_________________
(١) = وقد روى صلاة أبي بكر بالناس العباس فيما سلف (١٧٨٤)، وابن عباس فيما سلف (٢٠٥٥)، وأبو موسى الأشعري فيما سيرد (١٩٧٠٠)، وعائشة عند البخاري (٧١٣)، ومسلم (٤١٨) (٩٠) . قال السندي: قوله: "لما استعز" على بناء المفعول، آخره زاي معجمة، يقال: استعزّ بفلان على بناء المفعول، أي غلب في كل شيء من مرض أو غيره، واستعزَّ بالعليل، أي اشتد وجعه وغلب على عقله. فقال: قم يا عمر، أي: قال عبد الله بن زمعة. رجلًا مجهرًا: في "الصحاح": إجهار الكلام إعلانه، ورجل مِجْهَر بكسر الميم وفتح الهاء إذا كان من عادته أن يجهر بكلامه. قلت: والوجه أن يجعل ها هنا بكسر الميم، وقد ضبطه بعضهم على اسم الفاعل من الإجهار، وهو ممكن عن بُعْد. "يأبى الله ذلك"، أي: تقدم غير أبي بكر.
(٢) قال السندي: المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم، أما الأول فهو قرشي زمري يكنى أبا عبد الرحمن، وهو ابن أُخت عبد الرحمن بن عوف، وكان مولده بعد الهجرة بسنتين، وقُدم به المدينة بعد الفتح سنة ثمان وهو غلام، وكان يلزم عمر بن الخطاب، وكان من أهل الفَضْل والدين، وكان مع خاله عبد الرحمن بن عوف ليالي الشورى، ثم كان مع ابن الزبير، فلما كان الحصار الأول أصابه حَجَرٌ من حجارة المنجنيق، فمات، وجاء أنه أصابه الحجر وهو يصلي، فأقام خمسة أيام ومات. وأما الثاني فهو قُرَشي أُموي، أبو عبد الملك، وهو ابن عم عثمان، وكاتبه في خلافته، يقال: ولد بعد الهجرة بسنتين، وقيل بأربع، وقد كان في الفتح مميزًا، وكذا في حجة الوداع على مقتضى ذلك، ولكن ما ثبت سماعه من النبي ﷺ، بل ولا جَزَمَ بصحبته أحد، فكأنه لم يكن حينئذٍ مميزًا، ومن بعد=
[ ٣١ / ٢٠٦ ]
١٨٩٠٧ - حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ، مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَتْنَا أُمُّ بَكْرٍ بِنْتُ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ، عَنِ الْمِسْوَرِ، أَنَّهُ بَعَثَ إِلَيْهِ حَسَنُ بْنُ حَسَنٍ يَخْطُبُ ابْنَتَهُ، فَقَالَ لَهُ: قُلْ لَهُ: فَلْيَلْقَنِي فِي الْعَتَمَةِ، قَالَ: فَلَقِيَهُ، فَحَمِدَ الْمِسْوَرُ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَقَالَ: أَمَّا بَعْدُ، وَاللهِ (١) مَا مِنْ نَسَبٍ، وَلَا سَبَبٍ، وَلَا صِهْرٍ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ سَبَبِكُمْ (٢) وَصِهْرِكُمْ، وَلَكِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " فَاطِمَةُ مُضْغَةٌ مِنِّي، يَقْبِضُنِي مَا قَبَضَهَا، (٣) وَيَبْسُطُنِي مَا بَسَطَهَا، (٤) وَإِنَّ الْأَنْسَابَ (٥) يَوْمَ الْقِيَامَةِ تَنْقَطِعُ غَيْرَ نَسَبِي، وَسَبَبِي، وَصِهْرِي "، وَعِنْدَكَ ابْنَتُهَا وَلَوْ زَوَّجْتُكَ لَقَبَضَهَا ذَلِكَ قَالَ: فَانْطَلَقَ
_________________
(١) = الفتح أُخرج أبوه إلى الطائف وهو معه، فلم يثبت له أزيد من الرؤية، وكان سببًا لقتل عثمان، ثم شهد الجمل مع عائشة، ثم صفِّين مع معاوية، ثم ولي إمرة المدينة لمعاوية، ولم يزل بها إلى أن أخرجهم ابنُ الزبير في أوائل إمرة يزيد، فكان ذلك من أسباب وقعة الحَرَّة، وبقي في الشام إلى أن مات معاوية ابن يزيد، فبايعه بعض أهل الشام، ثم غلب على الضَحَّاك بن قيس وكان أميرًا لابن الزبير فقلته، واستولى على ملك الشام، ثم توجه إلى مصر فاستولى عليها، ثم بَغَتَه الموت، فعهد إلى ولده عبد الملك، فكانت مدة خلافته قدر نصف سنة، ومات في شهر رمضان سنة خمس وستين، وهو أول من ضرب الدنانير الشَّامية التي يباع الدينار منها بخمسين، وكتب عليها: (قل هو الله أحد) .
(٢) في هامش (س): أما والله، نسخة.
(٣) في (ص) و(ق): نسبكم.
(٤) في (ق)، ونسخة في هامش (س): يقبضها.
(٥) في (ق) ونسخة في هامش (س): يبسطها.
(٦) في (ظ ١٣) الأسباب.
[ ٣١ / ٢٠٧ ]
عَاذِرًا لَهُ (١)
_________________
(١) حديث صحيح دون قوله: "وإن الأنساب يوم القيامة تنقطع غير نسبي وسببي وصهري" فهو حسن بشواهده، وهذا إسناد ضعيف، أم بكر بنت المسور لم يرو عنها إلا ابن ابن أخيها عبد الله بن جعفر المخرمي، ولم يوثقها أحد، وذكرها الذهبي في المجهولات من "الميزان "، وقال الحافظ في "التقريب": مقبولة. ثم إنه قد اختلف فيه على عبد الله بن جعفر: وهو المَخْرَمي. فرواه أبو سعيد مولى بني هاشم -كما في هذه الرواية- عنه، عن أم بكر بنت المسور، عن عبيد الله بن أبي رافع عن المسور. ومن طريق أحمد هذا أخرجه الحاكم ٣/٥٨، والبيهقي في "السنن" ٧/٦٤. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. ورواه عبد الله بن أحمد- كما سيأتي في الرواية (١٨٩٣٠) - عن محمد بن عباد، عن أبي سعيد مولى بني هاشم، به، إلا أنه قرن بأمِّ بكر جعفرَ بن محمد، وهو الصادق. وقد اختلف فيه على محمد بن عباد، فرواه الطبراني في "الكبير" ٢٠/ (٣٠)، عن موسى بن هارون، عن محمد بن عباد، المكي، عن أبي سعيد مولى بني هاشم، عن عبد الله بن جعفر، عن أم بكر بنت المسور، عن جعفر ابن محمد، عن عبيد الله بن أبي رافع، به، فجعل أم بكر ترويه عن جعفر بن محمد الصادق. ورواه مختصرًا عبد العزيز بن يحيى بن عبد الله العامري كما عند ابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (٢٩٥٦) وعبد العزيز بن عبد الله الأويسي كما عند الطبراني في "الكبير" ٢٢/ (١٠١٤)، وإسحاق بن محمد الفروي كما عند الخلال في "السنة" (٦٥٥) والبيهقي في "السنن" ٧/٦٤، ثلاثتهم عن عبد الله ابن جعفر، عن أم بكر بنت المسور عن أبيها دون ذكر عبيد الله بن أبي رافع في الإسناد، والأويسي ثقة، وأما عبد العزيز بن يحيى فلم نعرفه، وأما إسحاق ابن محمد الفروي فضعيف، وقد اختلف عليه فيه. فأخرجه الحاكم ٣/١٥٤ من طريق إسماعيل بن إسحاق القاضي، وأبو نعيم=
[ ٣١ / ٢٠٨ ]
١٨٩٠٨ - حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ أُمِّ بَكْرٍ، عَنِ الْمِسْوَرِ قَالَ: مَرَّ بِي يَهُودِيٌّ وَأَنَا قَائِمٌ خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ،
_________________
(١) = في "الحلية" ٣/٢٠٦ من طريق محمد بن أيوب السختياني، كلاهما عن إسحاق بن محمد الفروي، عن عبد الله بن جعفر المخرمي، عن جعفر بن محمد -وهو الصادق- عن عبيد الله بن أبي رافع عن المسور. ورواه إبراهيم بن زكريا العبدسي فيما أخرجه الطبراني في "الكبير" ٢٠/ (٣٣)، عن عبد الله بن جعفر، عن عمته أم بكر بنت المسور مرسلًا، وفيه: أن الحسن بن علي خطب إلى المسور بن مخرمة ابنته فزوَّجه، وقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "كل سبب ونسب منقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي". وإبراهيم بن زكريا منكر الحديث. وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٩/٢٠٣، وقال: رواه الطبراني، وفيه أم بكر بنت المسور، ولم يجرحها أحد، ولم يوثقها، وبقية رجاله وثقوا. قلنا: فاته أن ينسبه إلى أحمد. وسيرد برقم (١٨٩٣٠) . وقوله: "فاطمة مضغة مني يقبضني ما قَبَضها ويبسطني ما بسطها". سيرد نحوه بأسانيد صحيحة برقم (١٨٩١٢) و(١٨٩١٣) و(١٨٩٢٦) وانظر حديث عبد الله بن الزبير السالف برقم (١٦١٢٣) . وقوله: "إن الأنساب يوم القيامة تنقطع غير نسبي وسببي وصهري". يشهد له حديث أبي سعيد الخدري السالف برقم (١١١٣٨) ولفظه: "إن رحمي موصولة في الدنيا والآخرة". وإسناده ضعيف إلا أن له شواهد يتقوى بها حشدناها هناك، فلتراجع لزامًا. قال السندي: قوله "مضغة"، أي: قطعة لحم. "تنقطع"، أي: لا يزداد أحد رتبة بكونه ابن فلان. "فانطلق"، أي: حسن بن حسن رضي الله تعالى عنهما.
