لم يكن تأليفُ الإمام أحمد لمسنده بِدْعًا من التآليف، فقد سبقه إلى ذلك غيرُ واحد من أئمِّةِ هذا العلم في مُخْتَلِفِ أمصارِ المسلمين، لكن اختُلِفَ في أولِ من ألَّف على هذه الطريقة من الترتيب:
فقد قال الخليليُّ في " إرشاده " في ترجمة أبي داود الطيالسي: أولُ من صنَّف المسندَ على ترتيب الصحابة بالبصرة أبو داود الطيالسي (ت ٢٠٤ هـ)، وبالكوفة عبيد الله بن موسى (ت ٢١٣ هـ)، ثم من صنَّفَ كان تَبَعًا لهما، ونَقَل هذا القول الذهبيُّ في " سير أعلام النبلاء " ٩ / ٥٥٤ في ترجمة عُبيد الله بن موسى.
_________________
(١) انظر " الرسالة المستطرفة " ص ٦٠، ٦١.
[ ١ / ٥١ ]
أما ابنُ عدي، فقد ذكر في " الكامل " ٧ / ٢٦٩٤ في ترجمة يحيى الحِمَّاني أنه يُقَالُ: إنَّ أول من صنَّف المسند بالبصرة مُسَدَّدٌ (ت ٢٢٨ هـ)، وأوَّلُ مَنْ صنَّف بالكوفة يحيى الحِمَّاني (ت ٢٢٨ هـ)، وأوَّل من صنَّف بمصر أسدُ السُّنَّة (ت ٢١٢ هـ) .
وقال أبو بكر الخطيب في " تاريخ بغداد " ١٣ / ٣٠٦: يُقالُ: إنَّ أول من جَمَع المسند وصنَّفه نُعَيْمُ بنُ حَمَّاد. وهذا القول نقله الذهبيُّ في " سير أعلامِ النبلاء "١٠ / ٥٩٧ عن أحمد، إذ قال: أول من عَرَفْناه يكتُب المسند نُعيم بن حماد (ت ٢٢٨ هـ) .
ويُذكر في أوائل من صنف المسند بمكة الحُميدي (ت ٢١٩ هـ)، وهو أقدمُ موتًا من الحِمَّاني ومُسَدَّد، إلا أن هناك من هو أقدمُ موتًا من الحميدي وقد صنَّف المسند، هو محدث نيسابور أبو إسحاق إبراهيمُ بن نصر السُّورياني (ت ٢١٣ هـ) .
وبصَرْفِ النَّظَر عمن سَبَق فعلًا إلى تأليفِ المسند، فإن هؤلاء الأئمة المذكورين هم مِنْ أوائل مَنْ صنَّفَ المسند، وسنَعرِضُ ترجمةً موجَزةً لكلٍّ منهم مرتبين حسب التسلسل الزمني لوفياتهم:
١- أبو داود الطيالسي (١)، ومو سليمانُ بنُ داود بن الجارود الطيالسي، نسبةً إلى الطيالسة التي تُجعَل على العمائم، مولى آل الزبير، الحافظ الثقة، ولد في البصرة سنة ١٣٣ هـ، وتُوفي بها سنةَ ٢٠٣ أو ٢٠٤ للهجرة، كان كثيرَ الحِفْظِ، قيلَ: كان يحفظ ثلاثين ألفَ حديثٍ، وكان يُملي مِن حفظه، ولا يروي مِن أصله، ولذلك أخطأ في عدة أحاديث، ومسنده (٢)
_________________
(١) مترجم في " سير أعلام النبلاء " ٩ / ٣٧٨ - ٣٨٤.
(٢) قال الإمام الذهبي في " السير ": سمع يونس بن حبيب - يعني من أبي داود - عدة =
[ ١ / ٥٢ ]
معروف متداول، طُبِع في حيدر آباد سنة ١٣٢١ هـ، وصوَّرته عنه دار المعرفة في بيروت. وقد رتبه على الأبواب الفقهية العلاّمة الشيخ أحمد بن عبد الرحمن البنا الشهير بالساعاتي، في كتاب " منحة المعبود في ترتيب مسند الطيالسي أبي داود "، وطبع في المطبعة المنيرية بالأزهر سنة ١٣٧٢ هـ.
