ومصنِّفُ هذا الديوان العظيم: هو شيخ الإسلام، وأحد الأئمة المتبوعين، الإِمامُ أحمدُ بنُ محمدِ بنِ حَنْبلٍ الشَّيْباني (١) .
أصلُه من البصرة (٢)، وكان جدُّه حنبلٌ مِن مناصري الدعوة العباسية، وولي سَرْخَس (٣)، وكان أبوه محمدٌ من أجناد مَرْو (٤)، قَدِمَت به أمُّه وهي حامل به إلى بغداد، فوُلِد فيها سنة (١٦٤ هـ)، ثم ما لَبِثَ أن تُوفي أبوه شابًا له نحوٌ من ثلاثين سنة، فرُبِّي أحمدُ يتيمًا (٥) .
وقد بَدَتْ مخايِلُ النبوغ والورع عليه منذُ طفولته (٦)، وحين أنهى الكُتَّابَ، وبلغ الرابعة عشرةَ من عمره، راح يختلِف إلى الدِّيوان، حيث كان عمُّه إسحاقُ مسؤولًا عن أخبار بغداد يُوصِلها إلى داود بنِ بِسطام، عاملِ البريد للرشيد، واتفق يومًا أن أرسلها مع ابن أخيه أحمد، فرمى بها في الماء
تورُّعًا (٧)، وانقطع منذ ذلك اليوم عن التردُّد إلى الديوان.
واتَّجهَتْ همته إلى طلبِ الحديث، وله مِن العمر خمسَ عشرةَ سنة (٨)، وذلك سنة (١٧٩ هـ)، فكانَ أولَ من كتب عنه الحديثَ الإمامُ أبو يوسف القاضي (٩) (ت ١٨٢ هـ) صاحب الإمام أبي حنيفة، وكبير القضاة في عصره، وفي هذه السنة نفسِها قَدِم إلى بغداد المحدثُ الكبير عبد الله بن المبارك
_________________
(١) انظر تتمة نسبه في تاريخ بغداد ٤ / ٤١٣ - ٤١٤.
(٢) سير أعلام النبلاء: ١١ / ١٨٣. (٣) السير: ١١ / ١٨٤.
(٣) المصعد الأحمد: ٣٦. (٥) السير: ١١ / ١٧٩.
(٤) المصعد الأحمد: ٣٦، مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي: ٢٠.
(٥) المناقب: ٢١ - ٢٢.
(٦) السير: ١١ / ١٧٩. (٩) المناقب: ٢٣.
[ ١ / ٣٨ ]
فسعى إلى مجلسه، فلم يُدرِكْه، إذ ألفاه قد خرج إلى طَرَسُوس لغزو الرُّوم (١) .
وكان أكثرُ سماعه في هذه الفترة على مُحدِّثِ بغداد هُشَيمِ بن بَشيرٍ، وفي مجلسه سَمِعَ الإِمام أحمد بوفاة حماد بن زيد والإِمام مالك بن أنس (٢)، وظلَّ ملازمًا لهشيم حتى وفاته سنة (١٨٣ هـ)، وكتب عنه أكثرَ من ثلاثةِ آلاف حديث (٣)، وبدأ يَظهَرُ قدرُ الإِمام أحمد منذ تلك الأيام (٤) .
وبعد وفاة شيخه هُشَيم رحل الإِمام أحمد إلى الكوفة ماشيًا - وكانت أولى رحلاته - وله من العمر عشرون سنة، فسمع فيها أبا معاوية الضَّرير (ت ١٩٤ هـ)، ووكيعًا (ت ١٩٧ هـ)، وذاع في الكوفة أنه حُجَّة في حديث هُشيم، حتى أن الإِمام وكيعًا سأله ذاتَ مرةٍ عن حديثٍ إنْ كانَ عند هُشَيم؟
فأجابه الإِمام أحمد: لا (٥) . وفي الكوفة حَفِظَ كتبَ وكيع كلَّها (٦)، وأكثر من الكتابة عنه (٧)، وكان الإِمام وكيع يُجِلُّهُ ويحترِمُه ويعرف له قدره (٨) .
