١٣٨١ - حدثنا وكيع حدثنا نافع بن عمر وعبد الجبار بن وَرْد عن ابن أبي مُلَيكة قال: قال طلحة بن عبيد الله: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "نِعْمَ أهلُ البيت عبد الله وأبو عبد الله وأمُّ عبد الله".
١٣٨٢ - حدثنا عبد الرحمن حدثنا نافع بن عمر وعبد الجبار بن
_________________
(١) هو طلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي. وهو أحد العشرة المبشرة: بالجنة، وأحد الثمانية الذين سبقوا إلى الإسلام، وأحد الخمسة الذين أسلموا على يد أبي بكر، وأحد الستة أصحاب الشورى الذين رشحهم عمر للخلافة عند مقتله. قتل طلحة يوم الجمل سنة ٣٦ وله من العمر ٦٤ سنة، ﵀ ورضي عنه.
(٢) إسناده ضعيف، لانقطاعه. وكيع بن الجراح بن مليح الرؤاسي: إمام ثقة حافظ، قال أحمد: "ما رأيت أوعى للعلم من وكيع، ولا أحفظ منه". وقد مضى عنه حديث كثير، ولكنا لم نترجم له فترجمنا له هنا. نافع بن عمر: مضى في ٥٩. عبد الجبار بن ورد بن أغر بن الورد المكي: ثقة، وثقه أحمد وابن معين وغيرهما. ابن أبي ملكية: هو عبد الله ابن عبيد الله بن أبي مليكة: تابعي ثقة كما قلنا في ٥٩، ٨٩٨ ولكنه لم يدرك طلحة ابن عبيد الله، وإن لم يجزم بذلك الحافظ في التهذيب، قال: "وقيل لم يسمع منه"، ولكن طلحة قتل يوم الجمل سنة ٣٦ وابن أبي مليكة مات سنة ١١٧ كما جزم بذلك ابن سعد ٥: ٣٤٧ - ٣٤٨ والبخاري في الصغير ١٣١، فبين وفاتيهما ٨١ سنة. " عبد الله وأبوه وأمه": هو عبد الله بن عمرو بن العاص، وأمه ريطة بنت منبه بن الحجاج ابن عامر السهمية، أسلمت وبايعت. وانظر الحديث التالي لهذا.
(٣) إسناده ضعيف، لانقطاعه، كالذي قبله سواء. عبد الرحمن: هو ابن مهدي. والقِسم الأول من هذا الحديث رواه الترمذي ٤: ٣٥٥ وقال: "هذا حديث إنما نعرفه من حديث نافع بن عمر الجمحي، ونافع ثقة، وليس إسناده بمتصل، ابن أبي مليكة لم يدرك طلحة". ولم يعرفه الترمذي إلاحديث نافع، ولكن عرفه الإمام أحمد من =
[ ٢ / ١٧١ ]
الوَرْد عن ابن أبي مُلَيكة قال: قال طلحة بن عبيد الله: لا أحدِّث عن رسول الله - ﷺ - شيئًا- إلا أني سمعته يقول: "إن عمرو بن العاص من صالح قريش "، قال: وزاد عبد الجبار بن ورد عن ابن أبي مُليكة عن طلحة قال: "نعم أهلُ البيت عبد الله وأبو عبد الله وأم عبد الله".
١٣٨٣ - حدثنا محمد بن بكر حدثنا ابن جُريج حدثني محمد بن المُنْكَدر عن معاذ بن عبد الرحمن بن عثمان التيمي عن أبيه عبد الرحمن ابن عَثمان قال: كنا مع طلحة بن عبيد الله ونحن حُرُم، فأُهديَ له طير، وطلحةُ راقد، فمنَّا من أكل ومنا من تورَّع فلم يأكل، فلما استَيقظ طلحة وفَّق مَن أكله، وقالْ أكلناه مع رسول الله - ﷺ -.
١٣٨٤ - حدثنا أسباط حدثنا مُطرِّف عن عامر عن يحيى بن طلحة عن أبيه قال: رأى عُمَرُ طلحةَ بن عُبيد الله ثقيلًا، فقال: ما لك يا أبا فلان؟ لعلك ساءتْك إمرُة ابنِ عمك يا أبا فلان؟ قال: لا، إلاّ أني سمعت من رسول الله - ﷺ - حديثًا ما منعني أن أسأله عنه إلا القدرة عليه حتى مات،
_________________
(١) = حديث عبد الجبار بن ورد.
(٢) إسناده صحيح، محمد بن المنكدر بن عبد الله بن الهدير، بالتصغير، التيمي: أحد الأئمة الأعلام، سبق كثير من حديثه. عبد الرحمن بن عثمان بن عبيد الله بن عثمان التيمي: صحابي أسلم يوم الحديبية، وقيل يوم الفتح، وهو ابن أخي طلحهَ بن عبيد الله. والحديث رواه مسلم ١: ٣٣٤ من طريق يحيى بن سعيد عن ابن جريج، ورواه النسائي أيضًا. وانظر ٨١٤، ٨٣٠، ١٣٩٢.
