قال الشيخ عبد المنعم بن عليّ بن مُفْلح الحنبلي (٢): أخبرتني الشيخة الجليلة الأصيلة المسندة المعمَّرة، أم عبد الله عائشة ابنة محمد بن عبد الهادي ابن عبد الحميد بن عبد الهادي بن يوسف بن محمد بن قدامه المقدسي الصالحي (٣)، إجازةً منها، قالت: أنبانا أبو عبد الله بن أحمد بن تمام بن حسان الصالحي وغيره، عن أبي العباس أحمد بن عبد الدائم بن نعمة المقدسي، قال: أخبرنا الحافظ أبو محمد عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي سماعًا (ح) قالت عائشة: وأنبأتنا به عاليًا بدرجةٍ أمّ عبد الله زينب ابنة عبد الرحيم بن أحمد بن عبد الرحمن البجدي، عن الحافظ ضياء الدين أبي عبد الله محمد بن عبد الواحد بن أحمد بن عبد الرحمن المقدسي، قالا: أنبأنا الحافظ أبو موسى محمد بن عمر بن أحمد بن عمر الأصبهاني المديني، رحمه الله تعالى، قال: الحمد لله الواسع المنعم، المفضل المكرم، العالم المعلم، الذي أحسن بدءًا وغفر آخرًا. وصلواته على محمد المختار من
_________________
(١) ولد بأصبهان سنة ٥٠١ وحصل بها من المسموعات ما لم يحصله أحد في زمانه، مع الحفظ والإتقان، وله مؤلفات كثيرة نافعة. ومن تلاميذه الحافظ أبو سعد السمعاني والحافظ عبد الغنى المقدسي، وغيرهما. ومات ببلده ليلة الأربعاء ٩ جمادى الأولى سنة ٥٨١.
(٢) هو صدر الدين عبد المنعم بن القاضي علاء الدين علي بن أبي بكر بن مفلح. أخذ العلم عن والده وغيره، وكان من أهل العلم والدين. مات بحلب في ربيع الآخر سنة ٨٩٧. وله ترجمة في شذرات الذهب ٧: ٣٥٩ - ٣٩٦.
(٣) كانت محدثة دمشق، ولدت سنة ٧٢٣، وماتت في أحد الربيعين سنة ٨١٦. عن الشذرات ٧: ١٢٠ - ١٢١.
[ ١ / ٢٢ ]
خلقه وعلى آله.
أما بعد: فإن مما أنعم الله علينا، أن رَزَقَنا سماعَ كتاب المسند للإمام الكبير، إمام الدين أبي عبد الله بن أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني رحمه الله تعالى. فحصّل لي والدي، ﵀ وجزاه عني خيرًا، إحضاري قراءته سنة خمس وخمسمائة، على الشيخ المقريء بقية المشايخ أبي علي الحسن بن الحداد.
وكان سماعه لأكثره عن أبي نعيم أحمد بن عبد الله الحافظ -وما فاته منه قريء عليه بإجازته له- وأبو نعيم كان يرويه عن شيخيه أبي علي محمد ابن أحمد بن الحسن الصواف، وأبي بكر أحمد بن جعفر بن حمدان بن مالك القطيعيّ، على ما تنطق فهرست مسموعاتي بخط والدي ﵀.
ثم قرأناه أجمع ببغداد على الشيخ الرئيس الثقة أبي القاسم هبة الله بن محمد بن عبد الواحد بن الحصين الشيباني، من أصل سماعه إلا ما لم يكن عند شيخه، عن أبي على الحسن بن علي بن المذْهِب التميمي الواعظ، عن أبي بكر أحمد بن جعفر بن حمدان القطيعي، عن عبد الله بن أحمد عن أبيه، رحمهما الله تعالى.
