد الله بن الحرث عن عبد المطلب بن ربيعة قال: دخلِ العباس على رسول الله - ﷺ - فقال: يا رسول الله، إنا لنخرج فنرى قريشًا تَحَدَّث، فإذا رأونا سكتوا، فغضب رسول الله/ - ﷺ -، ودَرَّ عرْق بين عينيه، ثم قال: "والله لا يدخل قلبَ امرئ إيمانٌ حتى يحبكم لله ولقرابتي".
١٧٧٨ - حدثنا محمد بن إدريس، يعني الشافعي، حدثنا عبد العزيز ابن محمد عن يزيد، يعني ابن الهاد، عن محمد بن إبراهيم عن عامر بن سعد عن عباس بن عبد المطلب أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: "ذاق طعمَ
_________________
(١) إسناده صحيح، وهو مختصر ما قبله، ولكن سفيان بن عيينة لم يحفظه عن الزهري، وكذلك رواه مسلم عن ابن أبي عمر عن سفيان عن الزهري، فأشار إليه ثم قال: "وساق الحديث، غير أن حديث يونس وحديث معمر أكثر منه وأتم".
(٢) إسناده صحيح، وهو مكرر ١٧٧٣ بإسناده وساق هنا لفظه. وهو من مسند عبد المطلب ابن ربيعة كما قلنا هناك.
(٣) إسناده صحيح، محمد بن إدريس الشافعي الإمام الحجة: أشهر من أن يترجم. محمد ابن إبراهيم بن الحرث بن خالد بن صخر القرشي التميمي: تابعي ثقة كثير الحديث، =
[ ٢ / ٣٨٣ ]
الإيمان من رَضِىَ بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد نبيًا رسولًا".
١٧٧٩ - حدثنا قُتَيبة بن سعيد حدثنا ليث بن سعد عن ابن الهاد عن محمد بن إبراهيم بن الحرث عن عامر بن سعد عن العباس بن عبد المطلب أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: "ذاق طعم الإيمان من رضى بالله ربّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد نبيّا".
١٧٨٠ - حدثنا قُتَيبة بن سعيد حدثنا بكر بن مُضَر القرشي عن ابن الهاد عن محمد بن إبراهيم بن الحرث عن عامر بن سعد عن العباس ابن عبد المطلب أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: "إذا سجد العبد سجد معه سبعة آراب: وجهُه، وكفّاه، وركبتاه، وقدماه".
١٧٨١ - حدثنا أبو اليمان أنبأنا شعيب عن الزهري أخبرني مالك ابن أوس بن الحدَثان الِنَّصْرِي: أن عمر دعاه، فذكر الحديث، قال: فبينا أن عنده إذْ جاء حاجبه يَرْفأ، فقال: هل لك في عثمان وعبد الرحمن والزبير وسعد يستأذنون؟ قال: نعم: فأدخَلَهم، فلبث قليلًا ثم جاءه فقال: هل لك
_________________
(١) = كان جده الحرث من المهاجرين الأولين. والحديث رواه مسلم والترمذي، كما في ذخائر المواريث ٢٥٥٢.
(٢) إسناده صحيح، وهو مكرر ما قبله.
(٣) إسناده صحيح، وهو مكرر ١٧٦٩. بكر بن مضر القرشي: هو المصري مولى شرحبيل ابن حسنة القرشي أبو محمد، سبق توثيقه في ١٤٠٣ ولكن نسبته "القرشي" لم تذكر في التهذيب، وذكرها البخاري في الكبير ١/ ٢ / ٩٥ وقال: "كناه لنا قتيبة وأثنى عليه خيرًا. وفي ح "نصر" بدل "مضر" وهو خطأ، صححناه من ك وكتب التراجم.
(٤) إسناده صحيح، وهو مكرر ٤٢٥. وانظر ٥٨، ٦٠، ٧٧، ٧٨، ١٧١، ٣٣٣، ٣٣٧، ٦٤٦، ١٣٩١، ١٤٠٦، ١٥٥٠. "فلبث قليلا" في ك "ثم لبث قليلا". "الصواف" في ك "الصوافي" وحذف الياء في مثل هذا جائز، والصوافي: قال ابن الأثير: "هي =
[ ٢ / ٣٨٤ ]
في عليّ وعباس يستأذنان؟ قال: نعم، فأذنَ لهما، فلما دخلا قال عباس: يا أمير المؤمنين، اقْض بينى وبين هذا، لعَليّ، وهما يختصمان في الصَّوافِ التي أفاء الله على رسوله من أموال بني النَّضير، فقال الرهطُ: يا أمير المؤمنين، اقْض بينهما وأَرحْ أحدهما من الآخر، قال عمر: اتّئدُوا، أُناشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض، هل تعلمون أن النبيَ - ﷺ - قال: "لا نُورَث، ما تركنا صدقةٌ"، يريد نفسَه؟ قالوا: قد قال ذلك، فأقبل عمر علَى عليّ وعلَى العباس فقال: أُنشدكما بالله، أتعلمان أن النبي - ﷺ - قال ذلك؟ قالا: نعم، قال: فإني أحدّثكم عن هذا الأمر: إن الله ﷿ كان خَصَّ رسوله فىٍ هذا الفيء بشيء لم يعطه أحد غيرَه فقال: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ﴾ إلى ﴿قَدِيرٌ﴾، فكانت هذه خاصةً لرسول الله - ﷺ -، ثم واللهِ ما احتازَها دونَكم، ولَا استأثَر بها عليكم، لقد أعطاكموها وبثَّها فيكم حتى بقى منها هذا المال، فكان رسول الله - ﷺ - ينفق على أهله نفقةَ سنتهِم من هذا المال، ثم يأخذ ما بقي فيجعله مَجْعَلَ مالِ الله، فعمل بذلك رسول الله - ﷺ - حياتَه، ثم توفي رسول الله - ﷺ -، فقال أبو بكر: أنا وليّ رسول الله - ﷺ -، فقبضه أبو بكر، فعمل فيه بما عمل فيه رسول الله - ﷺ -.