(٣) إسناده صحيح، أسباط: هو ابن محمد بن عبد الرحمن، وهو ثقة من شيوخ أحمد وابن راهويه. مطرف: هو ابن طريف الحارثي. عامر: هو الشعبي. يحيى بن طلحة بن عبيد الله التيمي: تابعي ثقة ثبت. وقد مضى معنى هذا من حديث عمر ١٨٧، ٢٥٢ وقريب منه من حديث عثمان ٤٤٧.
[ ٢ / ١٧٢ ]
سمعتُه يقول: "إني لأعلم كلمةً لا يقولها عبدٌ عند موته إلا أشرق لها لونه ونفَّس الله عنه كربته"، قال: فقال عمر: إني لأعلم ما هي، قال: وما هي؟ قال: تعلم كلمةً أعظمَ من كلمةٍ أمر بها عمه عند الموت: "لا إله إلا الله؟ " قال طلحة: صدقتَ، هي والله هي.
١٣٨٥ - حدثنا وكيع عن إسماعيل قال: قال قيس: رأيت طلحةَ يدُه شلَاّء، وقى بها رسول الله - ﷺ - يوم أُحد.
١٣٨٦ - حدثنا إبراهيم بن مهدي حدثنا صالح بن عمر عن مطَرَّف عن الشعبي عن يحيى بن طلحة بن عبيد الله عن أبيه: أن عمر رآه كئيَبًا فقال: ما لك يا أبا محمد كئيبًا؟ لعله ساءتْك إمْرةُ ابنِ عمك؟ يعني أبا بكر، قال: لا، وأثنى على أبي بكر، ولكني سمعت النبي - ﷺ - يقول: "كلمة لا يقولها عبد عند موته إلا فرّج الله عنه كربته وأشرق لونُه"، فما منعني أن أسأله عنها إلا القدرة عليها حتى مات، فقال له عمر: إني لأعلمها، فقال له طلحة: وما هي؟ فقال له عمر: هل تعلم كلمةً هي أعظمَ من كلمةٍ أمر بها عمه: "لا إله إلا الله؟ " فقال طلحة: هي والله هي.
١٣٨٧ - حدثنا على بن عبد الله حدثني محمد بن مَعْن الغِفاري
_________________
(١) إسناده صحيح، إسماعيل: هو ابن أبي خالد. قيس: هو ابن أبي حازم. وفى ذخائر المواريث ٢٤٧٢ أن الحديث رواه البخاري وابن ماجة.
(٢) إسناده صحيح، إبراهيم بن مهدي المصيصي: ثقة، روى عنه أحمد وأبو داود وغيرهما. صالح بن عمر الواسطي: ثقة، وثقه أبو زرعة وابن معين وغيرهما. والحديث مكرر ١٣٨٤.
(٣) إسناده صحيح، على بن عبد الله: هو ابن المديني، إمام الجرح والتعديل، وهو من طبقة الإمام أحمد، يروي عنه أحمد رواية الأقران عن الأقران. محمد بن معن بن محمد بن معن بن نضلة الغفاري: قال أبو داود:" ثقة ثقة"، قال البخاري في الكبير ١/ ١ /٢٢٩: =
[ ٢ / ١٧٣ ]
أخبرِنى داود بنِ خالد بن دينار: أنه مرَّ هو ورجل يقال له أبو يوسف، من بني تيْم، على ربيعة بن أبي عبد الرحمن، قال: قال له أبو يوسف- إنا لنجد عند غيرك مِن الَحديث ما لا بخده عندك! فقال: أما إن عندي حديثًا كثيرًا، ولكنَّ ربيعة بن الهُدَير قال، وكان يلزم طلحة بن عبيد الله: إنه لم يسمع طلحة يحدّث عن رسول الله - ﷺ - حديثًا قط غيرَ حديث واحد، قال ربيعة بن أبي عبد الرحمن: قلت له: وما هو؟ قال: قال لى طلحة: خرجنا مع رسِولِ الله - ﷺ - حتى إذا أشرفنا على حَرَّة واقمٍ، قال: فدنونا منها، فإذا قبور بمَحْنيَة، قلنا: يا رسول الله، قبور إخواننا هَذه؟ قال: "قبور أصحابنا"، ثم خرجَنا حتى إذا جئنا قبور الشهداء، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "هذه قبور إخواننا".
١٣٨٨ - حدثنا عُمر بن عُبيد حدثنا زائدة حدثنا سِمَاك بن حرب
_________________
(١) = "قال لى إبراهيم بن المنذر: مات قريبًا من موت ابن عيينة، وهو ابن بضع وتسعين سنة" وابن عيينة مات سنة ١٩٨. داود بن خالد بن دينار المدني: ثقة، وثقه العجلي، وذكره ابن حبان في الثقات، وترجمه البخاري في الكبير ٢/ ١/ ٢١٨ فلم يذكر فيه جرحًا، وفي ترجمته في التهذيب خطأ، إذ ذكر أنه يروي عن ربيعة بن الهدير، وروايته الثابتة في المسند وأبى داود إنما هى عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن ربيعة بن الهدير. ربيعة بن أبي عبد الرحمن المدني: هو المعروف بربيعة الرأي، وهو إمام حافظ ثقة. ربيعة بن الهدير، بالتصغير: هو ربيعة بن عبد الله بن الهدير، وهو تابعي كبير ثقة، كان من خيار الناس، ولد على عهد النبي - ﷺ -، وهو عم محمد بن المنكدر، ترجمه البخاري في الكبير ٢/ ١ /٢٥٧. والحديث رواه أبو داود مختصرًا ٢: ١٧١ - ١٧٢ عن حامد بن يحيى عن محمد بن معن. "حرَّة واقم": واقم أطم من آطام المدينة أضيفت إليه الحرة. "بمحنية" بفتح الميم وسكون الحاء وكسر النون: أي بحيث ينعطف الوادي، وهو منحناه أيضًا، ومحانى الوادي معاطفه، قاله في النهاية. " قبور إخواننا": إنما أضاف الرسول أخوتهم لنفسه لما للشهداء من منزلة عند الله، لا تتطاول إليها أعناق غيرهم.
