_________________
(١) جعفر بن أبي طالب الهاشمي أبو عبد الله، وهو ابنُ عم رسولِ الله ﷺ، وأخوه علي بن أبي طالب، وكان أسن من علي بعشر سنين. أسلم جعفر قديمًا، ولكن بعد علي أخيه. وهاجر إلى الحبشة، وكان حجيجَ النجاشي عن المسلمين، والظاهر أن إسلام النجاشي كان على يد جعفر ﵁. ثم كانت هجرته بمن كان معه من المسلمين ومَنْ تبعهم من المشركين والأشعريين إلى رسول الله ﷺ وهو محاصر خيبر، ففتحها الله عليهم على يديه. واعتمر رسؤلُ الله ﷺ عمرة القضاء، فدخل مكة وهوآخِذ بزمام ناقةِ رسول الله ﷺ، وقال يومئذ لجعفر: "أشبهت خَلْقي وخُلُقي". وقد بعثه رسولُ الله ﷺ إلى مؤتة وجعله أميرًا بعدَ زيد بن حارثة، فَقُتِلَ زيد، فأخذ الرايةَ جعفر بن أبي طالب، فقُطِعَتْ يمينه، فأخذها بشماله، فقُطِعَتْ ثم قتل، فَوُجِدَ في جسده بضع وعشرون، وقيل: وتسعون ضربة بسهم أو سيف أو رمح، مُقبلًا غير مدبر، فعوَضه الله عن يديه جناحين يطيرُ بهما في الجنة، فلهذا يُقال له: ذو الجناحين، ويقال له الطيارُ لذلك، وقد شَهِدَ له رسول الله ﷺ بالجنة والشهادة، فرضي الله عنه، وكانت وفاته بموبة فى جمادى سنة ثمانٍ، وقبره مشهود عند ثنية الكرك (في المزار جنوب الكرك تبعد عنها عشْرة أميال) وكان عمره ما بين الخمس والعشرين إلى الثلاثين، وقيل: أحد وأربعين ﵀.=
[ ٣ / ٢٦٢ ]
١٧٤٠ - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ الْمَخْزُومِيِّ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ابْنَةِ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَتْ: لَمَّا نَزَلْنَا أَرْضَ الْحَبَشَةِ، جَاوَرْنَا بِهَا خَيْرَ جَارٍ، النَّجَاشِيَّ، أَمِنَّا عَلَى دِينِنَا، وَعَبَدْنَا اللهَ لَا نُؤْذَى، وَلا نَسْمَعُ شَيْئًا نَكْرَهُهُ، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ قُرَيْشًا، ائْتَمَرُوا أَنْ يَبْعَثُوا إِلَى النَّجَاشِيِّ فِينَا رَجُلَيْنِ جَلْدَيْنِ، وَأَنْ يُهْدُوا لِلنَّجَاشِيِّ هَدَايَا مِمَّا يُسْتَطْرَفُ مِنْ مَتَاعِ مَكَّةَ، وَكَانَ مِنْ أَعْجَبِ مَا يَأْتِيهِ مِنْهَا إِلَيْهِ الْأَدَمُ، فَجَمَعُوا لَهُ أَدَمًا كَثِيرًا، وَلَمْ يَتْرُكُوا مِنْ بَطَارِقَتِهِ بِطْرِيقًا إِلا أَهْدَوْا لَهُ هَدِيَّةً، ثُمَّ بَعَثُوا بِذَلِكَ مَعَ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ (١) بْنِ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيِّ، وعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ السَّهْمِيِّ، وَأَمَرُوهُمَا أَمْرَهُمْ، وَقَالُوا لَهُمَا: ادْفَعُوا (٢) إِلَى كُلِّ بِطْرِيقٍ هَدِيَّتَهُ، قَبْلَ أَنْ تُكَلِّمُوا النَّجَاشِيَّ فِيهِمْ، ثُمَّ قَدِّمُوا لِلنَّجَاشِيِّ هَدَايَاهُ، ثُمَّ سَلُوهُ أَنْ يُسْلِمَهُمِ إلَيْكُمْ قَبْلَ أَنْ يُكَلِّمَهُمْ، قَالَتْ: فَخَرَجَا فَقَدِمَا عَلَى النَّجَاشِيِّ، وَنَحْنُ عِنْدَهُ بِخَيْرِ دَارٍ، وَعِنْدَ خَيْرِ جَارٍ، فَلَمْ يَبْقَ مِنْ بَطَارِقَتِهِ بِطْرِيقٌ إِلا دَفَعَا إِلَيْهِ هَدِيَّتَهُ قَبْلَ أَنْ يُكَلِّمَا النَّجَاشِيَّ، ثُمَّ قَالا لِكُلِّ بِطْرِيقٍ مِنْهُمْ: إِنَّهُ قَدْ صَبَا إِلَى بَلَدِ الْمَلِكِ مِنَّا غِلْمَانٌ سُفَهَاءُ، فَارَقُوا دِينَ قَوْمِهِمْ وَلَمْ يَدْخُلُوا فِي دِينِكُمْ، وَجَاءُوا بِدِينٍ
_________________
(١) ="جامع المسانيد" ١/الورقة ٢٣٣، وانظر "سير أعلام النبلاء" ١/٢٠٦-٢١٧.