ولعمري إن من كان من قبلنا من الحفاظ يتبجحون بجزء واحد يقع لهم من حديث هذا الإمام الكبير، على ما أخبرني الإمام الحافظ أستاذي أبو القاسم إسماعيل بن محمد ﵀ في إجازته لي، قال: أخبرنا أبو بكر ابن مَرْدَوَيه قال: كتب إليّ أبو حازم العبدوي، يذكر أنه سمع الحاكم أبا عبد الله عند منصرفه من بخارَى يقول: كنت [عند] أبي محمد المزني، فقدم عليه إنسان علوي من بغداد، وكان أقام ببغداد على كتابة الحديث، فسأله أبو محمد المزني، وذلك في سنة ست وخمسين وثلثمائة، عن فائدته ببغداد، وعن باقي إسناد العراق، فذكر في جملة ما ذكر: سمعت مسند
[ ١ / ٢٣ ]
أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى من أبي بكر بن مالكٍ في مائة جزء وخمسين جزءًا، فعجب أبو محمد المزني من ذلك، وقال: مائة وخمسون جزءًا من حديث أحمد بن حنبل؟! كنا ونحن بالعراق إذا رأينا عند شيخ من شيوخنا جزءًا من حديث أحمد بن حنبل قضينا العجب من ذلك، فكيف في هذا الوقت هذا المسند الجليل! فعزم الحاكم على إخراج الصحيحين، ولم يكن عنده مسند إسحق الحنظلي، ولا مسند عبد الله بن شِيرويه، ولا مسند أبي العباس السراج، وكان في قلبه ما سمعه من أبي محمد المزني، فعزم على أن يخرج إلى الحج في موسم سنة سبع وستين، فلما ورد في سنة ثمان وستين، أقام بعد الحج ببغداد أشهرًا، وسمع جملة المسند من أبي بكر بن مالك، وعاد إلى وطنه، ومد يده إلى إخراج الصحيحين على تراجم المسند (١).
قال شيخنا الحافظ رحمه الله تعالى: وفى هذه السنة مات ابن مالك في آخر السنة سنة ثمان وستين. وأبو محمد المزني هذا من الحفاظ الكبار المكثرين.
وهذا الكتاب أصل كبير، ومرجع وثيق لأصحاب الحديث، انتُقي من حديث كثير ومسموعات وافرة، فجعله إمامًا ومعتمدًا، وعند التنازع ملجأ ومستندًا.
على ما أخبرنا والدي وغيره، رحمهما الله تعالى: أن المبارك بن عبد الجبار أبا الحسين كتب إليهما من بغداد: أخبرنا أبو إسحق إبراهيم بن
_________________
(١) أظنه يريد: إخراج المستدرك على الصحيحين، وهو مستدرك الحاكم، المعروف المطبوع في حيدرآباد، في أربعة مجلدات كبار.
[ ١ / ٢٤ ]
عمر بن أحمد بن إبراهيم البرمكي قراءة عليه، حدثنا أبو الحفص عمر بن محمد بن رجاء، حدثنا موسى بن حمدون البزار، قال: قال لنا حنبل بن إسحق: جمعنا عمي، لي ولصالح ولعبد الله، وقرأ علينا المسند، وما سمعه منه -يعنى تامًا- غيرنا، وقال لنا: إن هذا الكتاب قد جمعته وأتقنته من أكثر من سبعمائة وخمسين ألفًا، فما اختلف المسلمون فيه من حديث رسول الله - ﷺ - فارجعوا إليه، فإن كان فيه وإلا فليس بحجة (١).
بخط أبي بكر بن أبي نصر، قال أبو الحسن اللبناني: سمعت عبد الله ابن أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى يقول: كتب أبي عشرة آلاف ألف حديث، ولم يكتب سوادًا في بياض إلا قد حفظه.
وبه قال: أخبرنا البرمكي قراءة عليه فأقرّ به: حدثنى أبي حدثني أبو محمد القاسم بن الحسين الباقلاني بسُرّ مَنْ رأى، قال سمعت أبا بكر بن أبي حامد الفقيه صاحب بيت المال، سمعت عبد الله بن أحمد بن حنبل يقول: قلت لأبي رحمه الله تعالى: لم كرهتَ وضع الكتب وقد عملت المسند؟ فقال عملت هذا الكتاب إمامًا، إذا اختلف الناس في سنة رسول الله - ﷺ - رُجع إليه.
قال: وحدثني أيضًا القاسم، قال: سمعت أبا الحسن بن عبيد الحافظ، سمعت أبا عبد الرحمن عبد الله بن أحمد يقول: خرج أبي المسند من سبعمائة ألف حديث.
_________________
(١) هذه الألوف الكثيرة لا يراد بها أنها كلها أحاديث متباينة، كما يبدو من ظاهر اللفظ، وكما يظن كثير ممن لا يعرف، ويجعله أعداء السنة مطعنًا في السنة كلها، يزعمون أن أكثرها غير صحيح! كلا، إنما هي طرق متعددة للأحاديث، فقد يروى الحديث الواحد بعشرات الأسانيد، فيختار المؤلف، كالإمام أحمد، أو البخاري، أصحها وأوثقها. ويدع المرسل والمنقطع وما في إسناده ضعف كثير، ورب حديث جاء بإسناد ضعيف وبأسانيد صحيحة. وفي هذه الألوف أيضًا آثار الصحابة والتابعين وغيرهم، يرويها المحدثون عنهم بالأسانيد، ويعدونها في عد الحديث.