(٢) إسناده صحيح، عمر بن عبيد: هو الطنافسي، وهو ثقة. مؤخرة الرحل: هي آخرته، وهي الخشبة التى يستند إليها الراكب من كور البعير، قال في النهاية: "وهى بالهمزة =
[ ٢ / ١٧٤ ]
عن موسى بن طلحة عن أبيه قال: كنا نصلي والدوابُّ تمرُّ بين أيدينا، فذكرنا ذلك للنبي - ﷺ -، فقال: "مثلُ مُؤْخِرة الرَّحْل تكون بين يديْ أحدكم، ثم لا يضرّه ما مرعليه". وقال عُمر مرةً: "بين يديه".
١٣٨٩ - حدثنا محمد بن عُبيد حدثنا محمد بن إسحق عن محمد بن إبراهيم في أبي سَلَمة قال: نزل رجلان من أهل اليمن على طلحة بن عبيد الله، فقُتل أحدهما مع رسول الله - ﷺ -، ثم مكث الآخر بعده سنةً، ثم مات على فراشه، فأُريَ طلحة بن عبيد الله أن الذي مات على فراشه دخل الجنة قبل الآخر بحينٍ، فذكَر ذلك طلحةُ لرسول الله - ﷺ -، فقال رسول الله - ﷺ -: "كم مكث في الأرض بعدَه؟ " قال: حولًا، فقال رسول الله - ﷺ -: "صلى ألفًا وثمانمائة صلاة وصام رمضان".
١٣٩٠ - حدثنا عبد الرحمن بن مهدي حدثنا مالك عن عمه عن أبيه أنه سمع طلحة بن عُبيد الله يقول: جاء أعرابي إلى رسول الله - ﷺ - فقال: يا
_________________
(١) = والسكون، لغة قليلة في آخرته، وقد منع منها بعضهم، ولا يشدد" يعني لا تشدد الخاء. والحديث رواه مسلم ١: ١٤٣ من طريق عمر بن عبيد. ورواه أيضًا أبو داود والترمذي وابن ماجة، كما في ذخائر المواريث ٢٤٧٥.
(٢) إسناده ضعيف، لانقطاعه. فإن أبا سلمة بن عبد الرحمن لم يدرك القصة قطعًا، ولكن سيأتي ١٤٠٣ "عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن طلحة بن عبيد الله" وفى سماع أبي سلمة من طلحة كلام، سنفصله هناك. وسيأتي هذا الحديث بمعناه بإسناد صحيح ١٤٠١.
(٣) إسناده صحيح، عم مالك: هو أبوسهيل بن مالك بن أبي عامر الأصبحي، واسم أبي سهيل "نافع"، وهو ثقة، كان يؤخذ عنه القراءة بالمدينة. أبوه مالك بن أبي عامر الأصبحي: تابعي ثقة، لا شك في سماعه من عمر وعثمان وطلحة وغيرهم. والحديث في الموطأ ١: ١٨٨ - ١٨٩ ورواه أيضًا البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي.
[ ٢ / ١٧٥ ]
رسول الله، ما الإسلام؟ قال: "خمس صلوات في يوم وليلة"، قال: هل علىَّ غيرهنَّ؟ قال: "لا"، وسأله عن الصوم؟ فقال: "صيام رمضان"، قال: هل علي غَيْرُه؟ قال: "لا"، قال: وذكَر الزكاة، قال: هل علي غيرُها؟ قال: "لا"، قال: والله لا أزيد عليهنّ ولا أَنقص منهنّ، فقال رسول الله - ﷺ -: "قد أفلح إنْ صدق".
١٣٩١ - حدثنا سفيان عن عمرو عن الزهري عِنِ مالك بن أوْس: سمعت عمر يقول لعبد الرحمن وطلحةَ والزبير وسعد.: نَشَدْتكم بالله الذي تقوم به السماء والأرض، وقال سفيان مرةً: الذي بإذنه تقوم، أعلمتم أن رسول الله - ﷺ - قال: "إنّا لا نورث، ما تركنا صدقةٌ قالوا: اللهم نعم.
