وهي نسخةٌ نفيسة متقنة قُوبِلَتْ على عِدَّةِ نُسَخٍ خطية أكثرُها قديم، منها نسخةُ الحافظ ابنِ عساكر.
وهذه النسخة هي نسخةُ العلامة الشيخ عبد الله بن سالم البصري المكي المتوفى سنة (١١٣٤ هـ)، قرأها عليه العالم الشيخ محمد بن عبد الله المغربي (١) في المسجد النبوي في المدينة المنورة في ستة وخمسين مجلسًا.
_________________
(١) هو الشيخ الفاضل، العالمُ العامل، الأوحد المفنن، العابدُ الزاهدُ، الورع النّسيك، محمدُ بنُ عبد الله المغربي الفاسي المالكي، نزيل المدينة المنورة قَدِمَ إليها سنةَ خمس وعشرين ومئة وألف وتوطَّنها، وأخذ عن أئمة أجلاء منهم الشيخُ محمد بن عبد =
[ ١ / ١١٠ ]
وقد حُليت الهوامش بتعليقات نفيسة تتضمن تصحيحَ بعضِ ما وقع من الخطأ عند النسخ، وإثباتَ فروق النسخ، وتصويبَ الخطأ الواقع في أسماء الرواة، والتعريفَ ببعض الرواة المبهمين، وتفسيرَ الألفاظ الغريبة، وقد كانت هذه النسخة تقرأ بمحضر من أعيانِ أهل المدينة ومن الفضلاء الذين قَدِمُوا من مكة إلى المدينة بصحبةِ الشيخ عبد الله بن سالم البصري.
وتقع في ثلاثة مجلدات، الموجودُ منها المجلدُ الأول والثاني، والثالث مفقود، وأما المجلدان، فيمثلان ثلثي " المسند ".
- المجلد الأول: وعَدَدُ أوراقه (٥٩٥) ورقة، يبتدئ بأول " المسند "، وينتهي بمسند أبي هريرة.
وجاء في الورقة الأخيرة منه أنه وقع الفراغ من نسخه وقتَ الضحى من يوم الأحد (١٥) ذو القعدة سنة (١١١٩ هـ) . وناسخه هو أحمد بن القاضي سليمان بن محمد بن الخليل الأحسائي.
وقد ذُكِرَ في اللوحة الأولى من هذا المجلد إسنادُ الشيخ عبد الله بن سالم البصري بالمسند إلى مؤلِّفه الإِمامِ أحمد بن حنبل، وهاك نصُّه:
_________________
(١) = الرحمن ابن شيخ الشيوخ عبد القادر الفاسي المشهور، وعن العلامة عبدِ الله بن سالم البصري المكي لما قَدِمَ المدينة، وقرأ في الروضة المطهرة " مسند الإمام أحمد " وكان هو المعيدَ له، وأتمَّه في ستة وخمسين مجلسًا، وأخذ أيضًا عن العلامة محمد أبي الطاهر بن البرهان إبراهيم الكوراني، وعن الشيخ إبراهيم بن محمد الغيلالي، وعن غيرهم، ونَبُلَ وفَضُلَ، ودرَّس بالحرم الشريف النبوي، وانتفعت به الطلبةُ، وكان ذا قدم راسخٍ في العبادة والدين، آية باهرة في التواضع حتى إنه كان يحمل حزمة السَّعَف من بستانه إلى داره على رأسه، وكانت وفاته بالمدينة المنورة سنة إحدى وأربعين ومئة وألف، ودُفِنَ بالبقيع رحمه الله تعالى وإيانا. " سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر " للمرادي ٤ / ٦٠.
[ ١ / ١١١ ]
بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فيقول الفقيرُ إلى الله سبحانه عبدُ الله بن سالم بن محمد بن سالم البصري: أروي " مسندَ " الإِمام الحُجة أحمد بن محمد بن حنبل عن شيخنا شيخ الإسلام الشيخ محمد بن علاء الدين البابلي، وذلك بقراءة شيخنا وأستاذنا الشيخ عيسى بن محمد المغربي المالكي عليه عام مجاورته بمكة المشرفة سنةَ سبعين وألف من أول مسند أبي بكر الصديق ﵁، وهو أوَّلُ المسند إلى قوله: إنك أنت الغفور الرحيم، في دعاء الصلاة وأجاز سائره عن علي بن يحيى الزَّيَّادي، عن الشِّهاب أحمد بن محمد (١) الرَّمْلي، عن الشمس محمد بن عبد الرحمن السخاوي، عن العز عبد الرحيم بن محمد
الحنفي، عن أبي العباس أحمد بن محمد بن الجوخي، قال: أخبرتنا به أُمُّ أحمد زينب بنت مكي الحرَّانية، سماعًا، قالت: أخبرنا أبو علي حنبلُ بنُ عبد الله بن الفرج الرُّصافي، قال: أخبرنا أبو القاسم هبةُ الله بن محمد بن عبد الواحد الشيباني، قال: أخبرنا أبو علي الحسن بن علي التميمي، قال:
أخبرنا أبو بكر أحمد بن جعفر بن حمدان القطيعي، قال: أخبرنا أبو عبد الرحمن عبد الله بن الإمام أحمد ابن حنبل قال: حدثني أبي ﵀ فذكره.