(٢) تحرف في (م) و(س) و(ق) و(ص) إلى: "عبد بن ربيعة" وأثبتناه على الصواب كما جاء في (ب) و(ظ ١١) و"جامع المسانيد والسنن" ١/الورقة ٢٣٤.
(٣) في (س) و(ظ ١١) و(ق): ادفعا.
[ ٣ / ٢٦٣ ]
مُبْتَدَعٍ لَا نَعْرِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتُمْ، وَقَدْ بَعَثَنَا إِلَى الْمَلِكِ فِيهِمِ أشْرَافُ قَوْمِهِمْ لِنَرُدَّهُمِ إلَيْهِمْ، فَإِذَا كَلَّمْنَا الْمَلِكَ فِيهِمْ، فَتُشِيرُوا (١) عَلَيْهِ بِأَنْ يُسْلِمَهُمِ إلَيْنَا وَلا يُكَلِّمَهُمْ، فَإِنَّ قَوْمَهُمْ أَعَلَى بِهِمْ عَيْنًا، وَأَعْلَمُ بِمَا عَابُوا عَلَيْهِمْ، فَقَالُوا لَهُمَا: نَعَمْ، ثُمَّ إِنَّهُمَا قَرَّبَا هَدَايَاهُمِ إلَى النَّجَاشِيِّ فَقَبِلَهَا مِنْهُمَا، ثُمَّ كَلَّمَاهُ، فَقَالا لَهُ: أَيُّهَا الْمَلِكُ، إِنَّهُ قَدْ صَبَا إِلَى بَلَدِكَ مِنَّا غِلْمَانٌ سُفَهَاءُ، فَارَقُوا دِينَ قَوْمِهِمْ، وَلَمْ يَدْخُلُوا فِي دِينِكَ، وَجَاءُوا بِدِينٍ مُبْتَدَعٍ لَا نَعْرِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ، وَقَدْ بَعَثَنَا إِلَيْكَ فِيهِمِ أشْرَافُ قَوْمِهِمْ مِنْ آبَائِهِمْ، وَأَعْمَامِهِمْ وَعَشَائِرِهِمْ، لِتَرُدَّهُمِ إلَيْهِمْ، فَهُمْ أَعَلَى بِهِمْ عَيْنًا، وَأَعْلَمُ بِمَا عَابُوا عَلَيْهِمْ وَعَاتَبُوهُمْ فِيهِ. قَالَتْ: وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ أَبْغَضَ إِلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ، وَعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ مِنْ أَنْ يَسْمَعَ النَّجَاشِيُّ كَلامَهُمْ، فَقَالَتْ بَطَارِقَتُهُ حَوْلَهُ: صَدَقُوا أَيُّهَا الْمَلِكُ، قَوْمُهُمْ أَعَلَى بِهِمْ عَيْنًا، وَأَعْلَمُ بِمَا عَابُوا عَلَيْهِمْ، فَأَسْلِمْهُمِ إلَيْهِمَا، فَلْيَرُدَّاهُمِ إلَى بِلادِهِمْ وَقَوْمِهِمْ، قَالَت: فَغَضِبَ النَّجَاشِيُّ، ثُمَّ قَالَ: فَغَضِبَ النَّجَاشِيُّ، ثُمَّ قَالَ: لَا هَيْمُ (٢) اللهِ، إِذًَا لَا أُسْلِمُهُمْ إِلَيْهِمَا، وَلا أُكَادُ قَوْمًا
_________________
(١) في (ب) و(ظ ١١) وعلى حاشية (س) و(ص): فأشيروا.