وفي سنة (١٨٦ هـ) كانت أولى رحلاته إلى البصرة (٩)، فسمع فيها من مُعتَمِر بن سليمان (ت ١٨٧ هـ)، وبِشْر بن المفضل (ت ١٨٧ هـ)، ومرحوم بن عبد العزيز الأُموي (ت ١٨٨ هـ)، وآخرين.
وكان دائمَ الرِّحلَة بَيْنَ الكُوفة والبصرة يكتب الحديثَ عن شيوخهما، قال ابنُ منيع: سمعتُ جدي يقول: مَرَّ أحمدُ ابن حنبل جائيًا من الكوفة، وبيده خريطةٌ فيها كتب، فأخذتُ بيده، فقلتُ: مرةً إلى الكوفةِ، ومرةً إلى البصرة،
_________________
(١) السير: ١١ / ١٨٣.
(٢) السير: ١١ / ١٧٩ - ١٨٠. (٣) السير: ١١ / ١٨٣ - ١٨٤.
(٣) السير: ١١ / ٢٣١. (٥) السير: ١١ / ١٨٦.
(٤) السير: ١١ / ١٨٦. (٧) السير: ١١ / ٣٠٧.
(٥) السير: ١١ / ١٨٦ - ١٨٧. (٩) السير: ١١ / ١٨٣، والمناقب: ٢٥.
[ ١ / ٣٩ ]
إلى متى؟ إذا كتب الرجلُ ثلاثين ألف حديث لم يَكْفِهِ؟ فسكت، ثم قلتُ: ستين ألفًا؟ فسكت، فقلت: مئة ألف؟ فقال: حينئذٍ يَعرِفُ شيئًا. قال أحمدُ بنُ منيع: فنظرنا، فإذا أحمدُ كتب ثلاث مئة ألف عن بَهْز بن أسد (ت ١٩٧ هـ)، وعفان (ت ٢٢٠ هـ)، وأظنه قال: ورَوْح بن عُبَادة
(ت ٢٠٥ هـ) (١) .
وفي سنة (١٨٦ هـ) أيضًا رحل إلى عَبادان (٢) .
وفي السنة التي تلتها رَحَل إلىِ الحجاز أولَ مرةٍ (٣)، حيث قدم مكة وقد مات الزاهدُ الفضيلُ بن عياض، فسَمِعَ من سفيان بن عيينة (ت ١٩٨هـ)، قال الإِمام أحمد: فاتني مالكٌ فأَخْلَفَ الله عليَّ سفيانَ بن عيينة (٤)، وفي مكة التقى أيضًا الإِمام الشافعيَّ أوَّل مرة، ثم تعددت اللقاءاتُ بينهما في بغداد حين أقام فيها الشافعي سنة (١٩٥ هـ) مدة سنتين، وقد كتب الإمام أحمد كتب الشافعي كلَّها (٥) .
وفي سنة (١٩٠ هـ) دخل البصرة دَخْلَتَهُ الثانية (٦)، وفيها سمع من محمد بن إبراهيم بن أبي عَدِيّ (ت ١٩٤ هـ) .
وفي سنة (١٩١ هـ) كانت رِحلتُه الثانية إلى الحجاز.
_________________
(١) المناقب: ٢٨ - ٢٩.
(٢) المناقب: ٢٦، وعبادان: مدينة تحت البصرة: بينهما اثنا عشر فرسخًا، وهي غربي إيران على الخليج.
(٣) حجَّ الإمام أحمد خمس حجج، ثلاث منها راجلًا. السير: ١١ / ١٨٣.
(٤) المناقب: ٣٠.
(٥) وفيات الأعيان: ٤ / ١٦٤، طبقات الشافعية للسبكي: ٢ / ١١٤.
(٦) المناقب: ٢٧.
[ ١ / ٤٠ ]
وفي سنة (١٩٤ هـ) كانت رِحلته الثالثة إلى البصرة، وكانت إقامته فيها عند الإمام الكبير يحيى بن سعيد القطان (ت ١٩٨هـ) مدة ستة أشهر (١)، وقد أكثر عنه (٢)، وفي أثناء إقامته سَمعَ من سليمان بن حرب (ت٢٤٤ هـ)، وأبي النعمان محمد بن الفضل (ت ٢٢٤ هـ)، وأبي عمر حفص بن عمر الحَوْضِي (ت ٢٢٥ هـ) .