١٣٩٢ - حدثنا يحيى بن سعد عن ابن جُريج حدثني محمد بن المُنْكَدر عن معاذ بن عبد الرحمن بن عثمان التيمي قال: كنا مع طلحة بن عبيدَ الله ونحن حُرُم، فأهديَ له طير، وطلحةُ راقد، فمنَّا من أكل ومنا من تورّع، فلما استيقظ طلحة وَفَّق مَن أكَلَه، وقال: أكلناه مع رسول الله - ﷺ -.
١٣٩٣ - حدثنا وكيع عن سفيان عن سمَاك بن حرب عن موسى ابن طلحة عن أبيه قال: سئل رسول الله - ﷺ -: ماَيَسْتُر المصلي؟ قال: "مثلُ آخرَة الرَّحْل".
_________________
(١) إسناده صحيح، سفيان: هو ابن عيينة. عمرو: هو ابن دينار المكي، وهو إمام تابعي ثقة. وقد مضى الحديث في مسند عمر مطولا ٤٥٢. وانظر ٣٣٣، وسيأتي في مسند الزبير بهذا الإسناد ١٤٠٦ وفى مسند سعد بن أبي وقاص ١٥٥٠ وفى مسند العباس ١٧٨١ و١٧٨٢.
(٢) إسناده صحيح، وهو مكرر ١٣٨٣.
(٣) إسناده صحيح، وهو مختصر ١٣٨٨.
[ ٢ / ١٧٦ ]
١٣٩٤ - حدثنا وكيع عن إسرائيل عن سمَاك بن حرب عن موسى بن طلحة عن أبيه عن النبي - ﷺ - مثله.
١٣٩٥ - حدثنا بَهْز وعِفَّان قالا حدثنا أبو عَوَانة عن سمَاك عن موسى بن طلحة عن أبيه قال: مرّ رسول الله - ﷺ - على قوم في رؤوسَ النخل،
_________________
(١) إسناده صحيح، وهو مكرر ما قبله.
(٢) إسناده صحيح، ورواه مسلم ٢: ٢٢٣ وابن ماجة ٢: ٤٨ وسيأتي أيضًا ١٣٩٩. وقد جاء نحو من هذا المعني في حديث لأنس بن مالك سيأتي ١٢٥٧١ ورواه مسلم أيضًا، وفى حديث لرافع بن خديج، رواه مسلم، ولم أجده في المسند. وهذا الحديث مما طنطن به ملحدو مصر وصنائع أوربة فيها، من عبيد المستشرقين، وتلامذة المبشرين، فجعلوه أصلا يحِجُّون به أهل السنة وأنصارها، وخدام الشريعة وحماتها، إذا أرادوا أن ينفوا شيئًا من السنة، وأن ينكروا شريعة من شرائع الإسلام، في المعاملات وشؤون الاجتماع وغيرها، يزعمون أن هذه من شؤون الدنيا، يتمسكون برواية أنس: "أنتم أعلم بأمر دنياكم"، والله يعلم أنهم لا يؤمنون بأصل الدين، ولا بالألوهية، ولا بالرسالة، ولا يصدقون القرآن، في قرارة نفوسهم، ومن آمن منهم فإنما يؤمن لسانه ظاهرًا، ويؤمن قلبه فيما يخيل إليه، لا عن ثقة وطمأنينة، ولكن تقليدًَا وخشية، فإذا ما جد الجد، وتعارضت الشريعة، الكتاب والسنة، مع ما درسوا في مصر أو في أوربة، لم يترددوا في المفاضلة، ولم يحجموا عن الاختيار، فضَّلوا ما أخذوه عن سادتهم، واختاروا ما أُشْرِبَتْه قلوبهم! ثم ينسبون نفوسهم بعد ذلك، أو ينسبهم الناس، إلى الإسلام!! والحديث واضح صريح، لا يعارض نصًَا، ولا يدل على عدم الاحتجاج بالسنة في كل شأن، لأن رسول الله لا ينطق عن الهوى، فكل ما جاء عنه فهو شرع وتشريع ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾، وإنما كان في قصة تلقيح النخل أن قال لهم: "ما أظن ذلك يغني شيئًا" فهو لم يأمر ولم ينه، ولم يخبر عن الله، ولم يسن في ذلك سنة، حتى يُتوسع في هذا المعنى إلى ما يُهدم به أصل التشريع، بل ظن، ثم اعتذر عن ظنه، قال "فلا تؤاخذوني بالظن"، فأين هذا مما يرمي إليه أولئك؟ هدانا الله وإياهم سواء السبيل.
[ ٢ / ١٧٧ ]
فقال: "ما يصنع هؤلاء؟ " قالوا: يلقّحونه، يجعلون الذكر في الأنثى، قال: "ما أظنُّ ذلك يُغْني شيئًا"، فأُخبروا بذلك، فتركوه، فأُخبر رسول الله - ﷺ - فقال: "إن كان ينفعهم فليصنعوه، فإني إنما ظننت ظنًا، فلا تؤاخذوني بالظن، ولكنْ إذا أخبرتكم عن الله ﷿ بشىء فخذوه، فإني لن أكذب على الله شيئًا".
١٣٩٦ - حدثنا محمد بن بشر حدثنا مُجَمِّع بن يحيى الأنصاري حدثنا عثمان بن مَوْهَب عن موسى بن طلحة عن أبَيه قال: قلت: يا رسول الله، كيف الصلاة عليك؟ قال: "قل: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد".