(٢) قال في "اللسان" يمن: العرب تقول: أيم الله وهَيْم الله، الأصل: أيمن الله، وقلبت الهمزة هاء، فقيل: هيم الله. وقال الجوهري: وايمن الله: اسم وضع للقسم هكذا بضم الميم والنون، وألفه ألف وصل عند أكثر النحويين، وهو مرفوع بالابتداء وخبره محذوف، والتقدير: وليمُنُ الله قسمي، وربما حذفوا منه النون، فقالوا: أيم الله، وكانوا يحلفون باليمين، فيقولون: يمين الله لا أفعل، ثم جمعوا اليمين على "أيمن"، ثم حلفوا به، فقالوا: أيمن الله لأفعلن كذا، ثم كثر هذا في كلامهم وخف على ألسنتهم حتى حذفوا منه النون.=
[ ٣ / ٢٦٤ ]
جَاوَرُونِي، وَنَزَلُوا بِلادِي، وَاخْتَارُونِي عَلَى مَنْ سِوَايَ حَتَّى أَدْعُوَهُمْ فَأَسْأَلَهُمْ مَاذَا يَقُولُ هَذَانِ فِي أَمْرِهِمْ، فَإِنْ كَانُوا كَمَا يَقُولانِ أَسْلَمْتُهُمِ الَيْهِمَا وَرَدَدْتُهُمِ الَى قَوْمِهِمْ، وَإِنْ كَانُوا عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ مَنَعْتُهُمْ مِنْهُمَا، وَأَحْسَنْتُ جِوَارَهُمْ مَا جَاوَرُونِي. قَالَتْ: ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَدَعَاهُمْ فَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولُهُ اجْتَمَعُوا، ثُمَّ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: مَا تَقُولُونَ لِلرَّجُلِ إِذَا جِئْتُمُوهُ؟ قَالُوا: نَقُولُ وَاللهِ مَا عَلَّمَنَا، وَمَا أَمَرَنَا بِهِ نَبِيُّنَا ﷺ، كَائِنٌ فِي ذَلِكَ مَا هُوَ كَائِنٌ. فَلَمَّا جَاءُوهُ، وَقَدْ دَعَا النَّجَاشِيُّ أَسَاقِفَتَهُ، فَنَشَرُوا مَصَاحِفَهُمْ حَوْلَهُ، سَأَلَهُمْ فَقَالَ: مَا هَذَا الدِّينُ الَّذِي فَارَقْتُمْ فِيهِ قَوْمَكُمْ، وَلَمْ تَدْخُلُوا فِي دِينِي وَلا فِي دِينِ أَحَدٍ مِنْ هَذِهِ الْأُمَمِ؟ قَالَتْ: فَكَانَ الَّذِي كَلَّمَهُ
_________________
(١) = ووقع في رواية ابن إسحاق عند ابن هشام: لا ها الله إذًا. قال الجوهري في "الصحاح": "ها" للتنبيه وقد يقسم بها، يقال: لا ها الله ما فعلت كذا، أي: لا والله، أبدلت الهاء من الواو، قال ابن مالك في "شواهد التوضيح" ص ١٦٧: فيه شاهد على جواز الاستغناء عن واو القسم بحرف التنبيه، قال: ولا يكون ذلك إلا مع الله. وأما قوله: "إذًا" فقد ثبتت في جميع أصول "المسند" بكسر الألف ثم ذال معجمة منونة، وكذلك جاءت في الروايات المعتمدة والأصول المحققة من "الصحيحين" وغيرهما في حديث أبي قتادة، قال الخطابي فيما نقله عنه الحافظ في "الفتح" ٨/٣٨: هكذا يروونه وإنما هو في كلامهم: "لا ها الله ذا" والهاء فيه بمنزلة الواو، والمعنى: لا والله يكون ذا، ونقل عياض في "المشارق" عن إسماعيل القاضي أن المازني قال: قول الرواة: "لا ها الله إذا" خطأ، والصواب: لا ها الله ذا، أي ذا يميني وقسمي، وقال أبو زيد: ليس في كلامهم: لا ها الله إذًا، وإنما هو: لا ها الله ذا، و"ذا" صلة في الكلام، والمعنى: لا والله، هذا ما أقسم به، ومنه أخذ الجوهري، فقال: قولهم: لا ها الله ذا: معناه: لا والله هذا، ففرقوا بين حرف التنبيه والصلة، والتقدير: لا والله ما فعلت ذا. وانظر "فتح الباري" ٨/٣٨.
