١٥٥٥٩ - حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْعَصْرِيُّ، حَدَّثَنَا شِهَابُ بْنُ عَبَّادٍ، أَنَّهُ سَمِعَ بَعْضَ وَفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ وَهُمْ يَقُولُونَ: قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَاشْتَدَّ فَرَحُهُمْ بِنَا، فَلَمَّا انْتَهَيْنَا إِلَى الْقَوْمِ أَوْسَعُوا لَنَا، فَقَعَدْنَا فَرَحَّبَ بِنَا النَّبِيُّ ﷺ، وَدَعَا لَنَا، ثُمَّ نَظَرَ إِلَيْنَا فَقَالَ: " مَنْ سَيِّدُكُمْ وَزَعِيمُكُمْ؟ " فَأَشَرْنَا بِأَجْمَعِنَا إِلَى الْمُنْذِرِ بْنِ عَائِذٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: " أَهَذَا الْأَشَجُّ " وَكَانَ أَوَّلَ يَوْمٍ وُضِعَ عَلَيْهِ هَذَا الِاسْمُ بِضَرْبَةٍ لِوَجْهِهِ بِحَافِرِ حِمَارٍ، قُلْنَا: نَعَمْ. يَا رَسُولَ اللهِ، فَتَخَلَّفَ بَعْضُ (١) الْقَوْمِ، فَعَقَلَ رَوَاحِلَهُمْ، وَضَمَّ مَتَاعَهُمْ، ثُمَّ أَخْرَجَ عَيْبَتَهُ فَأَلْقَى عَنْهُ ثِيَابَ السَّفَرِ، وَلَبِسَ مِنْ صَالِحِ ثِيَابِهِ، ثُمَّ أَقْبَلَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، وَقَدْ بَسَطَ النَّبِيُّ ﷺ رِجْلَهُ، وَاتَّكَأَ، فَلَمَّا دَنَا مِنْهُ الْأَشَجُّ أَوْسَعَ الْقَوْمُ لَهُ، وَقَالُوا: هَاهُنَا يَا أَشَجُّ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ وَاسْتَوَى قَاعِدًا، وَقَبَضَ رِجْلَهُ: " هَاهُنَا يَا أَشَجُّ " فَقَعَدَ عَنْ يَمِينِ النَّبِيِّ ﷺ فَرَحَّبَ بِهِ، وَأَلْطَفَهُ، وَسَأَلَهُ عَنْ بِلَادِهِ وَسَمَّى لَهُ قَرْيَةً قَرْيَةً الصَّفَا، وَالْمُشَقَّرَ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ قُرَى هَجَرَ، فَقَالَ: بِأَبِي وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللهِ، لَأَنْتَ أَعْلَمُ بِأَسْمَاءِ قُرَانَا مِنَّا، فَقَالَ: إِنِّي قَدْ وَطِئْتُ بِلَادَكُمْ، وَفُسِحَ لِي فِيهَا، قَالَ: ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى الْأَنْصَارِ
_________________
(١) كذا في الأصول وفي (م): بعد، وهو الموافق لرواية الهيثمي في "المجمع"، وانظر تعليق السندي الآتي.
[ ٢٤ / ٣٢٧ ]
فَقَالَ: " يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، أَكْرِمُوا إِخْوَانَكُمْ، فَإِنَّهُمْ أَشْبَاهُكُمْ فِي الْإِسْلَامِ أَشْبَهُ شَيْءٍ (١) بِكُمْ أَشْعَارًا، وَأَبْشَارًا أَسْلَمُوا طَائِعِينَ غَيْرَ مُكْرَهِينَ، وَلَا مَوْتُورِينَ إِذْ أَبَى قَوْمٌ أَنْ يُسْلِمُوا حَتَّى قُتِلُوا " (٢) قَالَ: فَلَمَّا أَنْ أَصْبَحُوا قَالَ: " كَيْفَ رَأَيْتُمْ كَرَامَةَ إِخْوَانِكُمْ لَكُمْ، وَضِيَافَتَهُمْ إِيَّاكُمْ؟ " قَالُوا: خَيْرَ إِخْوَانٍ أَلَانُوا فِرَاشَنَا (٣)، وَأَطَابُوا مَطْعَمَنَا، وَبَاتُوا، وَأَصْبَحُوا يُعَلِّمُونَا كِتَابَ رَبِّنَا ﵎، وَسُنَّةَ نَبِيِّنَا ﷺ، فَأَعْجَبَتِ النَّبِيَّ ﷺ وَفَرِحَ بِهَا، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا رَجُلًا رَجُلًا يَعْرِضُنَا عَلَى مَا (٤) تَعَلَّمْنَا، وَعَلِمْنَا فَمِنَّا مَنْ عَلِمَ التَّحِيَّاتِ وَأُمَّ الْكِتَابِ، وَالسُّورَةَ وَالسُّورَتَيْنِ، وَالسُّنَنَ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ، فَقَالَ: " هَلْ مَعَكُمْ مِنْ أَزْوَادِكُمْ شَيْءٌ؟ " (٥) فَفَرِحَ الْقَوْمُ بِذَلِكَ وَابْتَدَرُوا رِحَالَهُمْ، فَأَقْبَلَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ مَعَهُ صَبُرَةٌ مِنْ تَمْرٍ فَوَضَعُوهَا عَلَى نِطْعٍ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَأَوْمَأَ بِجَرِيدَةٍ فِي يَدِهِ كَانَ يَخْتَصِرُ بِهَا فَوْقَ الذِّرَاعِ، وَدُونَ الذِّرَاعَيْنِ، فَقَالَ: " أَتُسَمُّونَ
_________________
(١) قال السندي: الظاهر أنه بالجرِّ بالإضافة. قلنا: وفي (ص): أشياء.