[ ٣١ / ٢٠٩ ]
وَالنَّبِيُّ ﷺ (١) يَتَوَضَّأُ، قَالَ: فَقَالَ: ارْفَعْ أَوْ اكْشِفْ ثَوْبَهُ عَنْ ظَهْرِهِ، قَالَ: فَذَهَبْتُ (٢) بِهِ أَرْفَعُهُ، قَالَ: " فَنَضَحَ النَّبِيُّ ﷺ، فِي وَجْهِي مِنَ (٣) الْمَاءِ " (٤)
١٨٩٠٩ - حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ مَرْوَانَ، وَالْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ يَزِيدُ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ، " خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ فِي بِضْعَ عَشْرَةَ مِائَةً مِنْ أَصْحَابِهِ، فَلَمَّا كَانَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ قَلَّدَ الْهَدْيَ، وَأَشْعَرَ، وَأَحْرَمَ مِنْهَا، وَبَعَثَ عَيْنًا لَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَسَار (٥) رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى إِذَا. . . . . . " (٦)
_________________
(١) قوله: والنبي ﷺ، ليس في (ظ ١٣) .
(٢) في (م): فذهبت به. بزيادة: به، وهو خطأ.
(٣) لفظ "من": ليس في (ظ ١٣) .
(٤) إسناده ضعيف، لجهالة حال أم بكر، وهي ابنة المسور، وقد سلف الكلام عليها في الرواية (١٨٩٠٧)، وبقية رجاله ثقات رجال الصحيح. وأخرجه البيهقي في "الدلائل" ١/٢٦٦-٢٦٧ من طريق أبي عامر بهذا الإسناد. وقال: وإنما كانوا يبحثون عن ذلك لأنه كان مكتوبًا عندهم بصفته ﷺ. وأخرجه الطبراني في "الكبير" ٢٠/ (٣٢) من طريقين عن عبد الله بن جعفر، به. وأورده الهيثمي في "المجمع" ٨/٢٣٤، وقال: رواه أحمد والطبراني، ورجاله ثقات. قال السندي: قوله: "عن ظهره"، أي: حتى يظهر خاتم النبوة. فنضح، أي: بطريق المزاح، أو منعًا له عما قصد لعلمه بعدم انتفاع اليهود بذلك، والله تعالى أعلم.
(٥) في (ق) و(م): فسأل، وهذا خطأ.
(٦) إسناده صحيح على شرط الشيخين، وهذه الرواية من طريق مروان=
[ ٣١ / ٢١٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = مرسلة، لأنه لم يصحَّ له سماع من النبي ﷺ ولا صحبة، ومن طريق المسور ابن مخرمة، مرسل صحابي، لأنه قدم صغيرًا على النبي ﷺ مع أبيه بعد الفتح، ولم يشهد القصة، وقد صرح المسور ومروان أنهما سمعاها من أصحاب النبي ﷺ، وذلك في رواية البخاري (٢٧١١) (٢٧١٢) . وأخرجه ابن أبي شيبة ١٤/١٥٥ و٤٤٠، والبخاري (٤١٥٧) و(٤١٥٨)، وأبو داود (١٧٥٤)، ويعقوب بن سفيان في "المعرفة والتاريخ" ٢/٧٢٢ -٧٢٣، وابن خزيمة (٢٩٠٧)، والبيهقي في "الدلائل" ٤/٩٣، وفي "الشعب" (٧٣١٨) من طريق سفيان بن عيينة، بهذا الإسناد، دون قوله: وبعث عينًا له بين يديه، فسار رسول الله ﷺ حتى إذا.. وقد اختلف قول سفيان في مقدار ما سمعه من الزهري، فقال في رواية يعقوب بن سفيان: فهذا الذي حفظت منه، وأتقنتُه، وثبتني من ها هنا معمر. قلنا: يعني إلى قوله: وأحرم منها. وقال في رواية علي ابن المديني عنه كما جاء عند البخاري (٤١٥٧) و(٤١٥٨): لا أحفظ من الزهري الإشعار والتقليد، فلا أدري، وعقب علي ابن المديني على قوله: فلا أدري: يعني موضع الإشعار والتقليد، أو الحديث كله. قال الحافظ في "الفتح" ٧/٤٥٤: بيَّن أبو نعيم في "مستخرجه" القدر الذي حفظه سفيان عن الزهري، والقدر الذي ثبته فيه معمر، فساقه من طريق حامد ابن يحيى، عن سفيان إلى قوله: "فأحرم منها بعمرة"، ومن قوله: "وبعث عينًا له من خزاعة إلخ " مما ثبته فيه معمر. وقلنا: ورواية سفيان عن معمر أخرجها البخاري (٤١٧٨) و(٤١٧٩)، والنسائي في "الكبرى" (٨٥٨١) . وسيرد بالأرقام (١٨٩١٠) و(١٨٩٢٠) و(١٨٩٢٨) و(١٨٩٢٩)، وسيكرر (١٨٩٢٤) سندًا ومتنًا. وفي الباب عن جابر، سلف برقم (١٤١٨١)، وذكرنا هناك تتمة أحاديث الباب.
[ ٣١ / ٢١١ ]
١٨٩١٠ - حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، وَمَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ، قَالَا: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ يُرِيدُ زِيَارَةَ الْبَيْتِ، لَا يُرِيدُ قِتَالًا، وَسَاقَ مَعَهُ الْهَدْيَ سَبْعِينَ بَدَنَةً، وَكَانَ النَّاسُ سَبْعَ مِائَةِ رَجُلٍ، فَكَانَتْ كُلُّ بَدَنَةٍ عَنْ عَشَرَةٍ، قَالَ: وَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى إِذَا كَانَ بِعُسْفَانَ لَقِيَهُ بِشْرُ بْنُ سُفْيَانَ الْكَعْبِيُّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَذِهِ قُرَيْشٌ قَدْ سَمِعَتْ بِمَسِيرِكَ، فَخَرَجَتْ مَعَهَا الْعُوذُ الْمَطَافِيلُ، قَدْ لَبِسُوا جُلُودَ النُّمُورِ، يُعَاهِدُونَ اللهَ أَنْ لَا تَدْخُلَهَا عَلَيْهِمْ عَنْوَةً أَبَدًا، وَهَذَا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فِي خَيْلِهِمْ قَدِمُوا إِلَى كُرَاعِ الْغَمِيمِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: " يَا وَيْحَ قُرَيْشٍ، لَقَدْ أَكَلَتْهُمُ الْحَرْبُ، مَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ خَلَّوْا بَيْنِي وَبَيْنَ سَائِرِ النَّاسِ، فَإِنْ أَصَابُونِي كَانَ الَّذِي أَرَادُوا، وَإِنْ أَظْهَرَنِي اللهُ عَلَيْهِمْ دَخَلُوا فِي الْإِسْلَامِ وَهُمْ وَافِرُونَ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا، قَاتَلُوا وَبِهِمْ قُوَّةٌ، فَمَاذَا تَظُنُّ قُرَيْشٌ، وَاللهِ إِنِّي (١) لَا أَزَالُ أُجَاهِدُهُمْ عَلَى الَّذِي بَعَثَنِي اللهُ لَهُ حَتَّى يُظْهِرَهُ اللهُ لَهُ أَوْ تَنْفَرِدَ هَذِهِ السَّالِفَةُ "، ثُمَّ أَمَرَ النَّاسَ، فَسَلَكُوا ذَاتَ الْيَمِينِ بَيْنَ ظَهْرَيْ الْحَمْضِ عَلَى طَرِيقٍ تُخْرِجُهُ عَلَى ثَنِيَّةِ الْمِرَارِ وَالْحُدَيْبِيَةِ مِنْ أَسْفَلِ مَكَّةَ، قَالَ: فَسَلَكَ بِالْجَيْشِ تِلْكَ الطَّرِيقَ، فَلَمَّا رَأَتْ خَيْلُ قُرَيْشٍ قَتَرَةَ الْجَيْشِ قَدْ خَالَفُوا عَنْ
_________________
(١) لفظ: "إني" ليس في (ص)، وقد ضرب عليه في (س) .
[ ٣١ / ٢١٢ ]
طَرِيقِهِمْ، نَكَصُوا رَاجِعِينَ إِلَى قُرَيْشٍ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى إِذَا سَلَكَ ثَنِيَّةَ الْمِرَارِ بَرَكَتْ نَاقَتُهُ، فَقَالَ النَّاسُ: خَلَأَتْ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: " مَا خَلَأَتْ، وَمَا هُوَ لَهَا بِخُلُقٍ، وَلَكِنْ حَبَسَهَا حَابِسُ الْفِيلِ عَنْ مَكَّةَ، وَاللهِ لَا تَدْعُونِي قُرَيْشٌ الْيَوْمَ إِلَى خُطَّةٍ يَسْأَلُونِي فِيهَا صِلَةَ الرَّحِمِ إِلَّا أَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا " ثُمَّ قَالَ لِلنَّاسِ: " انْزِلُوا " فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا بِالْوَادِي مِنْ مَاءٍ يَنْزِلُ عَلَيْهِ النَّاسُ. فَأَخْرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِهِ، فَأَعْطَاهُ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ، فَنَزَلَ فِي قَلِيبٍ مِنْ تِلْكَ الْقُلُبِ، فَغَرَزَهُ فِيهِ، فَجَاشَ الْمَاءُ (١) بِالرَّوَاءِ حَتَّى ضَرَبَ النَّاسُ عَنْهُ بِعَطَنٍ، فَلَمَّا اطْمَأَنَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا بُدَيْلُ بْنُ وَرْقَاءَ فِي رِجَالٍ مِنْ خُزَاعَةَ، فَقَالَ لَهُمْ كَقَوْلِهِ لِبُشَيْرِ (٢) بْنِ سُفْيَانَ، فَرَجَعُوا إِلَى قُرَيْشٍ فَقَالُوا: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، إِنَّكُمْ تَعْجَلُونَ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَإِنَّ (٣) مُحَمَّدًا لَمْ يَأْتِ لِقِتَالٍ إِنَّمَا جَاءَ زَائِرًا لِهَذَا الْبَيْتِ، مُعَظِّمًا لَحَقِّهِ. فَاتَّهَمُوهُمْ. قَالَ مُحَمَّدٌ يَعْنِي ابْنَ إِسْحَاقَ: قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَكَانَتْ خُزَاعَةُ فِي غَيْبَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ مُسْلِمُهَا وَمُشْرِكُهَا، لَا يُخْفُونَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ شَيْئًا كَانَ بِمَكَّةَ، قَالُوا: وَإِنْ كَانَ إِنَّمَا جَاءَ لِذَلِكَ، فَلَا وَاللهِ لَا يَدْخُلُهَا أَبَدًا عَلَيْنَا عَنْوَةً، وَلَا تَتَحَدَّثُ بِذَلِكَ الْعَرَبُ. ثُمَّ
_________________
(١) لفظ "الماء" ليس في (ظ ١٣) .