[ ٣ / ٢٦٥ ]
جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ لَهُ: أَيُّهَا الْمَلِكُ، كُنَّا قَوْمًا أَهْلَ جَاهِلِيَّةٍ نَعْبُدُ الْأَصْنَامَ، وَنَأْكُلُ الْمَيْتَةَ وَنَأْتِي الْفَوَاحِشَ، وَنَقْطَعُ الْأَرْحَامَ، وَنُسِيءُ الْجِوَارَ يَأْكُلُ الْقَوِيُّ مِنَّا الضَّعِيفَ، فَكُنَّا عَلَى ذَلِكَ حَتَّى بَعَثَ اللهُ إِلَيْنَا رَسُولًا مِنَّا نَعْرِفُ نَسَبَهُ، وَصِدْقَهُ، وَأَمَانَتَهُ، وَعَفَافَهُ، " فَدَعَانَا إِلَى اللهِ لِنُوَحِّدَهُ، وَنَعْبُدَهُ، وَنَخْلَعَ مَا كُنَّا نَعْبُدُ نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ دُونِهِ مِنَ الحِجَارَةِ وَالْأَوْثَانِ، وَأَمَرَنَا بِصِدْقِ الْحَدِيثِ، وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ، وَصِلَةِ الرَّحِمِ، وَحُسْنِ الْجِوَارِ، وَالْكَفِّ عَنِ الْمَحَارِمِ، وَالدِّمَاءِ، وَنَهَانَا عَنِ الْفَوَاحِشِ، وَقَوْلِ الزُّورِ، وَأَكْلِ مَالَ الْيَتِيمِ، وَقَذْفِ الْمُحْصَنَةِ، وَأَمَرَنَا أَنْ نَعْبُدَ اللهَ وَحْدَهُ لَا نُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَأَمَرَنَا بِالصَّلاةِ، وَالزَّكَاةِ، وَالصِّيَامِ "، قَالَ: فَعَدَّدَ عَلَيْهِ أُمُورَ الْإِسْلامِ، فَصَدَّقْنَاهُ وَآمَنَّا بِهِ وَاتَّبَعْنَاهُ عَلَى مَا جَاءَ بِهِ، فَعَبَدْنَا اللهَ وَحْدَهُ، فَلَمْ نُشْرِكْ بِهِ شَيْئًا، وَحَرَّمْنَا مَا حَرَّمَ عَلَيْنَا، وَأَحْلَلْنَا مَا أَحَلَّ لَنَا، فَعَدَا عَلَيْنَا قَوْمُنَا، فَعَذَّبُونَا وَفَتَنُونَا عَنْ دِينِنَا لِيَرُدُّونَا إِلَى عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ مِنْ عِبَادَةِ اللهِ، وَأَنْ نَسْتَحِلَّ مَا كُنَّا نَسْتَحِلُّ مِنَ الخَبَائِثِ، فَلَمَّا قَهَرُونَا وَظَلَمُونَا، وَشَقُّوا عَلَيْنَا، وَحَالُوا بَيْنَنَا وَبَيْنَ دِينِنَا، خَرَجْنَا إِلَى بَلَدِكَ، وَاخْتَرْنَاكَ عَلَى مَنْ سِوَاكَ، وَرَغِبْنَا فِي جِوَارِكَ، وَرَجَوْنَا أَنْ لَا نُظْلَمَ عِنْدَكَ أَيُّهَا الْمَلِكُ، قَالَتْ: فَقَالَ لَهُ النَّجَاشِيُّ: هَلْ مَعَكَ مِمَّا جَاءَ بِهِ عَنِ اللهِ مِنْ شَيْءٍ؟ قَالَتْ: فَقَالَ لَهُ جَعْفَرٌ: نَعَمْ، فَقَالَ لَهُ النَّجَاشِيُّ: فَاقْرَأْهُ عَلَيَّ، فَقَرَأَ عَلَيْهِ
[ ٣ / ٢٦٦ ]