١٧٨٢ - حدثنا يعقوب حدثنا ابن أخي ابنِ شهاب عن عمه محمد بن مسلم قال: أخبرني مالك بن أَوْس بن الحَدثان النَّصْري، فذكر الحديث، قال: فبينا أنا جالس عنده أتاه حاجبه يرفأ، فقال لعمر: هل لك في
_________________
(١) = الأملاك والأراضي التي جلا عنها أهلها أو ماتو ولا وارث لها، واحدتها صافية".
(٢) إسناده صحيح، وهو مطول ما قبله.
[ ٢ / ٣٨٥ ]
عثمان وعبد الرحمن وسعد والزبير يستأذنون؟ قال: نعم، ائذَن لهم، قال: فدخلوا فسلموا وجلسوا، قال: ثم لبث يرفأ قليلًا فقال لعمر: هل لك في علي وعباس؟ فقال: نعم، فأذِن لهما، فلما دخلا عليه جلسا، فقال عباس: يا أمير المؤمنين، اقْضِ بيني وبين علي، فقال الرهطُ عثمانُ وأصحابهُ: اقض
بينهما وأرِحْ أحدهما من الآخر، فقال عمر: اتَّئدوا، فأَنْشُدكم بالله اَلذي بإذنه تقوم السماء والأرض، هل تعلمون أن رسول الله - ﷺ - قال: "لا نورَث، ما تركنا صدقةٌ"، يريد بذلك رسول الله - ﷺ - نفسَه؟ قال الرهط: قد قال ذلك، فأقبل عمر علَى عليّ وعباسٍ فقال: أَنشدكما بالله، هل تعلمان أن رسول الله - ﷺ - قال ذلك؟ قالا: قد قال ذلك، فقال عمر: فإني أحدّثكم عن هذا الأمر: إن الله ﷿ كان خصّ رسوله في هذا الفىء/ بشيء لم يعطه أحدًا غيرَه، فقال الله تعالي: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ﴾ الآية، فكانت هذه الآية خاصةً لرسول الله - ﷺ -، ثم واللهِ مَا احتازها ولا استأثر بها عليكم، لقد أعطاكموها وبثّها فيكَم حتى بقي منها هذا المال، وكان رسول الله - ﷺ - ينفق على أهله نفقةَ سنتهم من هذا المال، ثم يأخذ ما بقيِ منه فيجعله مَجْعَلَ مالِ الله، فعمل بذلكَ رسول الله - ﷺ - حياته، أنشدكم الله هل تعلمون ذلك؟ قالوا: نعم: قال لعلي وعباس: فأَنشدكما بالله هل تعلمان ذلك؟ قالا: نعم، ثم توفي رسول الله - ﷺ -، فقال أبو بكر: أنا وليّ رسول الله - ﷺ -، فقبضها أبو بكر فعمل فيها بما عمل به فيها رسول الله - ﷺ -، وأنتم حينئذ، وأقبل عَلى علي وعباس، تزعمان أن أبا بكر فيها كذا، والله يعلم إنه فيها لصادقٌ بارٌّ راشدٌ تابعٌ للحق.
١٧٨٣ - حدثنا حسين بن علي عن زائدة عن يزيد بن أبي زياد
_________________
(١) إسناده صحيح، ورواه الترمذي ٤: ٢٦٤ بنحوه من طريق عبيدة بن حميد عن يزيد بن =
[ ٢ / ٣٨٦ ]
عن عبد الله بن الحرث عن العباس قال: أتيت رسول الله - ﷺ -، فقلت: يا رسول الله، علمني شيئًا أدعو به، فقال: "سل [الله]، العفو والعافية"، قال: ثم أتيته مرة أخرى، فقلت: يا رسول الله، علمني شيئًا أدعو به، قال: فقال: "يا عباس، يا عم رسول الله - ﷺ -، سل الله العافية في الدنيا والآخرة".
١٧٨٤ - حدثنا أبو سعيد حدثنا قيس بن الربيع حدثني عبد الله بن أبي السَّفَر عن ابن شُرحْبيل عن ابنِ عباس عن العباس قال: دخلت على رسول الله - ﷺ - وعنده نساؤه، فاستَتَرن منّي إلا ميمونة، فقال: "لا يبقى في
_________________
(١) = أبي زياد، وقال: "هذا حديث صحيح، وعبد الله هو ابن الحرث بن نوفل، وقد سمع من العباس بن عبد المطلب". وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد بروايتين، وقال: "رواه كله الطبراني بأسانيد، ورجال بعضها رجال الصحيح غير يزيد بن أبي زياد، وهو حسن الحديث". ويزيد ثقة، كما قلنا في ٦٦٢. وقد مضى هذا الحديث بنحوه بإسنادين ضعيفين ١٧٦٦، ١٧٦٧ وأشرنا إلى هذا هناك. وزيادة لفظ الجلالة من ك.