(٢) في (ق) و(م): لبشير، وهو خطأ.
(٣) في (ظ١٣): إن، وقد ضرب على الواو في (س) .
[ ٣١ / ٢١٣ ]
بَعَثُوا إِلَيْهِ مِكْرَزَ بْنَ حَفْصِ بْنِ الْأَخْيَفِ، أَحَدَ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ، فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ، قَالَ: " هَذَا رَجُلٌ غَادِرٌ ". فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ كَلَّمَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِنَحْوٍ مِمَّا كَلَّمَ بِهِ أَصْحَابَهُ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى قُرَيْشٍ، فَأَخْبَرَهُمْ بِمَا قَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ. قَالَ: فَبَعَثُوا إِلَيْهِ الْحِلْسَ (١) بْنَ عَلْقَمَةَ الْكِنَانِيَّ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ سَيِّدُ الْأَحَابِشِ، (٢) فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَالَ: " هَذَا مِنْ قَوْمٍ يَتَأَلَّهُونَ، فَابْعَثُوا الْهَدْيَ فِي وَجْهِهِ ". فَبَعَثُوا الْهَدْيَ، فَلَمَّا رَأَى الْهَدْيَ يَسِيلُ عَلَيْهِ مِنْ عَرْضِ الْوَادِي فِي قَلَائِدِهِ، قَدْ أَكَلَ أَوْتَارَهُ (٣) مِنْ طُولِ الْحَبْسِ عَنْ مَحِلِّهِ، رَجَعَ، وَلَمْ يَصِلْ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ إِعْظَامًا لِمَا رَأَى، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ (٤) قُرَيْشٍ، قَدْ رَأَيْتُ مَا لَا يَحِلُّ صَدُّهُ: الْهَدْيَ فِي قَلَائِدِهِ قَدْ أَكَلَ أَوْتَارَهُ مِنْ طُولِ الْحَبْسِ عَنْ مَحِلِّهِ. فَقَالُوا: اجْلِسْ، إِنَّمَا أَنْتَ أَعْرَابِيٌّ لَا عِلْمَ لَكَ، فَبَعَثُوا إِلَيْهِ عُرْوَةَ بْنَ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيَّ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ مَا يَلْقَى مِنْكُمْ، مَنْ تَبْعَثُونَ إِلَى مُحَمَّدٍ إِذَا جَاءَكُمْ، مِنَ التَّعْنِيفِ وَسُوءِ اللَّفْظِ، وَقَدْ عَرَفْتُمْ أَنَّكُمْ وَالِدٌ وَأَنِّي وَلَدٌ، وَقَدْ سَمِعْتُ بِالَّذِي نَابَكُمْ، فَجَمَعْتُ مَنْ أَطَاعَنِي مِنْ قَوْمِي، ثُمَّ جِئْتُ
_________________
(١) هكذا جاء في النسخ، وضبطه السندي: بكسر فسكون، وجاء في هامش (س): الحليس، مصغرًا. قلنا: وكذلك ضبطه الحافظ في "الفتح" ٥/٣٤٢.
(٢) في (ق): الأحابيش.
(٣) في (س) و(ص) و(م): أو ناره، وهو تصحيف، والمثبت من (ظ١٣) و(ق) .
(٤) في (ظ١٣) و(ق) وهامش (ص): معاشر.
[ ٣١ / ٢١٤ ]
حَتَّى آسَيْتُكُمْ بِنَفْسِي. قَالُوا: صَدَقْتَ، مَا أَنْتَ عِنْدَنَا بِمُتَّهَمٍ. فَخَرَجَ حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَجَلَسَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، جَمَعْتَ أَوْبَاشَ النَّاسِ، ثُمَّ جِئْتَ بِهِمْ لِبَيْضَتِكَ لِتَفُضَّهَا، إِنَّهَا قُرَيْشٌ قَدْ خَرَجَتْ مَعَهَا الْعُوذُ الْمَطَافِيلُ، قَدْ لَبِسُوا جُلُودَ النُّمُورِ، يُعَاهِدُونَ اللهَ أَنْ لَا تَدْخُلَهَا عَلَيْهِمْ عَنْوَةً أَبَدًا، وَأَيْمُ اللهِ، لَكَأَنِّي بِهَؤُلَاءِ قَدْ انْكَشَفُوا عَنْكَ غَدًا. قَالَ: وَأَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ خَلْفَ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَاعِدٌ، فَقَالَ: امْصُصْ بَظْرَ اللَّاتِ، أَنَحْنُ نَنْكَشِفُ عَنْهُ؟ قَالَ: مَنْ هَذَا يَا مُحَمَّدُ؟ قَالَ: " هَذَا ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ " قَالَ: وَاللهِ لَوْلَا يَدٌ كَانَتْ لَكَ عِنْدِي، لَكَافَأْتُكَ بِهَا، وَلَكِنَّ هَذِهِ بِهَا. ثُمَّ تَنَاوَلَ لِحْيَةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَالْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ وَاقِفٌ عَلَى رَأْسِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي الْحَدِيدِ، قَالَ: يَقْرَعُ (١) يَدَهُ، ثُمَّ قَالَ: أَمْسِكْ يَدَكَ عِنْ لِحْيَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَبْلَ وَاللهِ لَا تَصِلُ إِلَيْكَ. قَالَ: وَيْحَكَ، مَا أَفَظَّكَ وَأَغْلَظَكَ. قَالَ: فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَالَ: مَنْ هَذَا يَا مُحَمَّدُ؟ قَالَ: " هَذَا ابْنُ أَخِيكَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ " قَالَ: أَغُدَرُ، هَلْ غَسَلْتَ سَوْأَتَكَ إِلَّا بِالْأَمْسِ. قَالَ: فَكَلَّمَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِمِثْلِ مَا كَلَّمَ بِهِ أَصْحَابَهُ، فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ لَمْ يَأْتِ يُرِيدُ حَرْبًا. قَالَ: فَقَامَ مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَقَدْ رَأَى مَا يَصْنَعُ بِهِ أَصْحَابُهُ، لَا يَتَوَضَّأُ وُضُوءًا إِلَّا ابْتَدَرُوهُ، وَلَا يَبْسُقُ بُسَاقًا إِلَّا ابْتَدَرُوهُ، وَلَا يَسْقُطُ مِنْ شَعَرِهِ
_________________
(١) في (م): يقرع.
[ ٣١ / ٢١٥ ]
شَيْءٌ إِلَّا أَخَذُوهُ، فَرَجَعَ إِلَى قُرَيْشٍ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ (١) قُرَيْشٍ، إِنِّي جِئْتُ كِسْرَى فِي مُلْكِهِ، وَجِئْتُ قَيْصَرَ وَالنَّجَاشِيَّ فِي مُلْكِهِمَا، وَاللهِ مَا رَأَيْتُ مَلِكًا قَطُّ مِثْلَ مُحَمَّدٍ فِي أَصْحَابِهِ، وَلَقَدْ رَأَيْتُ قَوْمًا لَا يُسْلِمُونَهُ لِشَيْءٍ أَبَدًا، فَرُوا رَأْيَكُمْ. قَالَ: وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَبْلَ ذَلِكَ بَعَثَ خِرَاشَ بْنَ أُمَيَّةَ الْخُزَاعِيَّ إِلَى مَكَّةَ، وَحَمَلَهُ عَلَى جَمَلٍ لَهُ يُقَالُ لَهُ: الثَّعْلَبُ، فَلَمَّا دَخَلَ مَكَّةَ عَقَرَتْ بِهِ قُرَيْشٌ، وَأَرَادُوا قَتْلَ خِرَاشٍ، فَمَنَعَهُمُ الْأَحَابِشُ (٢) حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَدَعَا عُمَرَ لِيَبْعَثَهُ إِلَى مَكَّةَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أَخَافُ قُرَيْشًا عَلَى نَفْسِي، وَلَيْسَ بِهَا مِنْ بَنِي عَدِيٍّ أَحَدٌ يَمْنَعُنِي، وَقَدْ عَرَفَتْ قُرَيْشٌ عَدَاوَتِي إِيَّاهَا، وَغِلْظَتِي عَلَيْهَا، وَلَكِنْ أَدُلُّكَ عَلَى رَجُلٍ هُوَ أَعَزُّ مِنِّي عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ. قَالَ: فَدَعَاهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَبَعَثَهُ إِلَى قُرَيْشٍ يُخْبِرُهُمْ أَنَّهُ لَمْ يَأْتِ لِحَرْبٍ، وَأَنَّهُ جَاءَ زَائِرًا لِهَذَا الْبَيْتِ، مُعَظِّمًا لِحُرْمَتِهِ، فَخَرَجَ عُثْمَانُ حَتَّى أَتَى مَكَّةَ، وَلَقِيَهُ أَبَانُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ، فَنَزَلَ عَنْ دَابَّتِهِ وَحَمَلَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَرَدِفَ خَلْفَهُ، وَأَجَارَهُ حَتَّى بَلَّغَ رِسَالَةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَانْطَلَقَ عُثْمَانُ حَتَّى أَتَى أَبَا سُفْيَانَ وَعُظَمَاءَ قُرَيْشٍ، فَبَلَّغَهُمْ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ مَا أَرْسَلَهُ بِهِ، فَقَالُوا لِعُثْمَانَ: إِنْ شِئْتَ أَنْ تَطُوفَ بِالْبَيْتِ، فَطُفْ بِهِ. فَقَالَ: مَا كُنْتُ
_________________
(١) في (ظ ١٣): معاشر.