صَدْرًا مِنْ (كهيعص)، قَالَتْ: فَبَكَى وَاللهِ النَّجَاشِيُّ حَتَّى أَخْضَلَ لِحْيَتَهُ، وَبَكَتْ أَسَاقِفَتُهُ حَتَّى أَخْضَلُوا مَصَاحِفَهُمْ حِينَ سَمِعُوا مَا تَلا عَلَيْهِمْ، ثُمَّ قَالَ النَّجَاشِيُّ: إِنَّ هَذَا (١) وَالَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى لَيَخْرُجُ مِنْ مِشْكَاةٍ وَاحِدَةٍ، انْطَلِقَا فَوَاللهِ لَا أُسْلِمُهُمِ الَيْكُمِ ابَدًا، وَلا أُكَادُ، قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: فَلَمَّا خَرَجَا مِنْ عِنْدِهِ، قَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ: وَاللهِ لانَبِّئَنَّهُمْ غَدًا عَيْبَهُمْ عِنْدَهُمْ، ثُمَّ أَسْتَأْصِلُ بِهِ خَضْرَاءَهُمْ، قَالَتْ: فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ - وَكَانَ أَتْقَى الرَّجُلَيْنِ فِينَا -: لَا تَفْعَلْ فَإِنَّ لَهُمِ ارْحَامًا، وَإِنْ كَانُوا قَدْ خَالَفُونَا. قَالَ: وَاللهِ لاخْبِرَنَّهُ أَنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ عَبْدٌ، قَالَتْ: ثُمَّ غَدَا عَلَيْهِ الْغَدَ، فَقَالَ لَهُ: أَيُّهَا الْمَلِكُ، إِنَّهُمْ يَقُولُونَ فِي عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ قَوْلًا عَظِيمًا، فَأَرْسِلِ الَيْهِمْ فَاسْأَلْهُمْ عَمَّا يَقُولُونَ فِيهِ، قَالَتْ: فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ يَسْأَلُهُمْ عَنْهُ، قَالَتْ: وَلَمْ يَنْزِلْ بِنَا مِثْلُهُ، فَاجْتَمَعَ الْقَوْمُ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: مَاذَا تَقُولُونَ فِي عِيسَى إِذَا سَأَلَكُمْ عَنْهُ؟ قَالُوا: نَقُولُ وَاللهِ فِيهِ مَا قَالَ اللهُ، وَمَا جَاءَ بِهِ نَبِيُّنَا كَائِنًا فِي ذَلِكَ مَا هُوَ كَائِنٌ، فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ، قَالَ لَهُمْ: مَا تَقُولُونَ فِي عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ؟ فَقَالَ لَهُ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: نَقُولُ فِيهِ الَّذِي جَاءَ بِهِ نَبِيُّنَا: هُوَ عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، وَرُوحُهُ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ الْعَذْرَاءِ الْبَتُولِ، قَالَتْ: فَضَرَبَ النَّجَاشِيُّ يَدَهُ إِلَى الْأَرْضِ، فَأَخَذَ مِنْهَا عُودًا، ثُمَّ قَالَ: مَا عَدَا عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ مَا قُلْتَ هَذَا الْعُودَ، فَتَنَاخَرَتْ بَطَارِقَتُهُ حَوْلَهُ حِينَ قَالَ مَا قَالَ، فَقَالَ: وَإِنْ نَخَرْتُمْ وَاللهِ اذْهَبُوا، فَأَنْتُمْ سُيُومٌ بِأَرْضِي - وَالسُّيُومُ: الْآمِنُونَ - مَنْ
_________________
(١) في (ظ ١١) وعلى حاشية (س) و(ص): إن هذا والله.