(٢) إسناده صحيح، عبد الله بن أبي السفر سعيد الهمداني الثوري: ثقة، وثقه أحمد وابن معين والنسائي وغيرهم. "السفر" بفتح السين والفاء، كما ضبطه الذهبي في المشتبه ٢٦٥ والحافظ في التقريب. ابن شرحبيل: هو أرقم بن شرحبيل الأودي الكوفي، وهو ثقة، وثقه أحمد وأبو زرعة وابن سعد وابن عبد البر وغيرهم، وترجمه البخاري في الكبير ١/ ٢ / ٤٧ وذكر أنه سمع من ابن مسعود، ولم يذكر فيه جرحًا، وهو غير أرقم بن أبي أرقم، كما فرق بينهما البخاري، وذكر أن الأخير مجهول. والحديث في مجمع الزوائد ٥: ١٨١ وقال: "رواه أحمد والطبراني والبزار باختصار كثير، وأبو يعلى أتم منهم، وفيه قيس ابن الربيع، وثقه شعبة والثوري، وبقية رجاله ثقات". اللد، بفتح اللام وتشديد الدال: العلاج باللدود، بفتح اللام، وهو دواء يصب في أحد شقي الفم، وكان رسول الله أشار إليهم حين أرادوا لده أن لا يلدوه، فظنوا أنه من ضيق المريض بالدواء، فلدوه على إبائه إياه. وقصة اللد جاءت في أحاديث كثيرة، منها حديث عائشة، وسيأتي في =
[ ٢ / ٣٨٧ ]
البيت أحدٌ شَهِد اللَّدَّ إلَاّ لُدَّ، إلا أن يميني لم تُصب العباسَ"، ثم قال: "ْمُرُوا أبا بكر أن يصلي بالناس"، فقالت عائشة لحفصَة: قولي له إن أبا بكر رجل إذا قام مَقامك بكَى، قال: "مروا أبا بكر ليصلِّ بالناسٍ"، فقام فصلَّى، فوجد النبي - ﷺ - خِفّةً، فجاء، فَنكَص أبو بكر فأراد أن يتأخَّر، فجلس إلى جنبه ثم اقْتَرَأَ.
١٧٨٥ - حدثنا يحيى بن آدم حدثنا قيس حدثنا عبد الله بن أبي السَّفَر عن أَرْقَم بن شرحْبِيل عن إبن عباس عن العباس بن عبد المطلب: أن رسول الله - ﷺ - قال في مرضه: "مُرُوا أبا بكر يصلي بالناس"، فخرج أبو بكر فكبَّر، ووجَد النبيُّ - ﷺ - راحةً، فخرج يُهَادى بين رجلين، فلما رآه أبو بكر تأخَّر، فأشار إليه النبي - ﷺ -: مكانَك، ثم جلس رسول الله - ﷺ - إلى جنب أبي بكر، فاقتَرَأ من المكان الذي بلغ أبو بكر من السورة.
١٧٨٦ - حدثنا عُبيد بن أبي قُرَّة: حدثنا ليث بن سعد عن أبي قَبِيل
_________________
(١) = المسند ١١٨،٥٣:٦ ح وهو في البخاري ٨: ١١٢ ومنها حديث أسماء بنت عميس، وسيأتي أيضًا ٦: ٤٣٨ ح. وانظر سيرة ابن هشام ١٠٠٧ وطبقات ابن سعد ٢/ ٢/ ٣١ - ٣٢ وتاريخ ابن كثير٥: ٢٢٥ - ٢٢٦. قوله "شهد اللد إلا لد" وقع في مجمع الزوائد "شهد أن لا إله إلا الله"! وهو تصحيف عجيب!! اقترأ: أي قرأ، والاقتراء: افتعال من القراءة. وفى مجمع الزوائد "اقتدى" وهو تصحيف أيضًا.
(٢) إسناده صحيح، وهو مكرر ما قبله، مع زيادة واختصار. "يهادى بين رجلين": "أي يمشي بينهما معتمدًا عليهما من ضعفه وتمايله، من تهادت المرأة في مشيتها: إذا تمايلت، وكل من فعل ذلك بأحد فهو يهاديه" عن النهاية.