(٢) في (ق) وهامش (س): الأحابيش.
[ ٣١ / ٢١٦ ]
لِأَفْعَلَ حَتَّى يَطُوفَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ. قَالَ: فَاحْتَبَسَتْهُ قُرَيْشٌ عِنْدَهَا، فَبَلَغَ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَالْمُسْلِمِينَ أَنَّ عُثْمَانَ قَدْ قُتِلَ. قَالَ مُحَمَّدٌ: فَحَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ: أَنَّ قُرَيْشًا بَعَثُوا سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو، أَحَدَ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ، فَقَالُوا: ائْتِ مُحَمَّدًا فَصَالِحْهُ، وَلَا يَكُونُ فِي صُلْحِهِ إِلَّا أَنْ يَرْجِعَ عَنَّا عَامَهُ هَذَا، فَوَاللهِ لَا تَتَحَدَّثُ الْعَرَبُ أَنَّهُ دَخَلَهَا عَلَيْنَا عَنْوَةً أَبَدًا، فَأَتَاهُ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، فَلَمَّا رَآهُ النَّبِيُّ ﷺ قَالَ: " قَدْ أَرَادَ الْقَوْمُ الصُّلْحَ حِينَ بَعَثُوا هَذَا الرَّجُلَ "، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ تَكَلَّمَا، وَأَطَالَا الْكَلَامَ، وَتَرَاجَعَا حَتَّى جَرَى بَيْنَهُمَا الصُّلْحُ، فَلَمَّا الْتَأَمَ الْأَمْرُ وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا الْكِتَابُ وَثَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، فَأَتَى أَبَا بَكْرٍ، فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ، أَوَلَيْسَ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ؟ أَوَلَسْنَا بِالْمُسْلِمِينَ؟ أَوَلَيْسُوا بِالْمُشْرِكِينَ؟ قَالَ: بَلَى. قَالَ: فَعَلَامَ نُعْطِي الذِّلَّةَ فِي دِينِنَا. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا عُمَرُ الْزَمْ غَرْزَهُ حَيْثُ كَانَ، فَإِنِّي أَشْهَدُ أَنَّهُ رَسُولُ اللهِ. قَالَ عُمَرُ: وَأَنَا أَشْهَدُ، ثُمَّ أَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَوَلَسْنَا بِالْمُسْلِمِينَ؟ أَوَلَيْسُوا بِالْمُشْرِكِينَ؟ قَالَ: " بَلَى "، قَالَ: فَعَلَامَ نُعْطِي الذِّلَّةَ فِي دِينِنَا؟ فَقَالَ: " أَنَا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، لَنْ أُخَالِفَ أَمْرَهُ، وَلَنْ يُضَيِّعَنِي " ثُمَّ قَالَ عُمَرُ: مَا زِلْتُ أَصُومُ وَأَتَصَدَّقُ وَأُصَلِّي وَأَعْتِقُ مِنَ الَّذِي صَنَعْتُ مَخَافَةَ كَلَامِي الَّذِي تَكَلَّمْتُ بِهِ يَوْمَئِذٍ حَتَّى رَجَوْتُ أَنْ يَكُونَ خَيْرًا.
[ ٣١ / ٢١٧ ]
قَالَ: وَدَعَا (١) رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: " اكْتُبْ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ " فَقَالَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو: لَا أَعْرِفُ هَذَا، وَلَكِنْ اكْتُبْ بِاسْمِكَ اللهُمَّ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: " اكْتُبْ بِاسْمِكَ اللهُمَّ، هَذَا مَا صَالَحَ عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو " فَقَالَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو (٢): لَوْ شَهِدْتُ أَنَّكَ رَسُولُ اللهِ لَمْ أُقَاتِلْكَ، وَلَكِنْ اكْتُبْ: هَذَا مَا اصْطَلَحَ (٣) عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ وَسُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو عَلَى وَضْعِ الْحَرْبِ عَشْرَ سِنِينَ، يَأْمَنُ فِيهَا (٤) النَّاسُ، وَيَكُفُّ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ، عَلَى أَنَّهُ مَنْ أَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ مِنْ أَصْحَابِهِ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهِ رَدَّهُ عَلَيْهِمْ، وَمَنْ أَتَى قُرَيْشًا مِمَّنْ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ لَمْ يَرُدُّوهُ عَلَيْهِ، وَإِنَّ بَيْنَنَا عَيْبَةً مَكْفُوفَةً، وَإِنَّهُ لَا إِسْلَالَ وَلَا إِغْلَالَ. وَكَانَ فِي شَرْطِهِمْ حِينَ كَتَبُوا الْكِتَابَ أَنَّهُ مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَدْخُلَ فِي عَقْدِ مُحَمَّدٍ وَعَهْدِهِ دَخَلَ فِيهِ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَدْخُلَ فِي عَقْدِ قُرَيْشٍ وَعَهْدِهِمْ دَخَلَ فِيهِ، فَتَوَاثَبَتْ خُزَاعَةُ فَقَالُوا: نَحْنُ مَعَ عَقْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَعَهْدِهِ، وَتَوَاثَبَتْ بَنُو بَكْرٍ، فَقَالُوا: نَحْنُ فِي عَقْدِ قُرَيْشٍ وَعَهْدِهِمْ. وَأَنَّكَ تَرْجِعُ عَنَّا عَامَنَا هَذَا، فَلَا تَدْخُلْ عَلَيْنَا مَكَّةَ، وَأَنَّهُ إِذَا كَانَ عَامُ قَابِلٍ، خَرَجْنَا عَنْكَ، فَتَدْخُلُهَا بِأَصْحَابِكَ، وَأَقَمْتَ فِيهِمْ
_________________
(١) في (ق): ثم دعا، وجاء في هامش (س): ثم، نسخة.
(٢) في (م): فقال سهيل بن عمرو.
(٣) في (ق): ما صَالَح.
(٤) في (ق) و(م) وهامش (س): فيها.
[ ٣١ / ٢١٨ ]
ثَلَاثًا (١) مَعَكَ سِلَاحُ الرَّاكِبِ لَا تَدْخُلْهَا بِغَيْرِ السُّيُوفِ فِي الْقُرُبِ. فَبَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ يَكْتُبُ الْكِتَابَ إِذْ جَاءَهُ أَبُو جَنْدَلِ بْنُ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو فِي الْحَدِيدِ قَدِ انْفَلَتَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ. قَالَ: وَقَدْ كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ خَرَجُوا (٢) وَهُمْ لَا يَشُكُّونَ فِي الْفَتْحِ لِرُؤْيَا رَآهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَلَمَّا رَأَوْا مَا رَأَوْا (٣) مِنَ الصُّلْحِ وَالرُّجُوعِ، وَمَا تَحَمَّلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى نَفْسِهِ، دَخَلَ النَّاسَ مِنْ ذَلِكَ أَمْرٌ عَظِيمٌ حَتَّى كَادُوا أَنْ يَهْلَكُوا، فَلَمَّا رَأَى سُهَيْلٌ أَبَا جَنْدَلٍ، قَامَ إِلَيْهِ، فَضَرَبَ وَجْهَهُ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، قَدْ لُجَّتِ الْقَضِيَّةُ بَيْنِي وَبَيْنَكَ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكَ هَذَا. قَالَ: " صَدَقْتَ ". فَقَامَ إِلَيْهِ، فَأَخَذَ بِتَلْبِيبِهِ، قَالَ: وَصَرَخَ أَبُو جَنْدَلٍ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: يَا مَعَاشِرَ الْمُسْلِمِينَ، أَتَرُدُّونَنِي إِلَى أَهْلِ الشِّرْكِ، فَيَفْتِنُونِي (٤) فِي دِينِي. قَالَ: فَزَادَ النَّاسُ شَرًّا إِلَى مَا بِهِمْ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: " يَا أَبَا جَنْدَلٍ اصْبِرْ وَاحْتَسِبْ، فَإِنَّ اللهَ ﷿ جَاعِلٌ لَكَ وَلِمَنْ مَعَكَ مِنَ الْمُسْتَضْعَفِينَ فَرَجًا وَمَخْرَجًا، إِنَّا قَدْ عَقَدْنَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ صُلْحًا، فَأَعْطَيْنَاهُمْ عَلَى ذَلِكَ، وَأَعْطَوْنَا عَلَيْهِ عَهْدًا، وَإِنَّا لَنْ نَغْدِرَ بِهِمْ ".
_________________
(١) في (ظ ١٣): وأقمت بها ثلاثًا، وفي (ق): وأقمت بها فيهم ثلاثًا.
(٢) في (ظ ١٣) و(ق): قد خرجوا.
(٣) في (س) و(ص) و(ق): رأى ما رأوا، والمثبت من (ظ ١٣) و(ق) .
(٤) في (ق): فيفتنونني، وهي نسخة في (س) .