[ ٣ / ٢٦٧ ]
سَبَّكُمْ غُرِّمَ، ثُمَّ مَنْ سَبَّكُمْ غُرِّمَ، فَمَا أُحِبُّ أَنَّ لِي دَبْرًا ذَهَبًا، وَأَنِّي آذَيْتُ رَجُلًا مِنْكُمْ - وَالدَّبْرُ بِلِسَانِ الْحَبَشَةِ: الْجَبَلُ - رُدُّوا عَلَيْهِمَا هَدَايَاهُمَا، فَلا حَاجَةَ لَنَا بِهَا، فَوَاللهِ مَا أَخَذَ اللهُ مِنِّي الرِّشْوَةَ حِينَ رَدَّ عَلَيَّ مُلْكِي، فَآخُذَ الرِّشْوَةَ فِيهِ وَمَا أَطَاعَ النَّاسَ فِيَّ، فَأُطِيعَهُمْ فِيهِ. قَالَتْ: فَخَرَجَا مِنْ عِنْدِهِ مَقْبُوحَيْنِ مَرْدُودًا عَلَيْهِمَا مَا جَاءَا بِهِ، وَأَقَمْنَا عِنْدَهُ بِخَيْرِ دَارٍ مَعَ خَيْرِ جَارٍ. قَالَتْ: فَوَاللهِ إِنَّا عَلَى ذَلِكَ إِذْ نَزَلَ بِهِ - يَعْنِي مَنْ يُنَازِعُهُ فِي مُلْكِهِ - قَالَ: فَوَاللهِ مَا عَلِمْنَا حُزْنًا قَطُّ كَانَ أَشَدَّ مِنْ حُزْنٍ حَزِنَّاهُ عِنْدَ ذَلِكَ، تَخَوُّفًا أَنْ يَظْهَرَ ذَلِكَ عَلَى النَّجَاشِيِّ، فَيَأْتِيَ رَجُلٌ لَا يَعْرِفُ مِنْ حَقِّنَا مَا كَانَ النَّجَاشِيُّ يَعْرِفُ مِنْهُ. قَالَتْ: وَسَارَ النَّجَاشِيُّ وَبَيْنَهُمَا عُرْضُ النِّيلِ، قَالَتْ: فَقَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ: مَنْ رَجُلٌ يَخْرُجُ حَتَّى يَحْضُرَ وَقْعَةَ الْقَوْمِ ثُمَّ يَأْتِيَنَا بِالْخَبَرِ؟ قَالَتْ: فَقَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ: أَنَا، قَالَتْ: وَكَانَ مِنْ أَحْدَثِ الْقَوْمِ سِنًّا، قَالَتْ: فَنَفَخُوا لَهُ قِرْبَةً، فَجَعَلَهَا فِي صَدْرِهِ ثُمَّ سَبَحَ عَلَيْهَا حَتَّى خَرَجَ إِلَى نَاحِيَةِ النِّيلِ الَّتِي بِهَا مُلْتَقَى الْقَوْمِ، ثُمَّ انْطَلَقَ حَتَّى حَضَرَهُمْ. قَالَتْ: وَدَعَوْنَا اللهَ لِلنَّجَاشِيِّ بِالظُّهُورِ عَلَى عَدُوِّهِ، وَالتَّمْكِينِ لَهُ فِي بِلادِهِ، وَاسْتَوْسَقَ عَلَيْهِ أَمْرُ الْحَبَشَةِ، فَكُنَّا عِنْدَهُ فِي خَيْرِ مَنْزِلٍ، حَتَّى قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَهُوَ بِمَكَّةَ (١)
_________________
(١) إسناده حسن، رجاله ثقات رجال الشيخين غير محمد بن إسحاق، فقد روى له مسلم متابعة، وهو صدوق حسن الحديث إلا أنه مدلس، لكنه هنا صرح بالتحديث فانتفت شبهة تدليسه. يعقوب: هو ابن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم الزهري، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث- وهو أحد الفقهاء السبعة المعروفين في المدينة- قيل: اسمه محمد، وقيل: المغيرة، وقيل: أبو بكر اسمه، وكنيته عبد الرحمن، وقيل: اسمه كنيته=