(٣) إسناده صحيح، أبو ميسرة: هو مولى العباس، كما ثبت ذلك في رواية هذا الحديث في. المستدرك وتاريخ بغداد، ولم أجد فيه جرحًا ولا تعديلا، فترجمه الحافظ في التعجيل ٥٢٣ قال: "أبو ميسرة مولى العباس، عن العباس في ولاية ذريته، وعنه أبو قبيل"، وترجمه البخاري في الكنى ص ٧٥ برقم ٧٠٧ قال: "أبو ميسرة، قال: عبد الله بن =
[ ٢ / ٣٨٨ ]
عن أبي مَيْسرة عن العباس قال: كنت عند النبي - ﷺ - ذات ليلة، فقال: "انظرْ
_________________
(١) = محمد الجعفي: حدثنا عبيد بن أبي قرة البغدادي قال ليث بن سعد عن أبي قبيل قال عبد الله قال سمعت أبا ميسرة سمعت العباس يقول: كنت عند النبي - ﷺ - ذات ليلة فقال: هل ترى في السماء من نجم؟ قلت: نعم، وذكر الحديث". ثم لم يذكر فيه جرحًا ولم يذكر للحديث علة، ولم يذكره وهو ولا النسائي في الضعفاء. فهذا تابعي لم يجرحه أحد، فهو على الستر والثقة. وتصحيح بعض الحفاظ حديثه كما سيأتي توثيق له ضمنًا. أبو قبيل، بفتح القاف: هو حيى، بالتصغير، بن هانئ المعافري المصري، وهو تابعي ثقة، كما قلنا في ٤٥٣ وترجمه البخاري في الكبير ٢/ ١/ ٧٠. عبيد بن أبي قرة: ثقة من شيوخ أحمد كما مضى ٤٤٦. والحديث في مجمع الزوائد ٤: ١٨٦ وقال: "رواه أحمد والطبراني، وفيه أبو ميسرة مولى العباس، ولم أعرفه إلا في ترجمة أبي قبيل، وبقية رجال أحمد ثقات". ورواه الحاكم في المستدرك ٣: ٣٢٦ من طريق عبد الله بن أحمد ابن حنبل: "حدثني يحيى بن معين حدثنا عبيد بن أبي قرة" فذكره بإسناده ثم قال: "هذا حديث تفرد به عبيد بن أبي قرة عن الليث، وإمامنا أبو زكريا ﵀ [يعني يحيى بن معين] لو لم يرضه لما حدث منه بمثل هذا الحديث". وتعقبه الذهبي دون حجة فقال: "لم يصح هذا". ورواه الخطيب في تاريخ بغداد ١١: ٩٦ - ٩٧ في ترجمة عبيد بن أبي قرة، فروى بإسناده عن إبراهيم بن عبد الله بن الجنيد قال: "سئل يحيى بن معين، وأنا أسمع، عن عبيد بن أبي قرة؟ فقال: ما كان به بأس، كان من التجار في القطيعة، وكان من أهل الهيئة والكرم، وكان عنده كتاب عن عبد الجبار بن الورد وكتاب لسليمان بن بلال، ما سمعت منه عن الليث إلا ذاك الحديث الواحد"، ثم ذكر الخطيب أن يحيى بن معين يريد هذا الحديث، ورواه بإسناده من غير المسند إلى عبد الله ابن أحمد بن حنبل: "حدثني أبي وأبو خيثمة قالا حدثنا عبيد بن أبي قرة" وبإسناده إلى المسند من طريق القطيعي عن عبد الله بن أحمد: "حدثني أبي حدثنا عبيد بن أبي قرة". ثم رواه من طريق ابن أبي حاتم عن يحيى بن سعيد القطان عن عبيد، ثم نقل عن ابن أبي حاتم قال: "سمعت أبي، وذكر هذا الحديث فقال: هذا حديث لم يروه إلا عبيد بن أبي قرة، وكان ببغداد عند أحمد بن حنبل أو يحيى بن معين، أنا أشك، وكان يضن به، ورأيته يستحسن هذا الحديث، وسر به حيث وجده عنده عن يحيى بن =
[ ٢ / ٣٨٩ ]
هل تَرى في السماء من نجم؟ " قال: قلت: نعم، قال: "ما تَرى؟ " قال:
_________________
(١) = معين ". ثم رواه من طريق أبي بكر بن أبي داود عن أبيه عن حجاج بن الشاعر عن عبيد بن أبي قرة "بهذا الحديث"، ثم ذكر عن أبي بكر ابن أبي داود قال: "كتب هذا الحديث عن أبي أحمد بن صالح، والثريا يختلف في عددها: يقولون: ثمانية، ويقول قوم: لا يوقف على عددها كثرة". ثم روى بإسناده إلى يعقوب بن شيبة قال: "روى أبو ميسرة مولى العباس عن العباس أن النبي - ﷺ - قال للعباس: انظر كم في الثريا من نجم، رواه عبيد بن أبي قرة، تفرد به، وهو ثقة صدوق، عن ليث بن سعد عن أبي قبيل عنه". وقد ترجم الذهبي في الميزان لعبيد بن أبي قرة، وأشار إلى روايته هذا الحديث، وقال: "هذا باطل"! وتعقبه الحافظ في لسان الميزان ٤: ١٢٢ - ١٢٣ فقال: "لم أر من سبق المؤلف إلى الحكم على هذا بالبطلان"، وتعقبه أيضًا في التعجيل ٢٧٦ - ٢٧٧ فقال: "وزعم الذهبي في الميزان أن حديث الليث المذكور باطل، وفى كلامه نظر، فإنه من أعلام النبوة، وقد وقع مصداق ذلك، واعتمد البيهقي في الدلائل عليه". ثم أشار إلى بعض طرقه التي ذكرنا، ثم كأنه لم يرض تصحيح الحديث، فالتمس له علة ما هي بعلة! قال: "ثم تذكرت أن للحديث علة أخرى غير تفرد عبيد به، تمنع إخراجه في الصحيح، هو ضعف أبي قبيل، لأنه كان يكثر النقل عن الكتب القديمة، فإخراج الحاكم له في الصحيح من تساهله! وفيه أيضًا أن الذين وَلُوا الخلافة من ذرية العباس أكثر من عدد أنجم الثريا، إلا إن أريد التقييد فيهم بصفة ما، وفيه مع ذلك نظر"!! وهذا تعليل متهافت، لا ينطبق على القواعد الصحيحة لنقد الحديث. في علمنا أن أحدًا زعم أن أبا قبيل كان يكثر النقل عن الكتب القديمة، إلا قول يعقوب بن شيبة فيه: "كان له علم بالملاحم والفتن"، وأين هذا من النقل عن الكتب القديمة؟! ثم لو صح أنه ينقل عنها فمن ذا يستطيع أن يزعم أن هذا الحديث مرده إلى ذلك؟! وهو يرويه بإسناده إلى العباس مرفوعًا، ولو فعل، فاسنده كهذا الإسناد وهو ينقله عن الكتب القديمة لكان كذابًا وضاعًا، وما رماه أحد بذلك ولا بقريب منه، فهذا تعليل باطل لا يؤبه له. وأما نجوم الثريا فإنها كثيرة العدد، أكثر جدًا من العدد الذي زعموا، وكان العرب يعرفون ذلك قديمًا، ففي النهاية واللسان: "ويقال إن خلال أنجم الثريا الظاهرة كواكب خفية كثيرة العدد". قوله في آخر=
[ ٢ / ٣٩٠ ]
قلت: أرى الثريَّا، قال: "أمَا إنه يَلي هذه الأمةَ بعَدَدِها من صُلبك، اثنين في فتنة".