١٣٩٧ - حدثنا أبو عامر حدثنا سليمان بن سفيان المدايني حدثني
_________________
(١) إسناده صحيح، محمد بن بشر: هو ابن الفرافصة العبدي. عثمان بن موهب: هو عثمان بن عبد الله بن موهب، نسب إلى جده، وهو تابعي ثقة. والحديث رواه النسائي ١: ١٩٠ عن إسحق بن إبراهيم عن محمد بن بشر، ورواه أيضًا بعده عن عبيد الله بن سعد بن إبراهيم بن سعد عن عمه عن شريك عن عثمان بن موهب، والبخاري في التاريخ الكبير ٢/ ١/ ٣٥١ عن ابن المديني عنْ محمد بن بشر، ويرويه أيضا موسى بن طلحة عن زيد بن خارجة وسيأتي ٧١٤.
(٢) إسناده حسن، أبو عامر: هو العقدي عبد الملك بن عمرو. سليمان بن سفيان المدني مولى آل طلحة: ضعفه ابن معين وأبو حاتم والنسائي وغيرهم، وفى التهذيب عن الترمذي في العلل المفردة عن البخاري: "منكر الحديث"، وفيه أيضًا أن ابن حبان ذكره في الثقات وقال: "كان يخطىء"، هذا أعدل ما قيل فيه. بلال بن يحيى بن طلحة بن عبيد الله التيمي: ذكره ابن حبان في الثقات. والحديث رواه الترمذي ٤: ٢٤٥ عن محمد بن بشار عن العقدي، وقال: "حديث حسن غريب". وذكر ضارحه أنه رواه أيضًا الدارمي والحاكم وابن حبان. ورواه البخاري في الكبير ٢/ ١/ ١٠٩. في ترجمة بلال، =
[ ٢ / ١٧٨ ]
بلال بن يحيى بن طلحة بن عُبيد الله عن أبيه عن جده: أن النبي - ﷺ - كان إذا رأى الهلال قال: "اللهم أَهلّه علينا باليُمْن والإيمان، والسلامة والإسلام، ربي وربك الله".
١٣٩٨ - حدثنا عبد الرحمن بن زائدة عن سماك بن حرب عن موسىِ بن طلحة عن أبيه أن النبي - ﷺ - قال: "يجعل أحَدكم بين يديه مثل مُؤْخِرة الرَّحْل ثم يصلي".
١٣٩٩ - حدثنا عبد الرزاق أنبأنا إسرائيل عن سِمَاك أنه سمع موسى ابن طلحة يحدث عن أبيه قال: مررتُ مع النبي - ﷺ - في نخل المدينة، فرأى أقوامًا في رؤوس النخل يلقحون النخل، فقال: "ما يصنع هؤلاء؟ " قال: يأخذون من الذكر فيحطون في الأنثى يلقحون به، فقال: "ما أظن ذلك يغني شيئًا"، فبلغهم فتركوه ونزلوا عنها، فلم تحمل تلك السنة شيئًا، فبلغ ذلك النبي - ﷺ -، فقال: "إنما هو ظنّ ظننته، إن كان يغني شيئًا فاصنعوا، فإنما أنا بشر مثلكِم، والظن يخطئ ويصيب، ولكن ما قلت لكم قال الله عزوجل فلن أكذب على الله".
١٤٠٠ - حدثنا أبو النَّضْر حدثنا إسرائيل حدثنا سماك بن حرب عن موسى بن طلحة، فذكره.
_________________
(١) = عن إسحق وعبد الله بن محمد عن أبي عامر العقدي، ولم يذكر له علة، ولذلك رجحنا تحسينه، إلا أن البخاري لم يذكر سليمان بن سفيان في الضعفاء.
(٢) إسناده صحيح، وهو مختصر ١٣٨٨ ومكرر ١٣٩٤. في ح "مؤخر الرحل" دون هاء، وهو خطأ، صححناه من ك هـ.
(٣) إسناده صحيح، وهو مطول ١٣٩٥.
(٤) إسناده صحيح، وهو مكرر ما قبله.
[ ٢ / ١٧٩ ]
١٤٠١ - حدثنا وكيعْ حدثني طلحة بن يحيى بن طلحة عنِ إبراهيم بن محمد بن طلحة عن عبد الله بن شدّاد: أن نفرًا من بني عُذْرَة ثلاثةً أتوا النبي - ﷺ - فأسلموا، قال: فقال النبي - ﷺ -: "من يكفنيهم؟ "، قال طلحة: أنا، قال: فكانوا عِند طلحة، فبعث النبي - ﷺ - بعثًا، فخرج فيه أحدُهم فاستشهد، قال: ثم بعثَ بعثًا، فخرج فيهم آخر، فاستشهد، قال: ثم مات الثالث على فراشه، قال طلحة: فرأيت هؤلاء الثلاثة الذين كانوا عندي في الجنة، فرأيت الميت على فراشه أمامهم، ورأيت الذي استشهد أخيرًا يليه، ورأيت الذي اسشهد أولَّهم آخرَهم، قال: فدخلني من ذلك، قِال: فأتيت النبي - ﷺ - فذكرتُ ذلك له، قال: فقال رسول الله - ﷺ -: "وما أنكرت من ذلك؟ ليس أحدٌ أفضل عند الله من مؤمن يُعَمَّر في الإسلام، لتسبيحه وتكبيره وتهليله".