[ ١ / ٢٥ ]
قال الشيخ الحافظ أبو موسى ﵀: ولم يخرّج إلا عمن ثبت عنده صدقه وديانته، دون من طعن في أمانته. كما قرأته ببغداد على أبي منصور عبد الرحمن بن محمد بن عبد الواحد القزاز، أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الحافظ، أخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمد العتيقي، أخبرنا يوسف بن أحمد الصيدلاني بمكة، حدثنا محمد بن عمرو العقيلي، حدثنا عبد الله بن أحمد: سألت أبي عن عبد العزيز بن أبان؟ فقال: لم أُخَرّج عنه في المسند شيئًا، قد أخرجت عنه على غير وجه الحديث، لما حدّث بحديث المواقيت تركته.
فأما عدد أحاديث المسند، فلم أزل أسمعُ من أفواه الناس أنها أربعون ألفًا، إلى أن قرأت على أبي منصور بن زريق ببغداد، أخبرنا أبو بكر الخطيب (١)، قال: وقال ابن المنادي: لم يكن في الدنيا أحد أروى عن أبيه منه، يعني عبد الله بن أحمد بن حنبل، لأنه سمع المسند، وهو ثلاثون ألفًا، والتفسير، وهو مائة ألف وعشرون ألفًا، سمع منه ثمانين ألفًا والباقي وِجادةٌ (٢). فلا أدري هل الذي ذكره ابن المنادي أراد به ما لا مكرر فيه، أو أراد غيره مع المكرر؟ فيصح القولان جميعًا، أو الاعتماد على قول ابن المنادي دون غيره. ولو وجدنا فراغًا لعددناه إن شاء الله تعالى (٣).
_________________
(١) تاريخ بغداد ٩: ٣٧٥.
(٢) هنا في الأصل زيادة كلمة "وذكره" ولا معنى لها في هذا الموضع، ولا هي في تاريخ بغداد.
(٣) هو على اليقين أكثر من ثلاثين ألفًا. وقد لا يبلغ الأربعين ألفًا. وسيتبين عدده الصحيح عند إتمامه إن شاء الله. يقول مكمله حمزة: إنه لم يتجاوز الثلاثين ألفا بالمكرر. أ. هـ.
[ ١ / ٢٦ ]
فأما عدد الصحابة فنحو من سبعمائة رجل.
وجدت بخط الشيخ حامد بن أبي الفتح، ذكره أبو عبد الله الحسين بن أحمد الأسدي في كتابه المسمى (مناقب أحمد بن حنبل) أنه سمع أبا بكر بن مالك، يذكر أن جملة ما وعاه المسند أربعون ألف حديث غير ثلاثين أو أربعين، قال: وسمعته -يعني أبا بكر بن مالك- سمعت عبد الله بن أحمد بن حنبل يقول: أخرج أبي هذا المسند من جملة سبعمائة ألف حديث. وقال أبو عبد الله الأسدي: وقد أفردت لذلك كتابًا في جزء واحد، وسميته (كتاب المدخل إلى المسند) أثبتُّ فيه ذلك أجمع.
وذكر الأسدي: سمعت أبا بكر بن مالك يقول: رأيت أبا بكر أحمد ابن سلمان النجاد في النوم، وهو على حالة جميلة، فقلت: أي شيء كان خبرك؟ قال: كل ما تحب، الزم ما أنت عليه وما نحن عليه، فإن الأمر هو ما نحن عليه وما أنتم عليه. ثم قال: بالله إلا حفظت هذا المسند، فهو إمام المسلمين واليه يرجعون، وقد كنت قديمًا أسألك بالله إن أعَرْتَ منه أكثر من جزء لمن تعرفه، ليبقى.
قال: وسمعت أبا بكر بن مالك يقول: حضرت مجلس يوسف القاضي سنة خمس وثمانين ومائتين، أسمع منه كتاب الوقوف، فقال لي: من عنده مسند أحمد بن حنبل والفضائل أيش يعملُ ههنا؟ أو كلامًا نحو هذا.