١٧٨٧ - حدثنا يعقوب حدثنا أبي عن ابن إسحق حدثني يحيى بن الأشعث عن إسماعيل بن إياس بن عَفيف الكِنْدِيّ عن أبيه عن جده قال: كنت امرأ تاجِرًا، فقدمت الحجَّ فأتيت العباس بن عبد المطلب لأبتاع منه
_________________
(١) = الحديث "اثنين في فتنة" كذا هو في أصلي المسند ورواية الخطيب ومجمع الزوائد عنه، وما أدري ما تأويله، ولماذا كان على صورة المنصوب أو المجرور؟! ولو كان لى أن أقول في مثل هذا بالظن، لظنت أنه من تحريف النساخ، وأن أصله "آتين في فتنة"، ولكنى لا أستطيع أن أزعم ذلك عن غير بينة.
(٢) إسناده صحيح، عفيف الكندي: صحابي، اختلف في اسم أبيه، والراجح أنه "عفيف ابن عمرو" كما سماه الحاكم في روايته، فيكون نسبه "عفيف بن عمرو بن معدي كرب الكندي" لأن الثابت في هذا الحديث أنه ابن عم الأشعث بن قيس، وجَدّ الأشعث هو "معدي كرب الكندي" وعفيفًا أيضًا أخو الأشعث لأمه، وله ترجمة في الاستيعاب ٥٢٥ - ٥٢٦ قال: "يقال له عفيف بن قيس بن معدي كرب الكندي، ويقال عفيف بن معدي، ويقال إن عفيفًا الكندي الذي له الصحبة غير عفيف بن معدي الذي يروي عن عمر. وقيل إنهما واحد، ولا يختلفون أن عفيفا الكندي له صحبة، روى عنه ابناه يحيى وإياس أحاديث، منها نزوله على العباس في أول الإسلام، حديث حسن جدًا". والذي أرجحه أن عفيفًا هذا غير ابن معدي كرب الراوي عن عمر، فقد فرق بينهما البخاري في الكبير ٤/ ١/ ٧٤ - ٧٥، فترجم لعفيف الكندي وقال: "له صحبة" ثم روى له هذا الحديث كما سنبين إن شاء الله، ثم ترجم: "عفيف ابن معدي كرب، سمع عمر، روى عنه هرون بن عبد الله، خرج من الكوفة إلى عمر"، وتبعه على ذلك أبو حاتم فيما روى عنه ابنه في الجرح التعديل ٢٩١٣، وزاد في ترجمة الأول" ابن عم الأشعث بن قيس". والبخاري وأبو حاتم هما إماما هذا الشأن، وقولهما الحجة إن شاء الله. والظاهر عندي أن بعض الرواة نسب عفيفًا الكندي إلى جده، فاشتبه على بعض العلماء بعفيف بن معدي كرب الرواي عن عمر، والأول قديم كما هو ظاهر من هذا الحديث، وقد ذكره ابن حبيب في المحبر ٢٣٧ فيمن =
[ ٢ / ٣٩١ ]
بعضَ التجارة، وكان امرأ تاجرًا، فوالله إني لَعنده بمنَّي إذ خرج رجل من خباء قريب منه، فنظر إلى الشمس، فلما رآها مالتْ، يعني قام يصلي، قال:
_________________
(١) = "حرم في الجاهلية الخمر والسكر والأزلام" وسماه" عفيف بن معدي كرب الكندي". وقال الحافظ في الإصابة ٤: ٢٤٨ - ٢٤٩: "عفيف الكندي ابن عم الأشعث بن قيس، وقيل عمه، وبه جزم الطبري، وقيل أخوه، والأكثر على أنه ابن عمه وأخوه لأمه. وبه جزم أبو نعيم. قال ابن حبان: له صحبة، وقال الطبري. اسمه شرحبيل، وعفيف لقب، وقال الجاحظ: اسمه شراحيل، ولقب عفيفًا لقوله في أبيات: وقالت لي هلم إلى التصابي فقلت عففت عما تعلمينا" وهذا الذي قاله الجاحظ هو الذي في المحبر ٢٣٩ وذكر البيت وآخرين معه. ونقل الحافظ عن الطبري أنه جزم بأنه عم الأشعث، لعله شبه عليه شيء بشيء، فإن الذي في تاريخ الطبري: "وكان عفيف أخا الأشعث بن قيس الكندي لأمه، وكان ابن عمه"، وكما اختلف في نسبه اختلف في ضبط اسمه "عفيف" والظاهر من كلام الحافظ في الإصابة أن الأكثرين ضبطوه بفتح العين، وأن بعضهم ضبطه بضمها بالتصغير، وشذ الذهبي فضبطه في المشتبه ٣٦٧ بضم العين وتشديد الياء، والظاهر أنه أخطأ فيه جدًا، إذ قال: "وبالتثقيل عفيف بن معدي كرب عن النبي، وعنه ابنه فررة، وقيل سعيد بن عفيف "!! فالظاهر أنه الآخر، اشتبهت عليه الأسماء، والراجح عندي أنه بفتح العين، لأن الحافظ ذكر في ترجمة عفيف الآخر، وهو الذي يروي عنه ابن ابنه "فروة بن سعيد بن عفيف" أن ابن ماكولا فرق بينهما، وضبط هذا بالتصغير، "وذَكَر الأولى في الجادّة" يعني أنه ذكر عفيفًا الكندي- الذي نتحدث عنه هنا- في الذين لم يصغر اسمهم، ويرجح هذا سبب تلقيبه بهذا اللقب، إذ المناسب له أن يكون بالتكبير. ومما يؤيد ما رجحنا أنه "عفيف بن عمرو" أن الحافظ قال في ترجمته في التهذيب ٧: ٢٣٦ - ٢٣٧: "ووقع في المسند لأحمد أنه عفيف بن عمرو". وهذا الذي نقله عن المسند لم أجده فيه، والظاهر أنه ثابت في بعض النسخ، ويؤيده أن الحاكم رواه هكذا من طريق المسند. ابنه إياس بن عفيف: ثقة، ذكره ابن حبان في الثقات، وقال: "روى عن أبيه وله =