[ ٣١ / ٢١٩ ]
قَالَ: فَوَثَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مَعَ أَبِي جَنْدَلٍ، (١) فَجَعَلَ يَمْشِي إِلَى جَنْبِهِ وَهُوَ يَقُولُ: اصْبِرْ أَبَا جَنْدَلٍ، فَإِنَّمَا هُمُ الْمُشْرِكُونَ، وَإِنَّمَا دَمُ أَحَدِهِمْ دَمُ كَلْبٍ. قَالَ: وَيُدْنِي قَائِمَ السَّيْفِ مِنْهُ. قَالَ: يَقُولُ: رَجَوْتُ أَنْ يَأْخُذَ السَّيْفَ، فَيَضْرِبَ بِهِ أَبَاهُ (٢) . قَالَ: فَضَنَّ الرَّجُلُ بِأَبِيهِ، وَنَفَذَتِ الْقَضِيَّةُ، فَلَمَّا فَرَغَا مِنَ الْكِتَابِ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي فِي الْحَرَمِ وَهُوَ مُضْطَرِبٌ فِي الْحِلِّ. قَالَ: فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: " يَا أَيُّهَا النَّاسُ، انْحَرُوا وَاحْلِقُوا " قَالَ: فَمَا قَامَ أَحَدٌ، قَالَ: ثُمَّ (٣) عَادَ بِمِثْلِهَا، فَمَا قَامَ رَجُلٌ، حَتَّى عَادَ بِمِثْلِهَا، فَمَا قَامَ رَجُلٌ، فَرَجَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَدَخَلَ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ، فَقَالَ: " يَا أُمَّ سَلَمَةَ، مَا شَأْنُ النَّاسِ؟ " قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، قَدْ دَخَلَهُمْ مَا قَدْ رَأَيْتَ، فَلَا تُكَلِّمَنَّ مِنْهُمْ إِنْسَانًا، وَاعْمِدْ إِلَى هَدْيِكَ حَيْثُ كَانَ فَانْحَرْهُ وَاحْلِقْ، فَلَوْ قَدْ فَعَلْتَ ذَلِكَ فَعَلَ النَّاسُ ذَلِكَ. فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَا يُكَلِّمُ أَحَدًا حَتَّى أَتَى هَدْيَهُ فَنَحَرَهُ، ثُمَّ جَلَسَ، فَحَلَقَ، فَقَامَ النَّاسُ يَنْحَرُونَ وَيَحْلِقُونَ. قَالَ: حَتَّى إِذَا كَانَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فِي وَسَطِ الطَّرِيقِ، فَنَزَلَتْ (٤) سُورَةُ الْفَتْحِ (٥)
_________________
(١) لفظ "مع أبي جندل" ضبب فوقها في (ظ١٣) .
(٢) في (م): إياه، وهو تحريف.
(٣) في (م): حتى.
(٤) في (ظ١٣): نزلت.
(٥) إسناده حسن، محمد بن إسحاق، وإن كان مدلسًا وقد عنعن إلا أنه قد=
[ ٣١ / ٢٢٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = صرح بالتحديث في بعض فقرات هذا الحديث، فانتفت شبهة تدليسه، ثم إنه قد توبع كما سيأتي برقم (١٨٩٢٨) (١٨٩٢٩) . وبقية رجاله ثقات رجال الشيخين. وأخرجه مختصرًا ومطولًا أبو داود (٢٧٦٦)، والطبري في "تفسيره" ٢٦/١٠١، وفي "تاريخه" ٢/٦٢٠، وابن خزيمة (٢٩٠٦)، والطبراني في "الكبير" ٢٠/ (١٤) و(١٦)، والحاكم ٢/٤٥٩، والبيهقي في "السنن" ٥/٢١٥، ٩/٢٢١ - ٢٢٢ و٢٢٣ و٢٢٧ و٢٢٨، ٢٣٣، وفي "الدلائل" ٤/١١٢ و١٤٥، وابن عبد البر في "الاستذكار" ١٣/١٠٥ من طرق عن ابن إسحاق، بهذا الإسناد. وأورده ابن هشام في "سيرته" ٢/٣٠٨. وسيرد بالأرقام (١٨٩٢٠) و(١٨٩٢٨) و(١٨٩٢٩) . وفي باب كتاب الصلح، سلف من حديث ابن عباس برقم (٣١٨٧)، وذكرنا هناك بقية أحاديث الباب. قال السندي: قوله: يريد زيارة البيت، أي: الاعتمار. وكان الناس سبع مئة رجل، أي: كأنهم أولًا كانوا كذلك، ثم ازدادوا بالتلاحق، أو كان أهل المدينة كذلك، والبقية كانوا من أهل البادية، وإلا فقد سبق أنهم كانوا أكثر من هذا العدد. عن عشرة: قد جاء ما يؤيد هذا أيضًا، لكن جاء أن البدنة عن سبعة، وهو أحوط، فأخذ به غالب أهل العلم. بعُسفان: بضم العين: موضع بين مكة والمدينة. العوذ، جمع عائذ: وهي الناقة القريبة الولادة. المطافيل، أي: ذوات الأطفال، والمراد النوق التي فيها اللبن، أي: فذاك اللبن طعامهم وشرابهم، فلا يحتاجون معه إلى شيء حتى ينكسروا له، وقيل: المراد أنهم ساقوا معهم أموالهم فلا يمكن أن يفروا، وقيل: المراد ها هنا النساء والصبيان، والمطافيل جمع مُطفل، بضم ميم، يقال: أطفلت الناقة فهي مطفلة ومطفل، والجمع مطافل والمطافيل.=
[ ٣١ / ٢٢١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = عنوة، أي: قهرًا، وأصله الذل، واستعمل في القهر لأن ذل أحد الطرفين يستلزم قهر الآخر. كراع الغميم، بضم الكاف: اسم موضع. "أكلتهم": وهنتهم. "وإن لم يفعلوا"، أي: ما دَخَلُوا في الإسلام عند غلبتي على سائر العرب، بل اختاروا القتال على دخول الإسلام. "أو تنفرد هذه السالفة"، أي: أو أموت، والسالفة: صفحة العنق، وليس المراد القتل لقوله تعالى: (والله يعصمك من الناس) . بين ظهري الحمض، ضبط بفتح حاءٍ مهملة وسكون ميم وإعجام صاد، وهو لغة: نوع من النبات. المرار، ضبط بضم ميم وتخفيف. قترة الجيش، بفتحتين أوله قاف، أي: غبارهم. قد خالفوا، أي: والحال أن الجيش قد خالفوا. نكصوا، أي: انصرفوا. بركت، أي: قعدت. خَلأت: بخاءٍِ معجمة وهمزة، أي: تصعبت، وساء خلقها. "وما هو"، أي: سوء الخلق "بخلق"، أي: بعادة. "ولكن حبسها حابس الفيل"، أي: منعها من السير إلى مكة من منع الفيل من مكة، وهو الله تعالى. "خُطة" بضم خاء معجمة وتشديد طاء، أي: خصلة، والمراد أنهم إن طلبوا منه الصلح يقبله. في قليب، أي: بئر. فجاش، أي: فار. "بالرّوَّاء" ضبط بالتشديد كعلاّم، أي: بالماء الكثير المروي بكثرة، وفي "القاموس": ماء رواء كسماء، أي: كثير، ومقتضاه التخفيف. "حتى ضرب الناسُ" بالرفع، أي: أقاموا.=
[ ٣١ / ٢٢٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = يعطن، بفتحتين: مبرك الإبل. أي: رويت إبلهم حتى بركت، فأقامت مكانها. في عَيْبة، بفتح مهملة وسكون ياء ثم موحدة، أي: معدودين في أصحاب سره والعيبة: موضع السر والأمانة، وأصله ما يكون مُعدَا لحفظ أحسن الثياب. "غادر": قاله تنبيهًا لأصحابه على حقيقة الحال خوفًا من أن سيجيء من جهته ضرر. الأحابش، بحاء مهملة: جماعات من قبائل شتى، وقيل: هم أحياء من القارة انضموا إلى بني ليث في محاربتهم قريشًا قبل الإسلام. وقال ابن دريد: حلفاء قريش تحالفوا تحت جبل يسمى حبشيًا، فسفوا بذلك. "يتألهون"، من التأله، وهو التعبد، أي: أنهم يراعون حق الله تعالى وحرمته. من عُرْض الوادي، بضم عينٍ مهملة وسكون راءٍ. قد أُكل، على بناء المفعول. الهديَ، بالنصب: بدل من قوله "ما لا يحل صده". ما يلقى من التعنيف: بيان لما يلقى. إنكم والد: فأراعيكم كما يراعي الولد أباه، ولا أخونكم. بالذي نابكم: عرضكم، أي: قبل هذا الأمر. آسيتكم، بالمد، أي: واسيتكم وأعنتكم. أوباش الناس، أي: الجماعات المتفرقة الذين لا يثبتون في الحرب. لبيضتك، أي: لأصلك وقومك، فإن البيضة أصل للفرخ. لتفضها، بضم الفاء وتشديد الضاد: من الفض، وهو الكسر. إنها، أي: أن القصة، أو إن البيضة، وعلى الأول فقريش مبتدأ، خبره "قد خرجت". وايم الله إلخ قاله تخويفًا له ﷺ حتى يميل إلى الصلح. بظر، بفتح موحدة، وسكون معجمة: وهي الجلدة تقطعها الخاتنة في فرج المرأة عند الختان. =
[ ٣١ / ٢٢٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = واللات: اسم صنم لهم، وهذا شتم له غليظ. لولا يد، أي: إحسان. لكافأتك بها، أي: بهذه الشتيمة، أي: لشتمتك بمثلها. ثم تناول لحية: هذا على عادة العرب في التكلم لا سيّما عند الملاطفة. فقرع، أي: ضرب يده إجلالًا للنبي ﷺ، لأن هذا إنما يصنع النظيرُ بالنظير، وكان عروة عَمَّ المغيرة. قبل، الظاهر أن المضاف إليه مقدر، أي: قبل أن تصل إليك العقوبة ونحوه. وقوله: "واللهِ لا يصل إليك"، أي: العقوبة، كالبيان له، فيكون "قبل" مبنيًا على الضم، ويمكن الإعراب باعتبار المقدر كالملفوظ. أغُدَر، بضم ففتح: معدول عن غادر، كعُمر عن عامر، والهمزة للنداء. غسلت سوأتك، أي: دفعت خيانتك وضررها ببذل المال. إلا بالأمس، أي: إلا عن قريب، أي: فكيف لك الغلطة عليَّ! والمغيرة قد قتل ناسًا قبل الإسلام، وقد سبق له ذكر أيضًا. إلا ابتدروه، أي: استبقوا إلى أخذ الغسالة، والتبرك بها. لا يسلمونه: من أسلمه إلى عدوه إذا خُلَّيَ بينهما، أي: لا يتركونه لكم ويشردون عنه. فَرَوْا: بفتح الراء وسكون الواو، أمر من الرأي، أي: انظروا في الرأي، ومراده إمالتهم إلى الصُّلْح. عقرت به قريش، أي: عقروا جَمَلَه. تكلما، أي: النبي ﷺ وسهيل. فلما التأم الأمر، أي: صلح، واتفق. الذلة: خلاف العِزة، أي: حيث شرطوا علينا ما ظاهره ذلة وإن ظهر بعد ذلك أنه ما كان إلا عِزَّة، وإنما كان ذلة على المشركين. غرزه: الغَرزُ للإبل بمنزلة الركاب للسرج، أي: كن تابعاَ له، متمسكًا برأيه، ولا تخالفه، فإن من أراد أن يكون تابعًا لراكب الجمل بأحسن وجه=