وفي سنة (١٩٤ هـ) أيضًا خرج من البصرة إلى واسط، فَسَمِعَ فيها من الإِمام يزيد بن هارون (٣) (ت ٢٠٦ هـ) .
وفي سنة (١٩٦ هـ) كانت رحلتُه الثالثةُ الى مكة، ثم عاد إليها سنة (١٩٧ هـ)، وأقام فيها مجاورًا مدةً، ثم عاد إليها أيضًا سنة (١٩٨ هـ)، وقد جَلَسَ بمسجدِ الخَيْف وأفتى فيه فتيا واسعة، وسفيان بن عيينة ما يزالُ حيًا (٤) .
وفي سنة (١٩٩ هـ) خرج الى اليمن ماشيًا مع رفيق رحلته يحيى بن معين للسَّماع مِن عبد الرزاق بن همَّام الصَّنْعاني (ت ٢١١ هـ) صاحب " المصنف "، وكان صِيتُ الإِمام أحمد قد سبقه إليه (٥)، فأقام عنده قريبًا من عشرةِ أشهر (٦)، سمع في أثنائها منه الكتبَ، وأكثر عنه. وبعد عَوْدَتِه إلى بغداد شَرَع الإِمامُ أحمد بتصنيف " المسند " (٧)، وهو في السادسةِ والثلاثين من عمره.
_________________
(١) المناقب: ٢٧.
(٢) السير: ١١ / ١٨٠.
(٣) المناقب: ٢٧.
(٤) السير: ١١ / ٣٠٩، ومسجد الخيف: هو في مِنى، والخيف: ما انحدر من غلظ الجبل وارتفع عن مسيل الماء، ومنه سمي مسجد الخيف.
(٥) السير: ١١ / ١٩١ - ١٩٢.
(٦) السير: ١١ / ٣٠٦. (٧) خصائص المسند: ٢٥.
[ ١ / ٤١ ]
وفي سنة (٢٠٠ هـ) رحل إلى البصرة رِحْلَتَهُ الأخيرة (١)، فسمع فيها من عبد الصمد بن عبد الوارث (ت ٢٠٧ هـ)، ومن صاحب " المسند " سليمان بن داود الطيالسي (ت ٢٠٣ هـ)، ومن محمد بن بكر البُرْساني (ت ٢٠٣ هـ) .
ولم تذكر المصادر التي ترجمت للإمام أحمد متى دخل المِصِّيصة، وسَمِعَ فيها من حجاج بن محمدٍ الأعور (٢) (ت ٢٠٦ هـ)، ولا متى خَرَجَ منها قاصدًا طَرَسُوسَ للغَزَاة (٣)، ولا متى دخل الرَّقَّة، وسمع فيها من فياض بن محمد بن سنان الرَّقِّي (٤)، والذي وقفنا عليه فيها أنه في سنة (٢٠٤ هـ) - وقد بَلَغ الأربعين - تَصدَّر للتحديث والفتوى، وصار يُرْحَلُ إليه (٥)، وهي السنةُ نفسها التي تُوفي فيها الإمامُ الشافعي، ودخل فيها المأمون مدينةَ بغداد.
وفي سنة (٢٠٩ هـ) (٦) كانت آخِرُ رحلاته، فقد خرج فيها إلى الشام، ثم لم يَخرُجْ من بغداد حتى كانت المحنة سنة (٢١٨ هـ) .
وشيوخُ الإمام أحمد الذين سَمِعَ منهم يَطُولُ ذِكرُهُم، ويَشُقُّ إحصاءُ أسمائهم، كما قال الخطيب البغدادي (٧)، ولكنَّ عدد مَنْ روى عنهم في " مسنده " مئتان وثلاثةٌ وثمانونَ شيخًا (٨) .
وبقي الإِمام أحمد متصدِّرًا للفُتيا والتحديث حتى سنة (٢١٨ هـ) حين أعلَنَ المأمون رأيه بخَلْقِ القرآن، وأمر بامتحانِ العلماءِ فيه، وقد أجابه كثيرٌ إلى ما ذَهَب إليه خوفًا من الضرب والموت، وظَلَّ الإِمامُ أحمدُ ثابتًا على موقفه بأن القرآن كلامُ الله غيرُ مخلوقٍ، فأمر المأمونُ بأشخاصه إليه، وكان وقتئذٍ
_________________
(١) المناقب: ٢٧. (٢) السير: ٩ / ٤٤٨.