ومن الدليل على أن ما أودعه الإمام أحمد رحمه الله تعالى مسنده قد احتاط فيه إسنادًا ومتنًا، ولم يورد فيه إلا ما صح عنده، على ما أخبرنا أبو علي سنة خمس، قال: حدثنا أبو نعيم (ح) وأخبرنا ابن الحصين قال: أخبرنا ابن المذْهب قال: أخبرنا القَطيعي قال: حدثنا عبد الله قال: حدثني أبي: قال: حدثنا محمد بن جعفر قال حدثنا شعبة عن أبي التَّيَّاح، قال: سمعتُ
[ ١ / ٢٧ ]
أبا زُرْعَةَ يحدث عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - أنه قال: يُهلك أمتي هذا الحيُّ من قريش، قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله، قال: لو أن الناس اعتزلوهم؟ قال عبد الله: قال لي أبي في مرضه الذي مات فيه: اضربْ على هذا الحديث، فإنه خلاف الأحاديث عن النبي - ﷺ -، يعني قوله: اسمعوا وأطيعوا [واصبروا].
وهذا مع ثقة رجال إسناده حين شذ لفظه عن الأحاديث المشاهير أمر بالضرب عليه، فقال عليه ما قلناه. وفيه نظائر له (١).
بخط أحمد بن محمد بن البرداني، عن أبي علي بن الصواف قال: سمعت عبد الله بن أحمد يقول: صنف أبي المسند بعد ما جاء من عند عبد الرزاق.
ذكر علي بن الحسين بن جدي، قال: قرأت بخط أبي حفص عمر ابن عبد الله العكبري، قال: سمعت أبا عبد الله عبيد الله بن محمد، قال سمعت أبا بكر أحمد بن سلمان يقول: سمعت أبا بكر يعقوب بن يوسف المطوعي يقول: جلست إلى أبي عبد الله أحمد بن حنبل ثلاث عشرة سنة، وهو يقرأ المسند على أولاده، ما كتبت منه حرفًا واحدًا، وإنما كنت أكتب آدابه وأخلاقه وأتحفظها. وقال عبيد الله: قال لي أبو بكر بن أيوب: سمعت
_________________
(١) هذا الحديث في المسند برقم ٧٩٩٢. وكلمة أحمد في الأمر بالضرب عليه ثابتة عقبه. وقد زدنا منه كلمة "واصبروا". وهو من أمانة عبد الله وشدة تحريه، فإن الإسناد صحيح لا مطعن عليه، وكونه في ظاهره مخالفًا للأمر بالسمع والطاعة ليس علة له، وما هو بالأمر بمخالفتهم والخروج عليهم، فلا ينافي السمع والطاعة. والحديث رواه الإمام بأسانيد أخرى أكثرها صحيح. ولكن ليس فيها "لو أن الناس اعتزلوهم". وهي بالأرقام ٧٨٥٨، ٧٩٦١، ٨٠٢٠، ٨٢٨٣، ٨٣٣٩، ٨٨٨٨، ١٠٢٩٧، ١٠٧٤٨، ١٠٩٤٠. وأبو زرعة: هو ابن عمرو بن جرير. وأبو التياح: هو يزيد بن حميد الضبعي.
[ ١ / ٢٨ ]
يعقوب يقول: كنت أختلف إلى أحمد ثلاث عشرة سنة، لا أكتب عنه، وهو يقرأ المسند، إنما كنت أنظر إلى هديه أتأدَّبُ به.
أخبرنا ابن الحُصين بإسناده: حدثنا عبد الله حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا جرير عن محمد بن سالم عن أبي إسحق عن عاصم بن ضَمرة عن علي ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: فيما سقت السماء العشر، وما يُسقى بالغَرْب والداليَة ففيه نصف العشر. قال أبو عبد الرحمن: فحدثت أبي بحديث عثمان عن جرير فأنكره جدا، وكان أبي لا يحدثنا عن محمد بن سالم لضعفه عنده وإنكاره لحديثه.
وقال عبد الله: حدثنا شيبان أبو محمد حدثنا عبد الوارث بن سعيد حدثنا الحسن بن ذكوان عن عمرو بن خالد عن حبيب بن أبي ثابت عن عاصم ابن ضَمْرة عن علي ﵁ عن النبي - ﷺ -، قال: أتاني جبريل ﵇ فلم يدخل عليه، فقال النبي - ﷺ -: ما منعك أن تدخل؟ قال: إنا لا ندخل بيتًا فيه صورة ولا بول. قال: وحدثناه شيبان مرة أخرى: حدثنا عبد الوارث عن حسن بن ذكوان عن عمرو بن خالد عن حبَّة بن أبي حبة عن عاصم نحوه. قال: وكان أبي لا يحدث عن عمرو بن خالد، يعني كان حديثه لا يسوى عنده شيئًا. قال: وكان في كتاب أبي عن عبد الصمد عن أبيه عن الحسن، يعني ابن ذكوان، عن حبيب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ أن النبي - ﷺ - نهى أن يمشي في خف واحد أو نعل واحد. وفى الحديث كلام كثير غير هذا، فلم يحدثنا به، ضرب عليه في كتابه، فظننت أنه ترك حديثه من أجل أنه روى عن عمرو بن خالد الذي يحدث عن زيد بن علي، وعمرو بن خالد لا يسوى شيئا، وهذا أقوى، لأنه لم يرو عمن روى عن ضعيف وإن كان حاله خالصا.