[ ٣١ / ٢٢٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = يلازم الغرز. وأنا أشهد: فبين أن هذا ليس بشكَّ منه، وإنما هو غيرة للدين. "ولن يضيعني": من التضييع أو الإضاعة. مخافة كلامي: إذ اللازم الرضا بما قضاه رسول الله ﷺ، ولا ينبغي المقابلة في رَدَّه، فلذلك تندَّم على ذلك الكلام وخاف، وإن كان ما صدر منه إلا غيرة للدين. أن يكون: أمري وعاقبتي. مكفوفة: مشدودة ممنوعة عما لا يوافق الصُلح، والمعنى: على أن بيننا قلوبًا صافية كفَت عما لا يوافق الصلح. لا إسلال: الغارة الظاهرة. ولا إغلال، أي: الخيانة، أي على ألا يأخذ بعضنا مال بعض لا في السر ولا في العلانية. فتواثبت، أي: قامُوا بسرعة. سلاح الراكب، أي: لا سلاح المحارب. في القُرُب، بضمتين: جمع قراب. في الحديد، أي: مقيدًا فيه، منعه الكَفَرَة به عن الهجرة. قد انفلت، أي: مع القيود. دخل الناس، بالنصب، أي: دخل في قلوبهم. قد لجت، من اللجاج، أي: تمت، فإن اللجاج يؤدي إلى التمام حتى قيل: من قرع بابًا ولجَّ وَلَج. القضية، أي: المصالحة، وفي "النهاية" لجَّت، أي: وجبت، هكذا رأيته مشروحًا، ولا أعرف أصله انتهى. وتبعه صاحب "المجمع" على ذلك. فقام، أي: سهيل. إليه: إلى أبي جندل. فأخذ بتلبيبه: يقال: أخذتَ بتلبيب فلان: إذا جمعتَ عليه ثوبه الذي لبسه=
[ ٣١ / ٢٢٥ ]
١٨٩١١ - حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ يُحَدِّثُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ، عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، أَنَّ عَلِيًّا خَطَبَ ابْنَةَ أَبِي جَهْلٍ، فَوَعَدَ بِالنِّكَاحِ. فَأَتَتْ فَاطِمَةُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَتْ: إِنَّ قَوْمَكَ يَتَحَدَّثُونَ أَنَّكَ لَا تَغْضَبُ لِبَنَاتِكَ، وَأَنَّ عَلِيًّا قَدْ خَطَبَ ابْنَةَ أَبِي جَهْلٍ، فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ، فَحَمِدَ اللهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَقَالَ: " إِنَّمَا فَاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي، وَأَنَا أَكْرَهُ أَنْ تَفْتِنُوهَا ". وَذَكَرَ أَبَا الْعَاصِ بْنَ الرَّبِيعِ، فَأَكْثَرَ عَلَيْهِ الثَّنَاءَ، وَقَالَ: لَا يُجْمَعُ بَيْنَ ابْنَةِ نَبِيِّ اللهِ، وَبِنْتِ عَدُوِّ اللهِ "، فَرَفَضَ عَلِىٌّ ذَلِكَ (١)
_________________
(١) = وقبضت عليه تجزة، والتلبيب: مجمع ما في موضع اللب من ثياب الرجل. فزاد الناس: المسلمون. شرًا: تعبًا. لن نغدر، بكسر الدال، أي: لا تتوقع أنا نغدر لأجلك بهم، فليس من عادتنا وشأننا. دم كلب، أي: فلا يبالي المرء بإهراقه إن قدر عليه. ويدني، من الإدناء، أي: يقرب. فضنَّ، أي: بخل. وهو مضطرب، أي: ضارب خيمته.
(٢) حديث صحيح، النعمان: وهو ابن راشد الجزري، ضعيف، سيئ الحفظ، وقد أخرج له مسلم في المتابعات، وهذه منها، وبقية رجاله ثقات رجال الشيخين. وهب بن جرير: هو ابن حازم، وعلي بن الحسين: هو ابن علي بن أبي طالب.=
[ ٣١ / ٢٢٦ ]
١٨٩١٢ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ، أَنَّ الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ أَخَبَرَهُ، أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ خَطَبَ ابْنَةَ أَبِي جَهْلٍ وَعِنْدَهُ فَاطِمَةُ ابْنَةُ النَّبِيِّ ﷺ، فَلَمَّا سَمِعَتْ بِذَلِكَ فَاطِمَةُ أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ لَهُ: إِنَّ قَوْمَكَ يَتَحَدَّثُونَ أَنَّكَ لَا تَغْضَبُ لِبَنَاتِكَ، وَهَذَا عَلِيٌّ نَاكِحٌ ابْنَةَ أَبِي جَهْلٍ، قَالَ الْمِسْوَرُ: فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ، فَسَمِعْتُهُ حِينَ تَشَهَّدَ، ثُمَّ قَالَ: " أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي أَنْكَحْتُ أَبَا الْعَاصِ بْنَ الرَّبِيعِ، فَحَدَّثَنِي فَصَدَقَنِي، وَإِنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ
_________________
(١) = وأخرجه مسلم (٢٤٤٩) (٩٦) - ولم يسق متنه-، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (٤٩٨٦)، وابن حبان (٧٠٦٠)، والطبراني في "الكبير" ٢٠/ (٢١) من طريق وهب بن جرير، بهذا الإسناد. وأخرجه أبو يعلى (٧١٨١)، وابن حبان (٦٩٥٧)، والطبراني في "الكبير" ٢٠/ (١٨) من طريق عبيد الله بن أبي زياد، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (٤٩٨٩)، والطبراني في "الشاميين" (١٧٠٧) من طريق محمد بن الوليد الزبيدي، كلاهما عن الزُّهْري. وسيرد بالأرقام: (١٨٩١٢) و(١٨٩١٣) و(١٨٩٢٦) . وانظر (١٨٩٠٧) . قال السندي: إن قومك أي: لا تغضب لانتصارهن حتى اشتهر ذلك بين قومك. "بضعة" بفتح الباء، أي: قطعة لحم، قيل: وقد تكسر الباء. فأكثر عليه الثناء، أي: تعريضًا لعلي. "لا يجمع"، على بناء المفعول، أي: لا يتحقق هذا الجمع. فرفض، أي: ترك.
[ ٣١ / ٢٢٧ ]
بَضْعَةٌ مِنِّي، وَأَنَا أَكْرَهُ أَنْ تَفْتِنُوهَا، وَإِنَّهَا وَاللهِ لَا تَجْتَمِعُ ابْنَةُ رَسُولِ اللهِ وَابْنَةُ عَدُوِّ اللهِ عِنْدَ رَجُلٍ وَاحِدٍ أَبَدًا " قَالَ: فَتَرَكَ عَلِيٌّ الْخِطْبَةَ (١)
١٨٩١٣ - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ يَعْنِي ابْنَ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ الدُّؤَلِيُّ، أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ حَدَّثَهُ، أَنَّ عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ حَدَّثَهُ، أَنَّهُمْ حِينَ قَدِمُوا الْمَدِينَةَ مِنْ عِنْدِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ مَقْتَلَ حُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ لَقِيَهُ الْمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ فَقَالَ: هَلْ لَكَ إِلَيَّ مِنْ حَاجَةٍ تَأْمُرُنِي بِهَا؟ قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: لَا، قَالَ لَهُ: هَلْ أَنْتَ مُعْطِيَّ سَيْفَ رَسُولِ اللهِ ﷺ؟ فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَغْلِبَكَ الْقَوْمُ عَلَيْهِ، وَايْمُ اللهِ، لَئِنْ أَعْطَيْتَنِيهِ لَا يُخْلَصُ إِلَيْهِ أَبَدًا حَتَّى تَبْلُغَ نَفْسِي، إِنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ خَطَبَ ابْنَةَ أَبِي جَهْلٍ
_________________
(١) إسناده صحيح على شرط الشيخين. أبو اليمان: هو الحكم بن نافع، وشعيب: هو ابن أبي حمزة. وأخرجه بتمامه ومختصرًا البخاري (٩٢٦) و(٣٧٢٩)، ومسلم (٢٤٤٩) (٩٦)، وابن ماجه (١٩٩٩)، ويعقوبُ بن سفيان في "المعرفة والتاريخ" ١/٣٥٨، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (٥٥٣)، والطبراني في "الكبير" ٢٠/ (١٩)، وفي "مسند الشاميين" (٣٠٠٦)، والبيهقي ٧/٣٠٨ من طريق أبي اليمان، بهذا الإسناد. وتحرف اسم شعيب في مطبوعِ "المعرفة والتاريخ "إلى: شعبة. وأخرجه الطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (٤٩٨٧)، والبيهقي ٧/٣٠٨ من طريقين عن شعيب، به. وقد سلف (١٨٩١١) . قال السندي: قوله: "فصدقني" بالتخفيف، أي تكلم بحديث صادق.