وقد سقط من المطبوع مسانيد ثمانية من الصحابة رضوان الله عليهم كما هو مبين في مسرد أحاديث الصحابة المدرجة في الجزء الرابع منه انظر الصفحة ١١٩ من المطبوع وهم على التوالي: العباس بن عبد المطلب، والفضل بن العباس، وعبد الله بن جعفر، وكعب بن مالك، وسلمة بن
الأكوع، وسهل بن سعد الساعدي، ومعاوية بن أبي سفيان، وعمرو بن العاص، ومحل هذه المسانيد بعد السطر الثامن من الصفحة ١٣١ من المطبوع.
٢- أسد السنة، وهو الإمامُ الحافظُ الثقة أسدُ بنُ موسى بن إبراهيم ابن الخليفة الأُمَوي الوليد بن عبد الملك بن مروان القرشي الأموي المصري، وُلِدَ بمصر سنة اثنتين وثلاثين ومئة، روى له أبو داود والنسائي، واستشهد به البخاريُّ، مات بمصر سنة اثنتي عشرة ومئتين، وله ثمانون سنة (١) .
_________________
(١) = مجالس مفرقة، فهي المسند الذي وقع لنا. وقال الخطيب البغدادي: قال لنا أبو نعيم: صنف أبو مسعود الرازي ليونس بن حبيب مسند أبي داود. وهذا يدل على أن المسند هو جملة أحاديث حدّث بها الطيالسي من حفظه في عدة مجالس، وقد سمعها منه يونس بن حبيب ثم صنف هذه المسموعات أبو مسعود الرازي له، فجعلها مسندًا. وانظر " فتح المغيث " ١ / ٨٨.
(٢) مترجم في " سير إعلام النبلاء " ١٠ / ١٦٢ - ١٦٤.
[ ١ / ٥٣ ]
٣ - السُّورياني (نسبة إلى سُوريان قرية من قرى نيسابور)، وهو الإمامُ الحافظُ البارعُ محدث نيسابور أبو إسحاق إبراهيمُ بنُ نصر الخراساني المُطَّوّعي الغازي، كان أبو زرعة يُقدِّمُه ويُفخِّمُه، استُشهِد في حرب بابك الخرَّمي سنة ثلاث عشرة ومئتين، ويقال: سنة عشر ومئتين في الكهولة (١) .
٤- عُبيدُ الله بن موسى العَبْسِي أبو محمد، الإمام الحافظ الثقة العابد، وُلد في حدود عام عشرين ومئة، كان مجوِّدًا للقرآن، وحديثه في الكتب الستة، مات سنة ثلاث عشرة ومئتين، وقيل: سنة أربع عشرة (٢) .
٥- الحُميدي، وهو الإمامُ الحافظُ الثقة الفقيه شيخُ الحرم أبو بكر عبدُ الله بنُ الزبير بن عيسى القرشي الأسدي الحُميدي المكي، حَدَّث عنه البخاريُّ وأبو داود والترمذي والنسائي، مات بمكة سنة تسع عشرة ومئتين، وقيل:
سنة عشرين (٣) . و" مسنده " مطبوع متداول، طبع في جزأين بتحقيق العلاّمة المحدث حبيب الرحمن الأعظمي، وهو من منشورات المجلس العِلمي بالهند، وصُوِّر عن هذه الطبعة في بيروت.
٦- يحيى الحِمَّاني، وهو الإمامُ الكبير الحافظ الثقة أبو زكريا يحيى بن عبد الحميد الحِمَّاني الكوفي، ولد نحو الخمسين ومئة، روى العُقَيْلي عنه أنه قال لقومٍ غرباء في مجلسه: مِن أين أنتم؟ فأخبروه، فقال: سمعتُم ببلدكم أحدًا يتكلَّم فيَّ ويقولُ: إني ضعيفٌ في الحديث؟ لا تسمعوا كلام أهلِ الكوفة، فإنهم يحسُدُوني، لأني أوَّلُ من جمع المسند، وقد تقدَّمتهم في غير شيء. مات الحِمَّاني سنة ثمان وعشرين ومئتين في سامَرَّا، وكان
_________________
(١) مترجم في " سير أعلام النبلاء " ١٠ / ٣٩٧.