وبه: حدثنا أبو عامر حدثنا خارجة بن عبد الله عن أبي الرجال عن أمه
[ ١ / ٢٩ ]
عمرة، وبه: حدثنا عصام بن خالد حدثني صفوان بن عمرو عن سليم بن
عامر الخبائري وأبو اليمان الهَوْزَني عن أبي أمامة أن رسول الله - ﷺ - قال: "إن الله تعالى وعدني أن يدخل من أمتي الجنة سبعين ألفًا بغير حساب"، فقال يزيد بن الأخنس السلمي: والله ما أولئك في أمتك إلا كالذباب الأصهب في الذباب! فقال رسول الله - ﷺ -: "فإن ربي ﷿ قد وعدني سبعين ألفًا مع كل ألف سبعين ألفًا، وزادني ثلاث حثيات"، قال: فما سعة حوضك يا نبي الله؟ قال: "كما بين عدن إلى عمان وأوسع وأوسع، يشير بيده، قال: فيه مَثْعَبان من ذهب وفضة" (١)، قال: فماء حوضك؟ قال: "ماء أشدُّ بياضا من اللبن، وأحلى مذاقةً من العسل، وأطيبُ رائحةً من المسك، من شرب منه لم يظمأ بعدها".
وبهذا الإسناد، قال عبد الله: وجدت هذا الحديث في كتاب أبي بخطه وقد ضرب عليه، فظننت أنه قد ضرب عليه لأنه خطأ، إنما هو عن زيد عن أبي سلام عن أبي أمامة.
قال: حدثنا يزيد قال: أخبرنا رجل كان يسمَّى في كتاب أبي عبد الرحمن عَمرو بن عُبيد، حدثنا أبو رجاء العُطاردِيّ عن عمران بن حُصين قال: ما شبع آل محمد - ﷺ - من خبز مأدوم حتى مضى لوجهه.
قال عبد الله: وكان أبي قد ضرب على هذا الحديث في كتابه، فسألته، وحدثني به، وكتب عليه صح صح. قال إنما ضرب أبي على هذا الحديث لأنه لم يرض الرجل الذي حدث عنه يزيد.
قال الشيخ الإمام الحافظ أبو موسى: قد روى لابنه الحديث، لكنه ضرب عليه في المسند، لأنه أراد أن لا يكون في المسند إلا الثقات، ويروي في غير
_________________
(١) المثعب، بفتح الميم: مكان انثعاب الماء، أي سيلانه وجريانه، جمعه "مثاعب".
[ ١ / ٣٠ ]
المسند عمن ليس بذاك.
ذكر أبو العز بن كادس أن عبد الله بن أحمد، قال لأبيه: ما تقول في حديث ربعيّ عن حذيفة؟ قال: الذي يرويه عبد العزيز بن أبي رَوَّاد؟ قلت: يصح؟ قال: لا، الأحاديث بخلافه، وقد رواه الخياط عن ربعي عن رجل لم يسموه، قال: قلت له: فقد ذكرته في المسند؟ فقال: قصدت في المسند الحديثَ المشهورَ وتركتُ الناس تحت ستر الله تعالى، ولو أردت أن أقصد ما صح عندي، لم أروِ من هذا المسند إلا الشيء بعد الشيء، ولكنك يا بني تعرف طريقتي في الحديث، لست أخالف ما ضَعف إذا لم يكن في الباب ما يدفعه.
قال الشيخ الحافظ: وهذا ما أظنه يصح، لأنه كلام متناقض، لأنه يقول: لستُ أخالف ما فيه ضعف إذا لم يكن في الباب شيء يدفعه، وهو يقول في هذا الحديث بخلافه وإن صح، فلعله كان أولًا ثم أخرج منه ما ضعف لأني طلبته في المسند فلم أجده.
آخر خصائص المسند إملاء الحافظ أبي موسى المديني رحمه الله تعالى علقه لنفسه فقير عفو ربه تعالى عبد المنعم بن علي بن مفلح الحنبلي، عفا الله عنه، في ذي القعدة سنة خمس وتسعين وثمانمائة، أحسن الله تقضّيها في خير.
[ ١ / ٣١ ]
بسم الله الرحمن الرحيم