(٢) في هامش (ق): قوتلوا.
(٣) في (ظ ١٢) و(ص): فرشنا.
(٤) في (س) و(ق) فعرضنا عليه على ما تعلمنا، وفي (م) فعرضنا عليه بإسقاط "على"، والمثبت من (ظ ١٢) و(ص) وهامش (س) وطغاية المقصد" للهيثمي ورقة ٢٤٢.
(٥) في النسخ الخطية: شيئًا- بالنصب- وضبب فوقها في (س)، وفي (م): شيء- بالرفع- قال السندي: الظاهر رفعه، فإن نُصِبَ فبتقدير: فهل أبقيتم معكم..
[ ٢٤ / ٣٢٨ ]
هَذَا التَّعْضُوضَ؟ " قُلْنَا: نَعَمْ، ثُمَّ أَوْمَأَ إِلَى صَبُرَةٌ أُخْرَى، فَقَالَ: " أَتُسَمُّونَ هَذَا الصَّرَفَانَ؟ " قُلْنَا: نَعَمْ، ثُمَّ أَوْمَأَ إِلَى صَبُرَةٌ، فَقَالَ: " أَتُسَمُّونَ هَذَا الْبَرْنِيَّ؟ " قُلْنَا: نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: " أَمَا إِنَّهُ خَيْرُ (١) تَمْرِكُمْ، وَأَنْفَعُهُ لَكُمْ " قَالَ: فَرَجَعْنَا مِنْ وِفَادَتِنَا تِلْكَ فَأَكْثَرْنَا الْغَرْزَ مِنْهُ، وَعَظُمَتْ رَغْبَتُنَا فِيهِ حَتَّى صَارَ عُظْمَ (٢) نَخْلِنَا وَتَمْرِنَا الْبَرْنِيُّ، فَقَالَ: الْأَشَجُّ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أَرْضَنَا أَرْضٌ ثَقِيلَةٌ وَخِمَةٌ، وَإِنَّا إِذَا لَمْ نَشْرَبْ هَذِهِ الْأَشْرِبَةَ هِيجَتْ أَلْوَانُنَا، وَعَظُمَتْ بُطُونُنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: " لَا تَشْرَبُوا فِي الدُّبَّاءِ، وَالْحَنْتَمِ، وَالنَّقِيرِ، وَلْيَشْرَبْ أَحَدُكُمْ فِي سِقَاءٍ يُلَاثُ عَلَى فِيهِ " فَقَالَ لَهُ الْأَشَجُّ: بِأَبِي، وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللهِ، رَخِّصْ لَنَا فِي مِثْلِ هَذِهِ، وَأَوْمَأَ بِكَفَّيْهِ، فَقَالَ: " يَا أَشَجُّ، إِنِّي إِنْ رَخَّصْتُ لَكَ فِي مِثْلِ هَذِهِ - وَقَالَ بِكَفَّيْهِ هَكَذَا - شَرِبْتَهُ (٣) فِي مِثْلِ هَذِهِ، - وَفَرَّجَ يَدَيْهِ وَبَسَطَهَا، يَعْنِي أَعْظَمَ مِنْهَا - حَتَّى إِذَا ثَمِلَ أَحَدُكُمْ مِنْ شَرَابِهِ، قَامَ إِلَى ابْنِ عَمِّهِ فَهَزَرَ سَاقَهُ بِالسَّيْفِ "، وَكَانَ فِي الْوَفْدِ رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَضَلٍ يُقَالُ لَهُ: الْحَارِثُ، قَدْ هُزِرَتْ سَاقُهُ فِي شَرَابٍ لَهُمْ فِي بَيْتٍ تَمَثَّلَهُ مِنَ الشِّعْرِ فِي امْرَأَةٍ مِنْهُمْ، فَقَامَ بَعْضُ أَهْلِ ذَلِكَ الْبَيْتِ فَهَزَرَ سَاقَهُ
_________________
(١) في (ظ ١٢) و(ص) و(ق): من خير.