١٤٠٢ - حدثنا يزيد بن عبدربه حدثنا الحرث بن عَبيدة حدثني
_________________
(١) إسناده صحيح، طلحة بن يحيى بن طلحة بن عبيد الله التيمي: ثقة، وثقه أبن معين ويعقوب بن شيبة والعجلي وغيرهم، وذكره ابن حبان في الثقات وقال: "كان يخطئ"، وقال أبو حاتم: "صالح الحديث، حسن الحديث، صحيح"، وفى التهذيب عن البخاري أنه قال: "منكر الحديث" ولا أدري أين هذا، فإنى لم أجده في التاريخ الصغير ولا في الضعفاء. ابن عمه إبراهيم بن محمد بن طلحة: تابعي ثقة، كان شريفًا وكان أحد النبلاء. عبد الله بن شداد: هو ابن الهاد الليثى. والحديث قريب في معناه من ١٣٨٩، ١٤٠٣. قوله "من يكفنيهم" هكذا هو في الأصول على صورة المجزوم، مع أنه مرفوع، لأن "من" استفهامية، فكان يكون "من يكفينيهم". وقد ورد كثيرًا، إثبات لفظ المضارع المرفوع على لفظ المجزوم من غير ناصب ولا جازم، كما في الحديث الآخر" لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا" وسيأتي ١٤١٢ مزيد بحث في ذلك.
(٢) في إسناده نظر، وهو إلى الضعف أقرب، وأخشى أن يكون منقطعًا. يزيد بن عبدربه الزبيدي الحمصي الجُرْجُسِي المؤذن: ثقة من شيوخ أحمد وابن معين وأبى زرعة =
[ ٢ / ١٨٠ ]
محمد بن عبد الرحمن بن مُجبَّر عن أبيه عن جده: أن عثمان أشرف على الذين حصروه، فسلم عليهم، فلم يردّوا عليه، فقال عثمان: أفي القومِ طلحة؟ قال طلحة: نعم، قال: فإنا لله وإنا إليه راجعون! أُسّلم على قوم أنت
_________________
(١) = وغيرهم، وروى له مسلم، وثقه ابن معين والحجلي وغيرهما، قال أحمد: "لا إله إلا الله، ما كان أثبته، ما كان فيهم مثله" يعنى أهل حمص، وكان ينزل بحمص عند كنيسة جرجس، فنسب إليها، وكان يقول: "أنا رجل من العرب، وقد ابتليت بهذه الكنيسة أنسب إليها"! الحرث ابن عبيدة الحمصي الكلاعي قاضي حمص: ثقة، ذكره ابن حبان في الثقات، وتناقض فذكره أيضًا في الضعفاء، وضعفه الدارقطني، وله ترجمة في التعجيل ٧٨ - ٧٩ واللسان ٢: ١٥٤ وترجمه البخاري في الكبير ١/ ٢/ ٢٧٣ والصغير ٢٠٨ وذكر أنه مات في ذي القعدة سنة ١٨٦ ولم يذكر فيه جرحًا، ولم يذكره هو ولا النسائي في الضعفاء، فلذلك رجحنا توثيقه. محمد بن عبد الرحمن بن مجبر العدوي العمري: ضعفه ابن معين وأبو زرعة وغيرهم، وله ترجمة في الجرح والتعديل ٣/ ٢/ ٣٢٠ والتعجيل ٣٦٩ والميزان ٣: ٩٠ واللسان ٥: ٢٤٥ - ٢٤٦، وتناقض الذهبي، فجزم في المشتبه ٤٦٢ بأنه ضعيف، وجاء في تعقبه على المستدرك ١: ٢٠٦ فتبع الحاكم في قوله أنه "ثقة". أبوه عبد الرحمن بن المجبر: ثقة، وثقه الفلاس وغيره، وذكره ابن حبان في الثقات، وهو من شيوخ مالك، وكان يتيما في حجر سالم ابن عبد الله بن عمر. مجبر، بفتح الجيم وتشديد الباء المفتوحة: هو مجبر بن عبد الرحمن الأصغر بن عمر بن الخطاب، واسمه "عبد الرحمن" كاسم أبيه وأسم ابنه، و"مجبر" لقب، مات أبوه وهو حمل، فلما ولد سمته عمته حفصة باسم أبيه، وقالت: لعل الله يجبره، وقيل: كان قد سقط فتكسر فجبر، فقيل له المجبر، فاشتهر بها، وذكر الحافظ في التعجيل ٣٩٣ أن من أحفاده "عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن المجبر" واشتهر بالعمري، ولى قضاء مصر من سنة ١٨٥ إلى سنة ١٩٤. وكان المجبر هذا تابعيَا، فقد نقل في التعجيل عن الموطأ أن ابن عمر رآه أفاض قبل أن يحلق فأمره أن يرجع فيلحق أو يقصر ثم يفيض، ولكن ما أظنه أدرك قصة عثمان ومقتله، وقد مضى معنى هذا الحديث مرارًَا، منها ٥٠٩، ٥٥٢.