[ ٢ / ٣٩٢ ]
ثم خرجت امرأةٌ من ذلك الخباء الذي خرج منه ذلك الرجل، فقامت خلفَه تصلي، ثم خرج غلام حين راهَقَ الحُلُم من ذلك الخباء، فقام معه
_________________
(١) = صحبة، وقد ذكر البخاري أباه في الصحابة" قاله في التعجيل ٤٤، وقال في لسان الميزان ١: ٤٧٥ - ٤٧٦: "وقال ابن أبي حاتم: روى عن أبيه عن النبي - ﷺ -، روى عنه ابنه إسماعيل، يعد في الحجازيين، ولم يذكر فيه جرحًا "ابنه إسماعيل بن إياس: ثقة، ذكره ابن حبان في الثقات، كما في لسان الميزان ١: ٣٩٥ - ٣٩٦ ولم يترجمه في التعجيل، فيستدرك عليه. وإسماعيل هذا وأبوه ترجمهما البخاري في الكبير ١/ ١/ ٣٤٥، ٤٤١ وقال في كل منهما: "فيه نظر". يحيى بن الأشعث: ثقة، ذكره ابن حبان في الثقات، وزعم الذهبي أنه مجهول، وتعقبه الحافظ في التعجيل ٤٣٨ - ٤٣٩ بأن المجهول آخر روى عنه الطيالسي، وترجمه البخاري في الكبير ٤/ ٢/ ٢٦١ فلم يذكر فيه جرحًا، وتختلف الروايات في اسم أبيه، ففي كل موضع ذكر فيه من الكبير للبخاري يذكر باسم "يحيى بن أبي الأشعث" وكذلك في المستدرك وغيره، ويظهر أن الخلاف فيه قديم، لأن الطبري ذكره في إسنادين لهذا في تاريخه الحديث ٢: ٢١٢ - ٢١٣ باسم "يحيى بن أبي الأشعث" قال: "وهو في موضع آخر من كتابى عن يحيى ابن الأشعث". والحديث رواه البخاري في الكبير ٤/ ١/ ٧٤ - ٧٥ عن ابن المديني عن يعقوب بن إبراهيم بن صعد عن أبيه عن ابن إسحق، بهذا الإسناد، وقال: "لا يتابع في هذا"- ورواه يونس بن بكير عن ابن إسحق، كما نقله ابن كثير في التاريخ ٣: ٢٥ وقال عقيبه: "وتابحه إبراهيم بن سعد عن ابن إسحق " ورواه الحاكم في المستدرك ٣: ١٨٣ من طريق أحمد بن حنبل وزهير بن حرب، كلاهما عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد عن أبيه، قال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وله شاهد معتبر من أولاد عفيف بن عمرو"، وقال الذهبي: "صحيح ". ورواه الطبري في التاريخ ٢: ٢١٢ - ٢١٣ عن أبي كريب عن يونس بن بكير، وعن ابن حميد عن سلمة بن الفضل وعلى بن مجاهد، ثلاثتهم عن ابن إسحق. ورواه ابن عبد البر في الاستيعاب ٥٢٥ - ٥٢٦ من طريق زهيربن حرب ومن طريق يحيى بن معين، كلاهما عن يعقوب بن إبراهيم عن أبيه. وفى الميزان ١: ١٠٤ أنه رواه أيضًا يحيى بن سعيد الأنصاري عن إبراهيم بن سعد. وفى الإصابة ٤: ٢٤٩ أنه رواه أيضًا البغوي وابن أبي =
[ ٢ / ٣٩٣ ]
يصلي، قال: فقلتُ للعباس: من هذا يا عباسِ؟ قال: هذا محمد بن عبد الله ابن عبد المطلب، ابن أخى، قال: فقلت: من هذه المرأة؟ قال: هذه امرأتُه خديجة ابنة خُويْلد، قال: قلت: مَن هذا الفتى؟ قال: هذا عليُّ بن أبي
_________________
(١) = خيثمة وابن منده وصاحب الغيلانيات، كلهم من طريق يعقوب بن إبراهيم بن سعد. وهو في مجمع الزوائد ٩: ١٠٣ وقال: "رواه أحمد وأبو يعلى بنحوه والطبراني بأسانيد، ورجال أحمد ثقات". وفى معنى هذا الحديث حديث آخر لابن مسعود، ذكر في مجمع الزوائد ٩: ٢٢٢. وأما "الشاهد المعتبر من أولاد عفيف بن عمرو" الذي أشار إليه الحاكم، فإنه يريد به الحديث الذي رواه ابن عبد البر في الاستيعاب ٥٢٦ بإسناده إلى أبي غسان مالك بن إسماعيل قال: "حدثنا سعيد بن خثيم الهلالي عن أسد بن عبد الله البجلي عن