فقد كان لدى أئمة علم الحديث رَغْبَةٌ شديدةُ في تحصيل قراءته، والظَّفَر بسماعه، حتى إذا ظَفِر أحدُهم بسماع جزء منه لم يستطِعْ أن يُخفيَ فرحته بتحصيله، فها هو الحافظُ المتقن أبو موسى المديني يقول (٢): إن مما أنعم الله علينا أن رَزَقَنا سماعَ كتاب " المسند " للإِمام الكبير إمام الدِّين أبي عبد الله أحمد.
ويُصوِّر الحافظ أبو موسى ما كان يَجِدُه المحدث في نفسه من غِبْطَةٍ وفخرٍ إذا وقع له جزء من أجزاء هذا " المسند " فيقول (٢): ولَعَمْري إن مَن كانَ مِن قَبْلِنا مِن الحفاظ يتبجَّحون بجزء واحد يَقَعُ لهم من حديث هذا الإمام الكبير.
ويستشهد أبو موسى المديني لِقوله هذا بذكر ما قاله أبو محمد المُزَني - وهو بشهادة المديني من الحفاظ الكبار المكثرين - لرجلٍ قَدِم عليه من بغداد كان إقام بها على كتابة الحديث إذ سأله أبو محمد المزنيُّ وذلك في سنة ستٍّ وخمسين وثلاث مئة عن فائدته ببغداد، وعن باقي إسناد العراق،
_________________
(١) " خصائص المسند " للمديني ص ٢٢ (طبعة أحمد شاكر في مقدمة الجزء الأول من المسند) .
(٢) في " خصائص المسند " ص ٢٠.
[ ١ / ٨٣ ]
فقال في جُملَة ما ذكر: سمعتُ " مسند " أحمد ابن حنبل رحمه الله تعالى من أبي بكر بن مالك في مئة وخمسين جزءًا، فعَجِبَ أبو محمد المزني من ذلك، وقال: مئة وخمسون جزءًا من حديث أحمد ابن حنبل! كنا ونحن بالعِراقِ إذا رأينا عندَ شيخٍ من شيوخنا جزءًا من حديث أحمد ابن حنبل قَضَيْنا العجبَ من ذلك، فكيف في هذا الوقت هذا " المسند " الجليل!
ثم ذكر المديني كيف أن الحاكمَ لم يبدأ بتأليف كتابه " المستدرك على الصحيحين " إلا بعد أن أقام في بغداد أشهرًا، وسمع جملةَ " المسند " من أبي بكر بن مالك القَطِيعي.
ومن طريف ما ذكره أبو موسى المدينيُّ في شِدة حِرْصِ العلماء على سماع " المسند " وعنايتهم به ما رواه عن أبي بكر القطيعي - وهو الذي انتشر " المسند " عنه - قال: رأيتُ أبا بكر أحمد بن سلمان النَّجَّاد (١) في النوم وهو على حالة جميلة، فقلت: أيَّ شيء كان خَبَرُك؟ قال: كل ما تحبُّ، الزم ما أنت عليه وما نحن عليه، فإنَّ الأمرَ هو ما نحن عليه وما أنتم عليه، ثم قال:
بالله إلا حَفِظْتَ هذا " المسند "، فهو إمامُ المسلمين وإليه يَرجِعون، وقد كنتُ قديمًا أسألك بالله إن أَعَرْت منه أكثر من جزء لمن تعرفه ليَبقى.
ومما يُدهِشُ أيضًا أن بعضَهم قد حَفِظَه كُلَّه، فقد سُئِل الشيخ الإِمام الحافظ أبو الحسين علي بن الشيخ الإِمام الحافظ الفقيه محمد اليُونِينِي رحمهما الله تعالى - فيما رواه ابن الجَزَري (٢) -: أنت تحفظُ الكُتُبَ الستَّة؟
فقال: أحفَظُها وما أحفظها، فقيل له: كيف هذا؟ فقال: أنا أحفظُ " مسند "
_________________
(١) هو الإمام المحدث الحافظ الفقيه المفتي شيخ العراق، مترجم في " سير أعلام النبلاء " ١٥ / ٥٠٢.
(٢) في " المصعد الأحمد " ص ٣٢ (مقدمة الجزء الأول لمسند أحمد) .
[ ١ / ٨٤ ]
أحمد، وما يفوتُ " المسندَ " من الكتب الستة إلا قليلٌ، أو قال: وما في الكتب هو في " المسند " يعني إلا قليل، وأصلُه في " المسند "، فأنا أحفظها بهذا الوجه (١) .
وإن كان لا يفوتُ " المسند " من الكتب الستة إلا القليل، فإن مَنْ وَقَع له هذا " المسند " لم تَعُدْ به حاجةٌ إلى غيره، واستغنى به عما سواه، وهذا ما حصل لأبي بكر القطيعي، إذ قال - فيما رواه المديني (٢) -: حضرتُ مجلس يوسف القاضي (٣) سنة خمس وثمانين ومئتين، أَسْمَعُ منه كتاب " الوقوف "، فقال لي: مَنْ عنده " مسند " أحمد ابن حنبل و" الفضائل " أَيْش يعمَلُ هاهنا؟
ويكفي لِتعليل هذه العناية الكبرى التي لقيها هذا " المسند " أن نَذْكُرَ ما قاله فيه ابنُ الجزري (٤) حين وصفه فقال: هو كتابٌ لم يُرْوَ على وجه الأرض كتابٌ في الحديث أعلى منه.
_________________
(١) قلنا: وممن يغلب على ظننا أنه كان يحفظ " المسند "، وكانت أحاديثُه على أطراف ألسنتهم شيخُ الإسلام ابن تيمية أبو العباس تقي الدين أحمد بن عبد الحليم الدمشقي المتوفى سنة (٧٢٨ هـ)، والإمام المحدث شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أبي بكر الزرعي الدمشقي الشهير بابن قيم الجوزية المتوفى سنة (٧٥١ هـ)، والحافظ أبو الفداء عماد الدين إسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي المتوفى سنة (٧٧٤ هـ)، والإمام الحافظ أبو الفرج عبد الرحمن بن شهاب الدين الدمشقي الشهير بابن رجب المتوفى سنة (٧٩٥ هـ) .
(٢) في " خصائص المسند " ص ٢٤.
(٣) هو الإمام الحافظ الفقيه يوسف بن يعقوب أبو محمد البغدادي القاضي، المتوفى سنة ٢٩٧، مترجم في " السير " ١٤ / ٨٥.
(٤) في " المصعد الأحمد " ص ٢٩، ٣٠.
[ ١ / ٨٥ ]