[ ٢ / ١٨١ ]
فيهم فلا تردّون؟! قال: قد رددتُ، قال: ما هكذا الردّ، أُسمعُك ولا تُسمعني؟! يا طلحة، أَنْشُدك اللهَ، أَسمعتَ النبي - ﷺ - يقول: "لَايُحل دمَ المسلم إلا واحدةٌ من ثلاث: أن يكفر بعد إيمانه، أو يزني بعد إحصاَنه، أو يَقتل نفسًا فيقتلَ بها"؟ قال: اللهم نعم، فكبّر عثمان، فقال: والله ما أنكرت الله منذ عرفتُه، ولا زنيت في جاهلية ولا إسلام، وقد تركته في الجاهلية تكرُّهًَا، وفي الإسلام تعفّفًا وما قتلتُ نفسًا يَحِلُّ بها قتلي.
١٤٠٣ - حدثنا قُتَيبة بن سعيد حدثنا بكر بن مُضَر عن ابن الهاد
_________________
(١) إسناده صحيح، بكر بن مضر بن محمد بن حكيم المصري: ثقة. ابن الهاد: هو يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد. أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف: تابعي كبير ثقة، كثير الحديث، اختلف في اسمه، والصحيح أن اسمه "عبد الله" وأنه كني "أبا سلمة" لما ولد له ابنه "سلمة" كما في ابن سعد ٥: ١١٥ - ١١٧. وفى التهذيب ١٢: ١٧ أن المزي جزم بأنه لم يسمع من طلحة، وأن ابن أبي خيثمة والدوري رويا ذلك عن ابن معين، وأنا أرى أن الجزم بعدم سماعه من طلحة لا دليل عليه، فإن طلحة قتل يوم الجمل سنة ٣٦ وكانت سن أبي سلمة إذ ذاك ١٤ سنة، لأنه مات سنة ٩٤ عن ٧٢ سنة على الصحيح الذي رجحه ابن سعد، بل لعله كان أكبر سنًا من ذلك، ففي ابن سعد: "أن سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص بن أمية لما ولي المدينة لمعاوية بن أبي سفيان في المرة الأولى استقضى أبا سلمة بن عبد الرحمن بن عوف على المدينة، فلما عزل سعيد ابن العاص وولى مروان المدينة المرة الثانية عزل أبا سلمة بن عبد الرحمن عن القضاء، وولى القضاء وشرطه أخاه مصعب بن عبد الرحمن بن عوف". وولاية سعيد بن العاص الأولى على المدينة كانت في شهر ربيع الآخر سنة ٤٩ وعَزْله وولاية مروان الثانية كانت سنة ٥٤ كما في تاريخ الطبري ٦: ١٣٠، ١٦٤ وقد نص الطبري أيضًا على استقضاء سعيد أبا سلمة في سنة ٤٩، فكانت سن أبي سلمة حين مقتل طلحة سنة ٣٦ أربعة عشر عامًا أو أكثر، وكانا مقيمين بالمدينة، فأنى لأحد أن يدعي أنه لم يسمع منه؟! وقد وقع لي في الجزء الأول من هذا الكتاب في شأن أبي سلمة بن عبد الرحمن خطأ =
[ ٢ / ١٨٢ ]
عن محمد بن إبراهيم عن أبي سَلَمة بن عبد الرحمن عن طلحة بن عُبيد الله: أن رجلين قدما على رسول الله - ﷺ -، وكان إسلامهما جميعًا، وكان أحدهما أشدَّ اجتهادًا من صاحبه، فغزا المجتهد منهما، فاستشهد، ثم مكث الآخر بعده سنة، ثم توفي، قال طلحة: فرأيت فيما يرى النائم كأني عند باب الجنة، إذا أنا بهما وقد خرج خارج من الجنة، فأَذن للذي تُوفّي الآخرَ منهما، ثم خرج فأَذن للذي استشهد، ثم رجعِا إلىَّ، فقالا لى: ارجع، فإنَه لم يأْن لك بعد، فأصبح طلحةُ يحدّث به الناس، فعجبوا لذلك، فبلغ ذلك رسولَ الله - ﷺ - فقال: "من أيّ ذلك تعجبون؟ " قالوا: يا رسول الله، هذا كان أشدَّ اجتهادًا ثم استُشهد في سبيل الله ودخل هذا الجنةَ قبله؟ فقال: "أليس قد مكث هذا بعده سنة؟ " قالوا: بلى، "وأدرك رمضانَ فصامه"؟ قالوا: بلى، "وصلى كذا وكذا سجدةً في السنة؟ " قالوا: بلى، قال رسول الله - ﷺ -: "فَلَما بينهما أبعدُ ما بين السماء والأرض".