[ ٣١ / ٢٢٨ ]
عَلَى فَاطِمَةَ، فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَهُوَ يَخْطُبُ النَّاسَ فِي ذَلِكَ عَلَى مِنْبَرِهِ هَذَا وَأَنَا يَوْمَئِذٍ مُحْتَلِمٌ، فَقَالَ: " إِنَّ فَاطِمَةَ بَضْعَةٌ مِنِّي، وَأَنَا أَتَخَوَّفُ أَنْ تُفْتَنَ فِي دِينِهَا ". قَالَ: ثُمَّ ذَكَرَ صِهْرًا لَهُ مِنْ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ، فَأَثْنَى عَلَيْهِ فِي مُصَاهَرَتِهِ إِيَّاهُ، فَأَحْسَنَ قَالَ: " حَدَّثَنِي فَصَدَقَنِي وَوَعَدَنِي فَوَفَى لِي، وَإِنِّي لَسْتُ أُحَرِّمُ حَلَالًا، وَلَا أُحِلُّ حَرَامًا، وَلَكِنْ وَاللهِ لَا تَجْتَمِعُ ابْنَةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَابْنَةُ عَدُوِّ اللهِ مَكَانًا وَاحِدًا أَبَدًا " (١)
_________________
(١) إسناده صحيح على شرط الشيخين. يعقوب بن إبراهيم: هو ابن سعد ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، والوليد بن كثير: هو المخزومي، وابن شهاب: هو محمد بن مسلم الزهري. وأخرجه مسلم (٢٤٤٩) (٩٥)، وأبو داود (٢٠٦٩)، والنسائي في "الكبرى" (٨٣٧٢) مختصرًا، والطبراني في "الكبير" ٢٠/ (٢٠)، وابن الأثير في "أسد الغابة" ٥/١٧٦ من طريق الإمام أحمد، بهذا الإسناد. وأخرجه البخاري (٣١١٠)، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (٥٥٤) (٦١٨)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (٤٩٨٨)، وابن حبان (٦٩٥٦) من طريق يعقوب بن إبراهيم، به. وفيه عند الطحاوي: كالمحتلم. وقد سلف برقم (١٨٩١١) . ذكر الحافظ في الفتح: ٦/٢١٤ في مناسبة ذكر خطبة بنت أبي جهل عند طلبه السيف نقلًا عن الكرماني، قال: كما أن رسول الله ﷺ كان يحب رفاهية خاطِر فاطمة ﵍، فأنا أيضًا أُحِبُّ رفاهية خاطرك لكونك ابن ابنها، فأعطني السيفَ حتى أحفظه لك. وذكر الحافظ أن هذا القول هو المعتمد في توجيهه. وانظر تعليق الحافظ على موقف المسور من هذا في "الفتح" ٩/٣٢٧. قال السندي: قوله: قال له، أي: قال المسور لي، إلا أنه ذكر نفسه بطريق الغيبة. =
[ ٣١ / ٢٢٩ ]
١٨٩١٤ - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَمِّهِ، قَالَ: وَزَعَمَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ مَرْوَانَ، وَالْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ أَخْبَرَاهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَامَ حِينَ جَاءَهُ وَفْدُ هَوَازِنَ مُسْلِمِينَ، فَسَأَلُوا أَنْ يَرُدَّ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَسَبْيَهُمْ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ: " مَعِي مَنْ تَرَوْنَ، وَأَحَبُّ الْحَدِيثِ إِلَيَّ أَصْدَقُهُ، فَاخْتَارُوا إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ: إِمَّا السَّبْيُ وَإِمَّا الْمَالُ، وَقَدْ كُنْتُ اسْتَأْنَيْتُ بِكُمْ " وَكَانَ أَنْظَرَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِضْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً حِينَ قَفَلَ مِنَ الطَّائِفِ، فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ غَيْرُ رَادٍّ إِلَيْهِمْ إِلَّا إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ، قَالُوا: فَإِنَّا نَخْتَارُ سَبْيَنَا. فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي الْمُسْلِمِينَ فَأَثْنَى عَلَى اللهِ ﷿ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: " أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ إِخْوَانَكُمْ قَدْ جَاءُوا تَائِبِينَ، وَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ أَنْ أَرُدَّ إِلَيْهِمْ سَبْيَهُمْ، فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يُطَيِّبَ ذَلِكَ، فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يَكُونَ عَلَى حَظِّهِ حَتَّى نُعْطِيَهُ إِيَّاهُ (١) مِنْ أَوَّلِ مَا يُفِيءُ اللهُ ﷿ عَلَيْنَا، فَلْيَفْعَلْ " فَقَالَ النَّاسُ: قَدْ طَيَّبْنَا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "
_________________
(١) = معطيّ: بتشديد الياء، أي تعطيني لأحفظ لك. أن يغلبك إلخ..: أي: يأخذونه منك بالغلبة لصغرك، والمراد بالقوم يزيد ومَن معه. حتى تبلغ: على بناء المفعول، أو على بناء الفاعل، أي: مبلغها أو أجلها، والمرادُ حتى أُقتل.
(٢) لفظ "إياه" ليس في (ظ١٣) .
[ ٣١ / ٢٣٠ ]
إِنَّا لَا نَدْرِي مَنْ أَذِنَ مِنْكُمْ فِي ذَلِكَ، مِمَّنْ لَمْ يَأْذَنْ، فَارْجِعُوا حَتَّى يَرْفَعَ إِلَيْنَا عُرَفَاؤُكُمْ أَمْرَكُمْ " فَجَمَعَ (١) النَّاسُ فَكَلَّمَهُمْ عُرَفَاؤُهُمْ، ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَأَخْبَرُوهُ أَنَّهُمْ قَدْ طَيَّبُوا وَأَذِنُوا هَذَا الَّذِي بَلَغَنِي عَنْ سَبْيِ هَوَازِنَ (٢)
_________________
(١) في (م): فجمع، وهو تحريف.
(٢) حديث صحيح، ابن أخي ابن شهاب: وهو محمد بن عبد الله بن مسلم حديثه فوق الحسن، وقد احتج به مسلم، وأخرج له البخاري في المتابعات، وهذه منها، وهذا الحديث من مراسيل الصحابة كما بينا ذلك في الرواية السالفة برقم (١٨٩٠٩)، وبقية رجاله ثقات رجال الشيخين. وأخرجه البخاري (٤٣١٨) (٤٣١٩) - ومن طريقه البغوي في "شرح السنة" (٢٧١٥) - من طريق يعقوب بن إبراهيم، بهذا الإسناد. وأخرجه بتمامه ومختصرًا البخاري (٢٣٠٧) و(٢٣٠٨) و(٢٥٣٩) و(٢٥٤٠) و(٢٥٨٣) و(٢٥٨٤) و(٢٦٠٧) و(٢٦٠٨) و(٣١٣١) و(٣١٣٢) و(٤٣١٨) (٤٣١٩)، وأبو داود (٢٦٩٣)، والبيهقي في "السنن" ٦/٣٦٠، وفي "الدلائل" ٥/١٩٠-١٩١ من طريق عُقيل بن خالد، والبخاري (٧١٧٦) (٧١٧٧)، والنسائي في "الكبرى" (٨٨٧٦)، والبيهقي ٦/٣٦٠ وفي "الدلائل" ٥/١٩٢ من طريق موسى بن عقبة، كلاهما عن الزهري، به. والقائل: هذا الذي بلغني عن سبي هوازن، هو الزهري كما بين ذلك البخاري في روايته برقم (٢٦٠٧) (٢٦٠٨) . وفي الباب عن عبد الله بن عمرو بن العاص سلف برقم (٦٧٢٩) . قال السندي: قوله: جاءه وفد هوازن: طائفة من هوازن، وهم الذين حاربوا يوم حُنين ثم هزمهم الله تعالى، فصارت أموالهم وأولادهم غنيمة للمسلمين، فحين جاؤوا مُسْلمين طلبوا ذلك. "معي من ترون"، أي: والغنيمة حقهم.=
[ ٣١ / ٢٣١ ]
١٨٩١٥ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ، أخْبَرَهُ، أَنَّ عَمْرَو ابْنَ عَوْفٍ الْأنْصَارِيَّ وَهُوَ حَلِيفُ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ وَكَانَ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، أَخْبَرَهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ " بَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ إِلَى الْبَحْرَيْنِ، يَأْتِي بِجِزْيَتِهَا وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ صَالَحَ أَهْلَ الْبَحْرَيْنِ، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمُ الْعَلَاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ، فَقَدِمَ أَبُو عُبَيْدَةَ بِمَالٍ مِنَ الْبَحْرَيْنِ " فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، يَعْنِي مِثْلَ حَدِيثِ مَعْمَرٍ (١)
_________________
(١) ="استأنيت"، أي: تأخرت في القسمة. "فإن إخوانكم" قاله ترقيقًا لقلوبهم. "أن يطيب" بتشديد الياء. "ذلك"، أي: بهذا السبي. "على حظه"، أي: نصيبه بأن يأخذ مني عوض ذلك. "إنا لا ندري"، أي: لكثرة الزحام. "عرفاؤكم"، أي: من يقوم بأموركم.