(٢) مترجم في " سير أعلام النبلاء " ٩ / ٥٥٣ - ٥٥٧.
(٣) مترجم في " سير أعلام النبلاء " ١٠ / ٦١٦ - ٦٢١.
[ ١ / ٥٤ ]
أوَّل من مات بها من المحدثين الذين أُقدِموا إليها في مسألة خلق القرآن (١) .
٧- مُسَدَّد بن مُسَرْهَد، الإمامُ الحافظ الحجّة أبو الحسن الأسدي البصري، وُلد في حدود الخمسين ومئة، حدث عنه البخاريُّ، وأبو داود والترمذيُّ والنسائي، وقال أحمد ابن حنبل: مسدَّدٌ صدوق، فما كتبتَ عنه فلا تَعْدُ.
مات سنة ثمان وعشرين ومئتين (٢) .
٨- نُعَيم بن حمَّاد، العلامة المحدث أبو عبد الله الخُزاعي المَرْوزي، روى عنه البخاريُّ مقرونًا بآخر وأبو داود والترمذي وابن ماجه بواسطة، أُشخِص من مصر إلى سامَرَّا في خلافة المعتصم، فسُئل عن القرآن، فأبى أن يُجيبَ فيه بشيء مما أرادوه عليه، فحُبسَ بسامَرَّا، ولم يَزَلْ محبوسًا بها
حتى ماتَ في السجن سنة ثمان وعشَرين ومئتين، وقيل: سنة تسع وعشرين (٣) .
٩- الشيخ الإمام الحجة وأمير المؤمنين في الحديث أبو الحسن علي بن عبد الله بن جعفر بن نجيح السعدي مولاهم البصري المعروف بابن المديني المتوفى سنة ٢٣٤ هـ.
قال أبو حاتم الرازي: كان ابن المديني علمًا في الناس في معرفة الحديث والعلل، وكان أحمد بن حنبل لا يسميه، إنما يكنيه تبجيلًا له، ما سمعت أحمد سماه قط.
_________________
(١) مترجم في " سير أعلام النبلاء " ١٠ / ٥٢٦ - ٥٤٠.
(٢) مترجم في " سير أعلام النبلاء " ١٠ / ٥٩١ - ٥٩٥.
(٣) مترجم في " سير أعلام النبلاء " ١٠ / ٥٩٥ - ٦١٢.
[ ١ / ٥٥ ]
وقال الإمام البخاري: ما استصغرت نفسي عند أحد إلا عند علي بن المديني.
وقال الذهبي في " السير " ١١ / ٤٣: وبرع في هذا الشأن، وصنف وجمع، وساد الحفاظ في معرفة العلل.
له " علل المسند " ثلاثون جزءًا حكاه الحاكم في معرفة " علوم الحديث " ص ٧١، وابن النديم في " الفهرست " ص ٢٣١، ويبدو أنه كان موجودًا أو أجزاء منه في القرن الثامن الهجري، فقد أكثر النقل عنه الحافظ ابن كثير في " مسند عمر " ولعله فُقِدَ فيما فُقِدَ من الكتب في كائنة تيمور
سنة (٨٠٣ هـ) .
هؤلاء هم الأئمة الذين يُعَدُّونَ من أوائلِ من ألَّف المسند في بدايةِ القرنِ الثالث الهجري، ثم إنَّ الذين تتابعوا في التصنيف فيه كثرٌ، يَصعُبُ إحصاؤهم هنا، وثَمَّةَ مؤلفات سَرَدَتْ عددًا كبيرًا منهم يُمكنُ الرجوعُ إليها كـ " الرسالة المستطرفة " ص ٦١ - ٧٤، و" كشف الظنون " (١) .