_________________
(١) = مستغرب، أستدركه هنا وأستغفر الله، فقد حققت في شرح الحديثين ٤١٢، ٤١٣ أن أبا عبد الرحمن السلمي سمع من عثمان، وهذا صحيح، ثم جئت في شرح الحديث ٤٢٠ فصححت إسناده، وهو عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عثمان، وأحلت تصحيح سماع أبي سلمة من عثمان على الموضع السابق، شرح ٤١٢، ٤١٣، وهي إحالة خطأ، على شيء لم يكن، انتقل الذهن فيها من أبي عبد الرحمن السلمي إلى أبي سلمة بن عبد الرحمن، ولكن إسناد ٤٢٠ صحيح أيضًا، فإنْ أبا سلمة كان بالمدينة كما قلنا، وعثمان قتل سنة ٣٥ قبل مقتل طلحة بقليل، فسماع أبي سلمة منه غير مستبعد، ولم يعرف أبو سلمة بتدليس، والحمدلله. لم يأن: لم يحن وقته. والحديث رواه أبن ماجة ٢: ٢٣٨ من طريق الليث بن سعد عن ابن الهاد. وهو مطول ١٣٨٩. وانظر ١٤٠١. وفى الموطأ ١: ١٨٧ - ١٨٨ قصة نحو هذه بلاغًَا عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه، وذكر ابن عبد البر أن ابن وهب رواه عن مخرمة بن بكير عن أبيه عن عامربن سعد، وستأتي في ١٥٣٤ موصولة في مسند سعد بن أبي وقاص.
[ ٢ / ١٨٣ ]
١٤٠٤ - حدثنا يعقوب حدثنا أبي عن ابن إسحق حدثنا سالم بن أبي أمية أبو النَّضْر قال: جلس إليّ شيخ من بني تميم في مسجد البصرة ومعه صحيفة له في يده، قال: وفى زمان الحجَّاج، فقال لي: يا عبد الله، أترى هذا الكتاب مغنيًا عنِّي شيئًا عند هذا السلطان؟ قال: فقلت: وما هذا الكتاب؟ قال: هذا كتاب من رسول الله - ﷺ - كتبه لنا، أن لا يُتَعدَّى علينا في صَدَقاتنا، فقلت: لا والله، ما أظنّ أن يغني عنك شيئًا، وكيف كان شأن هذا الكتاب؟ قال: قدمت المدينة مع أبي، وأنا غلام شاب، بإبل لنا نبيعها، وكان أبي صديقًا لطلحة بن عُبيد الله التيمي فنزلنا عليه، فقال له أبي: اخرجْ معي فبعْ لى إبلي هذه، قال: فقال: إن رِسول الله - ﷺ - قد نهى أن يبيع حاضر لباَدٍ، ولكن سأخرج معك فأجلسُ، وتعْرِض إبلَك، فإذا رضيت من رجل وفاءً وصدقًا ممن ساومك أمرتُك ببيعه، قال: فخرجنا إلى السوق، فوقفنا ظُهْرَنا، وجلس طلحة قريبًا، فساوَمَنا الرجلُ، حتى إذا أعطانا رجلُ ما نرضَى، قال له أبي: أُبايُعه؟ قال: نعم، رضيت لكم وفاءَه، فبايعوه، فبايعناه، فلما قبضنا مالنا
_________________
(١) إسناده صحيح، يعقوب: هو ابن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، وهو ثقة مأمون كثير الحديث. أبوه إبراهيم: ثقة حجة. ابن إسحق: هو محمد بن إسحق، وفي ح هـ "ابن أبي إسحق" وكذلك كانت في ك، ولكنها صححت بالضرب على الزيادة، وهو الصواب، فالحديث حديث محمد ابن إسحق.- سالم بن أبي أمية: أجمعوا على أنه ثقة ثبت، وهو تابعي سمع أنس بن مالك، وهذا الحديث يدل أيضًا على سماعه من صحابي آخر، هو هذا الشيخ من بني تميم. والحديث روى أبو داود منه النهي عن بيع الحاضر للبادي ٣: ٢٨٣ عن موسى بن إسماعيل عن حماد عن محمد بن إسحق عن سالم المكي، ونقل شارحه عن المنذري أنه أعله بأن فيه رجلا مجهولا! وفاتَهما أن هذا المجهول صحابي، وأن جهالة الصحابي لا تضر. والحديث بتمامه في الزوائد ٣: ٨٢ - ٨٣ وقال: "رواه أحمد وأبو يعلى ورجاله رجال الصحيح".
[ ٢ / ١٨٤ ]
وفرِغنا من حاجتنا، قال أبي لطلحة: خُذْ لنا من رسول الله - ﷺ - كتابًا أن لا يُعتَدى علينا في صدقاتنا، قال: فقال: هذا لكم ولكل مسلم، قال: على ذلك إني أحب أن يكون عندي من رسول الله - ﷺ - كتاب، فخرج حتى جاء بنا إلى رسول الله - ﷺ -، فقال: يا رسول الله، إن هذا الرجل من أهل البادية صديقٌ لنا، وقد أحبّ أن تكتب له كتابًا لا يُتعدَّى عليه في صدقته، فقال رسول الله - ﷺ -: "هذا له ولكل مسلم"، قال: يا رسول الله، إني قد أحبّ أن يكون عندي منك كتابٌ على ذلك، قال: فكتب لنا رسول الله - ﷺ - هذا الكتاب.
﴿آخر حديث طلحة بن عُبيد الله ﵁﴾
[ ٢ / ١٨٥ ]