(٢) في (ق) و(م): معظم، وهي نسخة في (س) .
(٣) في نسخة في (س): شربتم.
[ ٢٤ / ٣٢٩ ]
بِالسَّيْفِ، فَقَالَ الْحَارِثُ: " لَمَّا سَمِعْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ جَعَلْتُ أَسْدُلُ ثَوْبِي، فَأُغَطِّي الضَّرْبَةَ بِسَاقِي، وَقَدْ أَبْدَاهَا اللهُ ﵎ " (١)
_________________
(١) إسناده ضعيف، يحيى بن عبد الرحمن العَصَري- وعصر: بطن من عبد القيس- لم يروِ عنه سوى اثنين، ولم يؤثر توثيقه عن غير ابن حبان، وقال الذهبي في "الميزان": لا يعرف، وقال ابن حجر في "التقريب": مقبول. أي: ضعيف يقبل في المتابعات وشهاب بن عباد- وهو العَصَري كذَلك- روى عنه جمع، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال الحافظ في "التقريب": مقبول، وقال الدارقطني: صدوق زائغ، وذكره الذهبي في "المغني في الضعفاء". يونس ابن محمد: هو ابن مسلم المؤدَّب البغدادي. وأخرجه البخاري في "الأدب المفرد" (١١٩٨) عن موسى بن إسماعيل، عن يحيى بن عبد الرحمن، بهذا الإسناد. وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٨/١٧٧-١٧٨، وقال: رواه أحمد، ورجاله ثقات. وسيكرر ٥/٢٠٦-٢٠٧ سندًا ومتنًا. قلنا: وقوله ﷺ: "لا تشوبوا في الدُّباء والحنتم والنقير، وليشرب أحدكم في سقاء يلاثُ على فيه"، سلف بإسنادٍ صحيح على شرط مسلم من حديث أبي سعيد الخدري برقم (١١١٧٥) . وانظر حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب السالف برقم (٤٦٢٩) و(٤٤٦٥) . قال السندي: قوله: فتخلف بعض القوم: شروع في ذكر ما فعل حين جاء، والفاء للدلالة على أن الشروع في بيان حاله ينبغي أن يكون بعد جري ذكره، ويحتمل أن الفاء للتعليل، أي: أشاروا إليه، لأنه فَعَلَ فِعْلَ السَادات حيث تخلَّف عن بعض القوم، أي: تأخر عنهم، فإنهم استعجلوا في المجيء إليه ﷺ، وهذا تأخر عنهم، فأصلح أمورهم، وراعى أدب مجلس العظماء في =
[ ٢٤ / ٣٣٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = تحسين الثياب. قوله: عيبته، بفتح مهملة، وسكون مثناة تحتية، فموحدة: ما يوضع فيه الثياب. قوله: والمُشَقَّر، بضم ميم وفتح قاف مشدَّدة: حصن بالبحرين قديم. قوله: "أشعارًا"، بفتح الهمزة: جمع شعر الإنسان، وكذا الأبشار، بالفتح جمع بشرة، بمعنى ظاهر الجلد، أي: إنهم أمثالكم من كلِّ وجه. قوله: "ولا موتورين": الموتور من قتل له قتيل، فلم يدرك بدمه، وجاء: وترت الرجل: إذا أَفْزَعْته وأدركته بمكروه. قوله: "إذا أبى قوم"، أي: أسلموا إذ أبى قوم، والمراد كل قوم، أي: غالبهم، فالنكرة في الإثبات للعموم كما في (عَلِمَتْ نَفْسٌ) [الانفطار:٥]، والحكم باعتبار الغالب. قوله: "حتى قتلوا" على بناء المفعول. قوله: ألانوا، من الإلانة. قوله: فأعجبت، أي: هذه القصة، أو الكرامة أو الخصلة. قوله: "صبرة"، بضم فسكون: ما جُمع من الطعام بلا كيل ووزن. قوله: يختصر بها، أي: يأخذها. قوله: التعضوض، بفتح فسكون: تمر أسود حلو، واحدته بهاء. قوله: وخمة، بفتح فكسر أو سكون: ثقيلة الأمراض. قوله: هيجت، بكسر الهاء، أي: تغيَّرت. قوله: "يلاث": على بناء المفعول، أي: يربط. قوله: "في مثل هذه"، أي: في الصغيرة. قوله:"إلى ابن عمه" أي: الذي هو أحب شخص إليه، فكيف غيره. قوله: "فهزر"، بتقديم الزاي المعجمة على الراء المهملة، كضرب لفظًا ومعنى. قوله: من بني عضل: ضبط بفتحتين.
[ ٢٤ / ٣٣١ ]