فهذا إسناد رجاله كلهم مِن أهل العلم وشيوخه:
١- أما راوي النسخة عبد الله بن سالم بن محمد بن سالم البصري،
_________________
(١) كذا في نسخة السماع، لكن جاء في " خلاصة الأثر ": ٣ / ١٩٥ في ترجمة تلميذه علي بن يحيى الزيادي أن اسم أبيه حمزة، وكذا سماه الزركلي في " الأعلام " ١ / ١٢٠.
[ ١ / ١١٢ ]
فهو الأستاذ الكبير، حافظ البلاد الحجازية، البصري أصلًا، المكي مولدًا ومدفنًا، الشافعي مذهبًا، ولد سنة (١٠٤٨ هـ)، وتوفي سنة (١١٣٤ هـ) (١) .
قال الوجيه الأهدل في " النفس اليماني " (٢): ومن مناقبه تصحيحُه للكتب الستة، حتى صارت نسخته يُرجع إليها من جميعِ الأقطار، ومن أعظمها " صحيح البخاري " الذي وجد فيه ما في اليونينية وزيادة، أخذ في تصحيحه وكتابته نحوًا من عشرين سنة، وجمع " مسند أحمد " بعد أن تفرَّق أياديَ سَبَأ، وصححه، وصارت نسخته أُمَّة.
ومن مؤلفاتِه " ضياء الساري شرح صحيح البخاري " ولَمَّا يطبع، وقد أكثر النقل منه الإمام اللكنوي في " التعليق الممجد "، وكان يُلَقَّبُ أميرَ المؤمنين في الحديث. وهذا اللقب لم يكن يمنحه أهل العلم إلا لمن بَلَغَ الغاية في الحديث رواية ودراية، وهو يُعَدُّ أعلى ألقاب الرواية، والموصوفون به غاية في النُّدْرة.
٢- وأما الشيخ محمد بن علاء الدين البابلي، فهو محمد بن علاء الدين أبو عبد الله، شمس الدين البابلي، القاهري، الأزهري، الشافعي، الحافظ الرحلة، أحد الأعلام في الحديث والفقه، وهو أحفظُ أهل عصره لمتون الأحاديث، وأعرفُهم بجرحها ورجالها، وصحيحها وسقيمها. وكان شيوخُه وأقرانُه يعترفون له بذلك.
ولد سنة (١٠٠٠ هـ)، وتوفي عصر يوم الثلاثاء (٢٥) جمادى الأولى سنة (١٠٧٧ هـ) (٣) .
_________________
(١) له ترجمة في فهرس الفهارس للكتاني: ١ / ١٩٣ - ١٩٩.
(٢) ص ٦٨.
(٣) ترجمته في خلاصة الأثر: ٤ / ٣٩.
[ ١ / ١١٣ ]
٣- وأما الشيخ عيسى بن محمد المغربي، فهو إمامُ الحرمين، وعالمُ المغربين والمشرقين، الإمام العالم العامل، الورع، الزاهد، المتفنن في كُلِّ العلوم، الكثير الإحاطة والتحقيق، عيسى بن محمد بن محمد بن أحمد بن عامر جار الله، أبو مكتوم، المغربي، الجعفري، الثعالبي، الهاشمي، المالكي، نزيل المدينة المنورة، ثم مكة المشرفة.
وُلِدَ سنة (١٠٢٠ هـ) بمدينة زواوة من أرض المغرب، وبها نشأ، وتلقى مبادئ العلوم، ثم رحل في طلب العلم إلى أن استقرَّ بمكة المشرفة، وبها كانت وفاته يومَ الأربعاء لستٍّ بقين من رجب سنة (١٠٨٠ هـ)، ودُفِن بمقبرة الحجون (١) .
٤- وأما عليُّ بن يحيى الزيَّادي، فهو الإمام الحجة، العلي الشأن، رئيس العلماء بمصر.
قال المحبي (٢): بلغت شهرتُه الآفاق، وتصدر للتدريس بالأزهر، وانتهت إليه في عصره رياسةُ العلم، بحيث إن جميع علماء عصره ما منهم إلا وله عليه مشيخة. وكان العلماء الأكابر تَحْضُرُ درسَه وهم في غاية الأدب، وله مؤلفات، وكانت وفاته ليلة الجمعة (٥) ربيع الأول سنة (١٠٢٤ هـ)، ودُفِنَ بباب تربة المجاورين في القاهرة.