(٢) السير: ١١ / ٣٠٨، ٣١١. (٤) تعجيل المنفعة: ٣٣٦.
(٣) المناقب: ١٨٨. (٦) السير: ١١ / ٣٠٦.
(٤) تاريخ بغداد: ٤ / ٤١٣. (٨) المصعد الأحمد: ٣٤، السير: ١١ / ١٨١.
[ ١ / ٤٢ ]
يغزو بلادَ الرومِ، فحُمِل إليه الإِمامُ مقيَّدًا، وما إن وَصَل إلى الرَّقَّةِ حتى جاء نَعْيُ المأمون، فَرُدَّ إلى بغداد، وسُجِن فيها (١) .
وتولَّى المعتصمُ الخلافةَ، وراح يُكْمِلُ ما بدأ فيه أخوه نزولًا عند وصيته، فأحضر الإمامَ أحمد من سجنه - وكان قد مرَّ عليه فيه سنتان وأربعةُ أشهرٍ - (٢) وناظره في قصره مدةَ ثلاثةِ أيام (٣)، وحين أعياه ثباتُ الإِمام أحمد وجرأته أَمَر بضَرْبِه، وذلك بمشورة قاضي قضاته المعتزلي أحمد بن أبي دُوَاد، فقام الجلادون بضربه بالسياط ضربًا مُبَرِّحًا أشرف فيه على التلف، وكي لا تقومَ العامَّةُ الهائجة خارجَ القصر باضطراب لا يُعرف كيف السبيلُ للسَّيطرةِ عليه، أمر المعتصم بالإِفراج عنه، وهو يظن في نفسه أنه ميتٌ لا مَحالة (٤)، فأفرج عنه سنة (٢٢٠ هـ)، ولكن الإِمام أحمد تماثل للشفاء وإنْ بَقِيَتْ آثار ضربه ظاهرة على جسده، وعاد إلى ما كان عليه من التحديث والفتيا وحضور الجمعة والجماعة، وظلَّ كذلك حتى وفاة المعتصم سنة (٢٢٧ هـ) وولاية الواثق إلى أوائل سنة (٢٢٨ هـ) (٥)، إذ عاد الواثق إلى إثارة محنة خَلْق القرآن من جديد، وطلب أن تُدَرَّس هذه المسألةُ للصبيان في الكُتَّاب، فضجَّ الفُقهاءُ والمحدثون لهذا الأمر، وكادت أن تقع فتنة لولا أن الإمامَ أحمد أمرهم بالصبر حين قصدوه يُعلِنُون تبرُّمَهم من هذا الأمر، وعلم الواثقُ بخبر هذا الاجتماع، فأرسلَ الى الإِمام أحمد: أن لايجتمعنَّ إليك أحدٌ، ولا تُساكنِّي بأرضٍ ولا مدينةٍ أنا فيها، فاذهب حيثُ شئتَ من أرض الله. فلزم الإِمام أحمد بيته لا
_________________
(١) السير: ١١ / ٢٣٨، ٢٤٢ - ٢٤٣، مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي: ٣١٦.
(٢) السير: ١١ / ٢٥٢.
(٣) السير: ١١ / ٢٤٣ - ٢٥٢.
(٤) السير: ١١ / ٢٦٠ - ٢٦١.
(٥) السير: ١١ / ٣١٢.