ابن يحيى بن عفيف عن أبيه عن جده عفيف" فنذكر الحديث بمعناه، قال ابن عبد البر: "رواه عن سعيد بن خثيم جماعة، منهم عبد الرحمن بن صالح الأزدي وأبو غسان مالك ابن إسماعيل". ورواه الطبري في التاريخ٢: ٢١٢ عن محمد بن عبيد المحاربي عن سعيد بن خثيم عن أسد بن عبدة البجلي عن يحيى بن عفيف عن عفيف". ورواه ابن سعد في الطبقات ٨: ١٠ - ١١ عن يحيى بن الفرات القزاز "حدثنا سعيد بن خثيم الهلالي عن أسد بن عبيدة البجلي عن ابن يحيى بن عفيف عن جده عفيف الكندي". ورواه النسائي في خصائص على ص ٢ - ٣ عن محمد ابن عبيد بن محمد الكوفي قال: "حدثنا سعيد بن خثيم عن أسد بن وداعة عن أبي يحيى بن عفيف عن أبيه عن جده عفيف". ورواه ابن الأثير في أسد الغابة ٣: ٤١٤ من طريق أبي يعلى عن عبد الرحمن بن صالح الأزدي "حدثنا سعيد بن خثيم الهلالي عن أسد بن وداعة البجلي عن أبي يحيى بن عفيف عن أبيه عن جده عفيف"، ونقل ابن كثير هذا الحديث في تاريخه ٣: ٢٥ عن الطبري، وذكره الحافظ في الإصابة ٤: ٢٤٨ - ٢٤٩ ونسبه للبغوي وأبى يعلى والنسائي في الخصائص والعقيلي في الضعفاء. وأنت ترى أن هذه الروايات اختلفت في اسم "أسد بن عبد الله البجلي"، فذكره الطبري باسم "أسد بن عبدة" وابن سعد باسم "أسد بن عبيدة" والنسائي وأبو يعلى في رواية =
[ ٢ / ٣٩٤ ]
طالب، ابنُ عمه، قال: فقلت: فما هذا الذي يصنع؟ قال: يصلي، وهو يزعم أنه نبي، ولم يَتْبَعْه على أمره إلا امرأتُه وابنُ عمه هذا/ الفتى، وهو
_________________
(١) = أسد الغابة باسم "أسد بن وداعة". وكل هذا خطأ، والصواب أنه "أسد بن عبد الله البجلي"، كما في رواية ابن عبد البر، وقد ترجمه البخاري في الكبير ١/ ٢/ ٥٠ قال: "أسد بن عبد الله البجلي، وأثنى عليه سعيد بن خثيم خيرًا، سمع ابن يحيى بن عفيف عن جده، أخو خالد القسري" وذكره أيضا بهذا الاسم في ترجمة "سعيد بن خثيم" ٢/ ١/ ٤٣٠ وذكر أن سعيدم روى عنه. ومن عجب أن الحافظ سماه في الإصابة فيما نقل عن النسائي وغيره "أسد بن وداعة" ولكنه لم يترجم له في التهذيب بهذا الاسم، بل ترجم له على الصواب "أسد بن عبد الله بن يزيد بن أسد بن كرز بن عامر البجلي" ١: ٢٥٩ - ٢٦٠ وذكره على الصواب أيضًا "أسد بن عبد الله" في ترجمة "يحيى بن عفيف" ١١: ٢٨٥ وكذلك في لسان الميزان نقلا عن الميزان وعن أبي يعلى والخصائص للنسائي، في ترجمة "إسماعيل بن إياس" ١: ٣٩٥. وهذا اختلاف عجيب! فقد يفهم أن يُحَرَّف اسم "عبد الله" إلى "عبدة" وإلى "عبيدة" أما تحريفه إلى "وداعة" فلا أدري كيف كان. ثم لم يترجم أحد قط- فيما علمت- لمن يسمى "أسد ابن وداعة"، والظاهر أن نسخ الخصائص كانت مختلفة، كما يبدو من نقل الحافظ عنها نقلين مختلفين. وترى أيضًا أن الروايات اختلفت: أهو "عن ابن يحيى بن عفيف" أم "عن أبي يحيى بن عفيف" أم عن "يحيى بن عفيف"؟ أما الحافظ فقد نقل في الإصابة عن البغوي وأبي يعلى والنسائي والعقيلي أنه "عن أبي يحيى بن عفيف عن أبيه عن جده" وكذلك هو في نسخة الخصائص المطبوعة وفى أسد الغابة نقلا عن أبي يعلى، وهذا خطأ يقينًا، لأنه يكون الحديث من رواية والد عفيف! ولم يقل بذلك أحد، ويظهر أنه تحريف في النسخ، لأن الذهبي نقل في الميزان١: ١٠٤ أن رواية سعيد بن خثيم "عن أسد بن عبد الله عن ابن يحيى بن عفيف عن أبيه عن جده" كرواية ابن عبد البر، وعقب عليه الحافظ في لسان الميزان: ١: ٣٩٥ بقوله: "ورواية سعيد بن خثيم هكذا عند أبي يعلى، والذي في كتاب الخصائص للنسائي: عن أسد بن عبد الله عن =
[ ٢ / ٣٩٥ ]
يزعم أنه سَيُفتَح عليه كنوزكسرى وقيصرَ، قال: فكان عفيف، وهو ابنُ عم الأشعث بن قيس، يقول، وأَسْلَم بعد ذلك فَحَسُنَ إسلامه: لو كان الله رزقني الإسلامَ يومئذٍ كونَ ثالثًا مع على بن أبي طالب.