[ ٣ / ٢٦٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) =وهو في "السيرة" لابن هشام ١/٣٥٧-٣٦٢ عن ابن إسحاق، بهذا الإسناد. وأخرجه أبو نعيم في "الحلية" ١/١١٥-١١٦ مختصرًا من طريق إبراهيم بن سعد، به. وأخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" ٢/٣٠١- ٣٠٤ من طريق يونس بن بكير، وأبو نعيم في "دلائل النبوة" (١٩٤) من طريق جرير بن حازم كلاهما عن محمد بن إسحاق، به. وأخرج قسمًا منه الطبراني (١٤٧٩) من طريقين عن ابن إسحاق، به. وجلْدين أي: قوين. ويُسْتَطْرف، أي: مما يندر وجوده ويستحسن من الأشياء. والأدم: جمع أديم، وهو الجلد. والبطريق: رئيس الأساقفة، أو الحافق في الحرب. وصبا، بدون همز: أي مال، وصبا بالهمز: أي ترك دينه وخل دينًا آخر. وقوله: فإن قومهم أعلى بهم غينًا أي: أبصر بهم وأعلم بحالهم. قال السهيلي في "الروض الأنف" ٢/٩٢-٩٣: أي: أبصر بهم، أي: عينهم وإبصارهم فوق عين غيرهم في أمرهم، فالعين هاهنا بمعنى الرؤية والإبصار، لا بمعنى العين التي هي الجارحة، وما سميت الجارحة عينًا إلا مجازًا، لأنها موضع العيان، وقد قالوا: عانه يعينه عينًا: إذا رآه، وإن كان الأشهر في هذا أن يقال: عاينه معاينة، والأشهر في"عنت" أن يكون بمعنى الإصابة بالعين وإنما أوردنا هذا الكلام ليعلم أن العين في أصل وضع اللغة صفة لا جارحة، وأنها إذا أضيفت إلى البارئ سبحانه، فإنها حقيقة نحو قول أم سلمة لعائشة: بعين الله مهواك وعلى رسول الله تردين؟ وفي التنزيل: ﴿ولتصنع على عيني﴾ وقد أملينا في المسائل المفردات مسألة في هذا المعنى، وفيها الرد على من أجاز التثنية في العين مع إضافتها إلى الله تعالى وقاسها على اليدين، وفيها الرد عنى من احتي بقول النبي ﷺ: "إن ربكم ليس بأعور" وأوردنا في ذلك ما فيه شفاء، وأتبعناه بمعان بديعة في معنى عور الدجال، فلينظر هناك. واستوسق أي: اجتمع. وقول جعفر بن أبي طالب في عيسى صلوات الله عليه: "هو روح الله وكلمته" قال السهيلي: كلمته، أي: قال له كما قال لآدم حين خلقه من تراب، ثم قال له كن فيكون، ولم يقل: فكان، لئلا يتوهم وقوع الفعل بعد القول بيسير، وإنما هو واقع للحال، فقوله:=
[ ٣ / ٢٦٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = (فيكون) مشعرًا بوقوع الفعل في حال القول وتوجه الفعل بيسير على القول، لا يمكن مستقدم ولا مستأخر، فهذا معنى الكلمة. وأما روح الله، فلأنه نفخة روح القدس في جيب الطاهرة المقدسة، والقدس: الطهارة من كل ما يشين أو يعيب أو تقذره نفس، أو يكرهه شرع، وجبريل روح القدس، لأنه روح لم يخلق من مَني ولا صدرعن شهوة، فهو مضاف إلى الله سبحانه إضافةَ تشريف وتكريم، لأنه صادر عن الحضرة المقدسة، وعيسى ﵇ صادر عنه، فهو روحُ الله على هذا المعنى، إذ النفخ قد يسمى روحًا كما قال غيلان يصف النار: فقلتُ له ارفعْها إليكَ وأحْيها برُوحكَ واقْتَتْهُ لها قِيتَةً قَدْرًا وقوله: "ولا أكاذ"، أي: ولا أخشى أن يلحقني فيه كيد، و"قومًا" نصب على البدل من الضمير في قوله: "لا أسلمهم"، وفي "سيرة ابن هشام": ولا ئكادُ قوئم جاوروني. وقوله: "والذي جاء به موسى"، قال السندي: لم يقل: عيسى، مع أنه نبيهم، لما فيه من خلاف اليهود، بخلاف موسى، فلم يختلف أحد من الطوائف المعلومة في نبوته.
[ ٣ / ٢٧٠ ]