والزَّيَّادي: نسبة لمحلة زيَّاد بالبحيرة.
٥- أما الشهاب أحمد الرملي، فهو الشيخ العالم، العلامة، الناقد، الجِهبذ، الفهَّامة، شيخ الإسلام والمسلمين، وهو أحدُ الأجلاء من تلاميذ
_________________
(١) ترجمته في خلاصة الأثر: ٣ / ٢٤٠ - ٢٤٣.
(٢) خلاصة الأثر: ٣ / ١٩٦.
[ ١ / ١١٤ ]
شيخ الإسلام القاضي زكريا الأنصاري، له شرح عظيم على " صفوة الزبد " في الفقه، وانتهت إليه الرياسةُ في العلوم الشرعية بمصر، توفي سنة (٩٥٧ هـ) .
والرملي: نسبة إلى رملة المنوفية بمصر (١) .
٦- وأما محمد بن عبد الرحمن السخاوي، فهو الشيخ الإمام العلامة، المسند، الحافظُ، المتقن، شمسُ الدين، أبو الخير، السخاوي الأصل، القاهري المولد، الشافعي المذهب، نزيل الحرمين الشريفين، تلميذ شيخ الإسلام ابن حجر العسقلاني.
له عدةُ تواليف، منها " الضوء اللامع لأهل القرن التاسع " وقد ترجم فيه لنفسه (٢)، ومن كتبه أيضًا " فتح المغيث بشرح ألفية الحديث ".
ولد سنة (٨٣١ هـ) بالقاهرة، وتوفي سنة (٩٠٢ هـ) بمكة المكرمة (٣) .
٧- وأما العز عبد الرحيم بن محمد الحنفي، فهو القاضي المحدث، مسند الديار المصرية، عبد الرحيم بن محمد بن عبد الرحيم بن علي، المصري،القاهري، الحنفي.
ولد سنة (٧٥٩ هـ) بالقاهرة، وأخذ الحديث عن الحافظ زين الدين العراقي، وكان خيرًا، فاضلًا، صدوقًا، توفي سنة (٨٥١ هـ) (٤) .
٨- وأما أبو العباس أحمد بن محمد الجُوَخي، فهو الصدرُ، المسند
_________________
(١) ترجمته في الكواكب السائرة بأعيان المئة العاشرة: ٢ / ١١٩ - ١٢٠.
(٢) الضوء اللامع: ٢ / ٨ - ٣٢.
(٣) الكواكب السائرة: ١ / ٥٣ - ٥٤.
(٤) ترجمته في الضوء اللامع: ٤ / ١٨٦ - ١٨٨.
[ ١ / ١١٥ ]
الكبير، المعروف بابن الزقاق وبابن الجُوَخي، حدث كثيرًا، وطال عمره، وانتفع به.
ولد سنة (٦٨٣ هـ)، وتوفي سنة (٧٦٤ هـ) (١) .
وذكر ابن حجر: أنه توفي بعد أن حدث بالمسند بسماعه من زينب بنت مكي (٢) .
٩- وأما زينب بنت مكي الحرَّانية، فهي ممن سَمِعَ " المسند " من حنبل بن عبد الله الرُّصافي، وقد روت الكثيرَ، وطال عمرها حتى بلغت أربعًا وتسعين سنة، وكانت أسندَ من بقي مِن النساء في الدنيا، سَمِعَ منها غيرُ واحد من الحفاظ، وروت " المسند " كله.
توفيت سنة ٦٨٨ هـ (٣) .
وأما من فوقها فقد سلفت تراجمهم في أثناء كلامنا على رواة المسند.
- المجلد الثاني: وعدد أوراقه (٦٩١) ورقة، يبتدئ بمسند أبي سعيد الخدري، وينتهي بمسند عمرو بن يثربي، وهو آخر مسند البصريين.
وقع الفراغُ من نسخ هذا الجزء ضحوةَ يومِ الأحد (٢٧) شهر ربيع الأول سنة مئة وعشرين بعد الألف. وناسخه هو ناسخَ الجزء الأول نفسه.
وكان الشيخُ عبد الله بن سالم البصري، قد قرئ عليه المسند في الروضة النبوية الشريفة في (٥٦) مجلسًا عام (١١٣١ هـ)، استغرق المجلدُ
_________________
(١) ترجمته في " الوفيات " لابن رافع السلامي: ٢ / ٢٦٤.
(٢) الدرر الكامنة: ١ / ٢٥٠.
(٣) الوافي بالوفيات للصفدي: ١٥ / ٦٧.
[ ١ / ١١٦ ]