١٧٨٨ - حدثنا أبو نعيم عن سفيان عنِ يزيد بن أبي زياد عن عبد الله بن الحرث بن نوفل عن المطلب بن أبي وَداعة قال: قال العباس: بلغه - ﷺ - بعضُ ما يقول الناس، قال: فصَعِدَ المنبرَ فقال: "مَنْ أنا؟ "، قالوا: أنت
_________________
(١) = يحيى بن عفيف عن أبيه عفيف". وهذا يوافق رواية الطبري، ويوافق ما في التهذيب في ترجمة أسد أنه يروي عن يحيى نفسه، وكذلك في ترجمة يحيى أنه يروي عنه أسد، بل قال الذهبي في الميزان ٣: ٢٩٨: "تفرد عنه أسد بن عبد الله" ولكنه ناقض نفسه، فقال في الميزان في ترجمة أسد ١: ٩٦ "عن ولد يحيى بن عفيف"!! وأما رواية بن سعد "عن ابن يحيى بن عفيف عن جده" فإنها توافق نقل البخاري في ترجمة أسد ١/ ٢/ ٥٠ إذ قال إنه "سمع ابن يحيى بن عفيف عن جده" وتوافق صنعيه في أنه لم يذكر ترجمة "يحيى بن عفيف" بل ذكر ترجمة ابنه المبهم في "باب من لا يعرف له اسم ويعرفون بآبائهم" فقال في آخر هذا الباب، وهي آخر ترجمة في الكتاب: "ابن يحيى بن عفيف الكندي" ثم لم يذكر عنه شيئًا. وأنا أظن أن ما نقل البخاري وابن سعد هو الأقرب للصواب. وهذه متابعة لا بأس بها لرواية إسماعيل بن إياس، التي معنا، وإن كان فيها ابن يحيى المبهم، وأما يحيى فقد ذكره ابن حبان في الثقات، كما نقل الحافظ في التهذيب.
(٢) إسناده صحيح، سفيان: هو الثوري. المطلب بن أبي وداعة السهمي: صحابي أسلم يوم الفتح، وهذا الحديث من روايته عن العباس كما ترى، ورواه الترمذي ٤: ٢٩٢ - ٣ - ٢٩ من طريق الثوري بإسناده "عن المطلب بن أبي وداعة قال: جاء العباس إلى النبي - ﷺ - وكأنه سمع شيئًا، فقام النبي - ﷺ - على المنبر" إلخ، وكذلك رواه البغوي فيما نقل الحافظ في الإصابة ٦: ١٠٤، فأوهم هذا أنه من مسند المطلب، ولكنه من روايته عن العباس، ولذلك لم يذكره الإمام أحمد فيما سيأتي من مسند المطلب في ثلاثة مواضع من المسند. وقال الترمذي: "هذا حديث حسن". وفي معنى هذا الحديث آخر رواه عبد المطلب بن =
[ ٢ / ٣٩٦ ]
رسول الله، فقال: "أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، إن الله خلق الخلق، فجعلني في خير خلقه، وجعلهم فرقتين، فجعلني في خير فرقة، وخلق القبائلَ، فجعلني في خير قبيلة، وجعلهم بيوتًا، فجعلني في خيرهم بيتًا، فأنا خيركم بيتًا وخيركم نَفْسًا".
١٧٨٩ - حدثنا عفان حدثنا أبو عَوَانة حدثنا عبد الملك بن عُمير عن عبد الله بن الحرث بن نوفل عن عباس بنِ عبد المطلب قال: يا رسول الله، هل نفعتَ أبا طالب بشيء، فإنه قد كان يحوطُك ويغضب لك؟ قال: "نعم، هو في ضَحْضَاح من النار، لولا ذلك لكان هو في الدرك الأسفل من لنار".
١٧٩٠ - حدثنا أسباط بن محمد حدثنا هشام بن سعد عن عُبيد الله بن عباس بن عبد المطلب أخي عبد الله قال: كان للعباس ميزابٌ على طريق عمر بن الخطاب، فلبس عمر ثيابه يوم الجمعة، وقد كانَ ذبح للعباس فرخانِ، فلما وافَى الميزابَ صُبَّ ماءٌ بدم الفرخين، فأصاب عمر وفيه دم الفرخين، فأمر عمر بقلعه، ثم رجَع عمر فطرح ثيابه ولبس ثيابًا غير ثيابه، ثم جاء فصلى بالناس، فأتاه العباس فقال: والله إنه لَلمَوْضِعُ الذي وضَعه النبي - ﷺ -، فقال عمر للعباس: وأنا أَعْزمُ عليك لَمَا صعدت على ظهري حتى تضعه في الموضع الذي وضعه رسول الله - ﷺ -، ففعل ذلك العباس.
_________________
(١) = ربيعة ابن الحرت، سيأتي في المسند ٤: ١٦٥ - ١٦٦ ح.
(٢) إسناده صحيح، وهو مكرر ١٧٧٤. وقد مضى أيضًا بهذا الإسناد ١٧٦٨. وانظر ٢٦٣٦.
(٣) إسناده ضعيف، لانقطاعه. هشام بن سعد: صدوق، كما قلنا في ٢١٣، ولكنه متأخر لا يروي إلا عن التابعين، مات سنة ١٦٠. عبيد الله بن عباس: من صغار الصحابة، كما =
[ ٢ / ٣٩٧ ]