[ ١ / ٤٣ ]
يخرج إلى صلاة ولا غيرها حتى هَلَك الواثق، وذلك سنة (٢٣٢ هـ) (١)، وولي المتوكلُ، فأمر بعد سنتين من خلافته - أي سنة (٢٣٤ هـ) (٢) - برفع المحنة، وأن يعودَ الناسُ إلى ما كانوا عليه، وراح المتوكل يَطلُبُ المحدثين إلى سامَرّا حيث كان يقيمُ ليعقِدوا مجالسَ حديثهم هناك، وكان الإمامُ أحمد قد عاد إلى تحديث أصحابه في بغداد (٣)، فأمره المتوكلُ في أواخر سنة (٢٣٥ هـ) أن يَقْدَمَ إلى سامَرّا، فذهب إليه الإمام أحمد على مَضَضٍ، ثم بدا للمتوكل أن يُعِيدَهُ، فأمره وهو في طريقه إليه أن يعودَ إلى بغداد، فعاد وقد امتنع من التحديث إلا لولديه وابن عمه (٤) . ثم أرسل يستدعيه من جديدٍ سنةَ (٢٣٧ هـ)، واضطُرَّ الإمام أحمد للذهاب إليه، ولكنه اكتشف أنه سيكونُ في سامَرّا في سجنٍ من نوع جديد، فانقبض، ورَفَض أن يشتري بيتًا هناك أو يحدث (٥)، وأعطى اللهَ عهدًا أن لا يحدِّثَ بحديثٍ على تمامه حتى يلقاه، ولا يستثني من هذا العهد حتى ولديه. قال الإمام أحمد: إنما يريدون أُحَدِّث، ويكون هذا البلدُ حبسي، وإنما كان سبب الذين أقاموا بهذا البلدِ لما أُعطوا فقَبِلوا، وأُمِروا فحدَّثوا، والله لقد تمنَّيْتُ الموتَ في الأمرِ الذي كان، وإنني لأتمنى الموتَ في هذا وذاك، إن هذا فتنةُ الدنيا وذاك فتنةُ الدِّين. ثم جعل يَضُمُّ أصابِعَهُ ويقول: لو كان نفسي في يدي لأرسَلْتُها، ثم يفتح أصابعه (٦) .
وبقي في سامَرّا ستة عشرَ يومًا (٧)، لم يَلْقَ فيها المتوكل، وإزاءَ إصراره سَمَحَ له المتوكلُ بالعودة إلى بغداد، فعاد (٨) . وحاول ولدُه عبدُ الله مرةً أن
_________________
(١) السير: ١١ / ٢٦٤. (٢) تاريخ الخلفاء للسيوطي: ٣٤٦.
(٢) السير: ١١ / ٢٦٥. (٤) السير: ١١ / ٢٦٦.
(٣) السير: ١١ / ٢٧٤، ٢٧٦. (٦) السير: ١١ / ٢٧٦ - ٢٧٧.
(٤) السير: ١١ / ٣٣٤. (٨) السير: ١١ / ٢٢٣.
[ ١ / ٤٤ ]
يستَدْرِجَه ليحدِّثَه بحديثٍ على تمامه - وكان عبدُ الله يشتهي الحديثَ - فامتنع، بل قال الإِمام أحمد: لو ضُرِبَتْ ظهري بالسياط ما حدَّثْتُ (١) .
ولا يعني انقطاعَه عن الرواية انقطاعه عن العلم بتاتًا، فإنه قضى ما بقي من عُمُرِه في المذاكرة في الفقه والآثار وتراجم الرجال حتى وفاته في ضُحى ١٢ ربيع الأول سنة (٢٤١ هـ) (٢)، وهو ابن سبع وسبعين سنة، ﵀.
وهنا يثور سؤالٌ: متى أَسمَعَ الإِمامُ أحمد ولديه صالحًا وعبد َالله وابنَ عمه " المسنَدَ "، ومعروف أنه لم يسمعه عليه أحد غيرهم (٣)؟ .
ويبدو لنا أن الإِمامَ أحمد شَرَعَ بإسماعهم " المسند " نحو سنة (٢٢٥ هـ)، واستغرق سماعُهم له نحو اثنتي عشرة سنة (٤)، فيكون أتمَّ إسماعَهم إياه نحو سنة (٢٣٧ هـ) وهي السنة التي امتنع فيها عن التحديث بحديثٍ على تمامه كما مَرَّ.
وقد حَدَّدَ الإمامُ الذهبي تاريخ إسماع " المسند " في حدود سنة (٢٢٧ هـ) أو (٢٢٨ هـ) (٥)، وهذا التاريخُ لا يستقيم مع ما مَرَّ من أن إسماع " المسند " استغرق ثنتي عشرة سنة، ولا يستقيم أيضًا مع تاريخ امتناع الإِمام أحمد عن التحديثِ بحديثٍ على تمامه سنة (٢٣٧ هـ) .