(٢) إسناده صحيح على شرط الشيخين. أبو اليمان: هو الحكم بن نافع، وشعيب: هو ابن أبي حمزة، والزهري: هو محمد بن مسلم بن شهاب. وأخرجه أبو عبيد القاسم بن سلام في "الأموال" (٨٢) مختصرًا، وابن زنجويه في "الأموال" (١٢٨) مختصرًا، والبخاري (٣١٥٨)، ومسلم (٢٩٦١)، ويعقوب بن سفيان في "المعرفة والتاريخ" ١/٣٢٤، والطبراني في "الشاميين" (٣١١٢)، والبيهقي في "الشعب" (١٠٢٩٢)، والبغوي في "شرح السنة" (٤٠٢٥) من طريق أبي اليمان، بهذا الإسناد. وقوله: مثل حديث معمر. قلنا: سيأتي من طريقه في الرواية رقم (١٨٩١٦) . وقد سلف برقم (١٧٢٣٤) . وذكر الحافظ في "الفتح" ٦/٢٦٢ في عمرو بن عوف الأنصاري، قال:=
[ ٣١ / ٢٣٢ ]
١٨٩١٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ قَالَ: سَمِعَتِ الْأَنْصَارُ أَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ قَدِمَ بِمَالٍ مِنْ قِبَلِ الْبَحْرَيْنِ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ بَعَثَهُ عَلَى الْبَحْرَيْنِ فَوَافَقَ (١) مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَاةَ الصُّبْحِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ تَعَرَّضُوا، (٢) فَلَمَّا رَآهُمْ تَبَسَّمَ وَقَالَ: " لَعَلَّكُمْ سَمِعْتُمْ أَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ قَدِمَ وَقَدِمَ بِمَالٍ؟ " قَالُوا: أَجَلْ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: قَالَ: " أَبْشِرُوا وَأَمِّلُوا خَيْرًا، فَوَاللهِ مَا الْفَقْرُ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَلَكِنْ إِذَا صُبَّتْ عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا، فَتَنَافَسْتُمُوهَا كَمَا تَنَافَسَهَا مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ " (٣)
_________________
(١) = ظهر لي أن لفظة الأنصاري وهم، وقد تفرد بها شعيب عن الزهري، ورواه أصحاب الزهري كلهم عنه بدونها في "الصحيحين" وغيرهما، وهو معدود في أهل بدر باتفاقهم.
(٢) ضبب فوقها في (ظ١٣)، لكن السندي شرح عليها فقال: فوافق، أي: أبو عبيدة، وفي الكلام تقدير، أي: فحضرت الأنصار لذلك صلاة الصبح أيضًا. وفي (ق) و(م) وهامش (س): فوافوا. قلنا: وهو الموافق لرواية مسلم (٢٩٦١) (٦) . ورواية البخاري (٣١٥٨) فوافقت صلاة الصبح.
(٣) في (ق): تعرضوا له، وجاء في هامش (س) لفظ "له" نسخة. قلنا: وهو الموافق للرواية السالفة برقم (١٧٢٣٤) .
(٤) إسناده صحيح على شرط الشيخين. عبد الرزاق: هو ابن همام، ومعمر: هو ابن راشد، وهو مرسل صحابي، وقد صرح المسور في الرواية السالفة (١٨٩١٥) أنه سمعه من عمرو بن عوف الأنصاري. وأخرجه بنحوه عبد الله بن المبارك في "الزهد" (٥٠٢)، ومن=
[ ٣١ / ٢٣٣ ]
١٨٩١٧ - حَدَّثَنَا رَوْحٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ، أخْبَرَهُ قَالَ: وحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ يَعْنِي ابْنَ الطَّبَّاعِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مَالِكٌ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، أَنَّ سُبَيْعَةَ الْأَسْلَمِيَّةَ نُفِسَتْ بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا بِلَيَالٍ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ: " قَدْ حَلَلْتِ فَانْكِحِي " (١)
_________________
(١) = طريقه أخرجه البخاري (٤٠١٥)، والترمذي (٢٤٦٢)، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (٣٢١)، والطبراني في "الكبير" ١٧/ (٤٢) عن معمر، بهذا الإسناد. وعندهم- إلا في "الزهد"- قرن يونس بن يزيد الأيلي بمعمر. وانظر ما قبله. قال السندي: "أمِّلوا" من التأميل. "فتنافستموها"، أي: رغبتم فيها.
(٢) إسناده صحيح على شرط الشيخين. رجاله ثقات رجال الشيخين غير إسحاق- وهو ابن عيسى بن الطَّبَّاع- فمن رجال مسلم وقد توبع. روح: هو ابن عبادة، وعروة: هو ابن الزبير. وهو عند مالك في "الموطأ" ٢/٥٩٠، ومن طريقه أخرجه الشافعي في "المسند" (ترتيب السندي) ٢/٥٢-٥٣، وفي "الأم" ٥/٢٠٦، والبخاري (٥٣٢٠)، والنسائي في "المجتبى" ٦/١٩٠، وفي "الكبرى" (٥٦٩٩)، والبيهقي في "السنن" ٧/٤٢٨، والبغوي في "شرح السنة" (٢٣٨٧) بهذا الإسناد. وأخرجه بنحوه عبد الرزاق (١١٧٣٤) - ومن طريقه الطبراني ٢٠/ (٥) - من طريق ابن جريج، وابن أبي شيبة ٤/٢٩٧ من طريق عبدة، والنسائي في "المجتبى" ٦/١٩٠، وفي "الكبرى" (٥٧٠٠)، وابن ماجه (٢٠٢٩) من طريق عبد الله بن داود، وابن قانع في "معجمه" ٣/١١٠-١١١ من طريق زائدة، والطبراني في "الكبير" ٢٠/ (٦) (٧) (٨) من طريق حماد بن سلمة وابن أبي أويس وعبد الله بن مسلمة بن القعنبي، والبيهقي في "السنن" ٧/٤٢٨ من طريق جعفر=
[ ٣١ / ٢٣٤ ]
١٨٩١٨ - حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ أُسَامَةَ، أَخْبَرَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، أَنَّ سُبَيْعَةَ الْأَسْلَمِيَّةَ تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا وَهِيَ حَامِلٌ، فَلَمْ تَمْكُثْ إِلَّا لَيَالِيَ حَتَّى وَضَعَتْ، فَلَمَّا تَعَلَّتْ مِنْ نِفَاسِهَا خُطِبَتْ، فَاسْتَأْذَنَتِ النَّبِيَّ ﷺ فِي النِّكَاحِ، " فَأَذِنَ لَهَا أَنْ تَنْكِحَ " فَنَكَحَتْ، (١)
١٨٩١٩ - حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ، عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ قَالَ: وَضَعَتْ سُبَيْعَةُ فَذَكَرَ
_________________
(١) = ابن عون، ثمانيتهم عن هشام، به. ولم يقم إسناده أبو معاوية، فزاد في الإسناد عاصمًا كما سيرد (١٨٩١٩)، ولم يذكره في طريقين عنه كما سنبينه ثمت. وأخرجه الطبراني ٢٠/ (١١) من طريق أبي الزناد، عن عروة، به. نحوه. وسيرد بالأرقام: (١٨٩١٨) و(١٨٩١٩) . وقصة سُبَيْعة سلفت من حديث ابن مسعود برقم (٤٢٧٣) . ومن حديث أبي السنابل برقم (١٨٧١٣)، وسترد عن أم سلمة ١/٣١٦ -٣١٢، وعن سبيعة ٦/٤٣٢. قال السندي: نفست، على بناء المفعول، أي: ولدت، كذا ذكره السيوطي في حاشية النسائي. وقلت: أو على الفاعل بكسر الفاء، فإن الذي بمعنى الولادة جاء فيه وجهان، والذي بمعنى الحيض الأشهَر فيه بناء الفاعل. "فانكحي"، أي: إن شئت.
(٢) إسناده صحيح على شرط الشيخين. وهو مكرر ما قبله، غير أن شيخ أحمد هنا: هو حماد بن أسامة. قال السندي: قوله: فلما تعلَّت، بتشديد اللام: من تعلَّى إذا ارتفع أو بريء، أي: إذا ارتفعت وطهرت، أو خرجت من نفاسها وسلمت.
[ ٣١ / ٢٣٥ ]
الْحَدِيثَ (١)
١٨٩٢٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، وَمَرْوَانَ، قَالَا: " قَلَّدَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْهَدْيَ وَأَشْعَرَهُ بِذِي الْحُلَيْفَةِ، وَأَحْرَمَ مِنْهَا بِالْعُمْرَةِ، وَحَلَقَ بِالْحُدَيْبِيَةِ فِي عُمْرَتِهِ، وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ بِذَلِكَ، وَنَحَرَ بِالْحُدَيْبِيَةِ قَبْلَ أَنْ يَحْلِقَ، وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ بِذَلِكَ " (٢)
_________________
(١) حديث صحيح، وهذا إسناد لم يقمه أبو معاوية: وهو محمد بن خازم الضرير، فمرة زاد في الإسناد عاصم بن عمر بن الخطاب. كما في هذه الرواية، مخالفًا في ذلك الرواة عن هشام، ومرة لم يذكره كما سيأتي في التخريج. وأبو معاوية في غير حديث الأعمش مضطرب لا يحفظه حفظًا جيدًا فيما ذكر الإمام أحمد. فرواه بزيادة عاصم عثمانُ بن أبي شيبة عند أبي يعلى (٧١٨٠)، وابن حبان (٤٢٩٨)، وعلي بن الحسين عند الطبراني في "الكبير" ٢٠/ (١٠)، كلاهما عن أبي معاوية، به. وخالفهما معلى بن منصور عند ابن قانع في "معجمه" ٣/١١٠، وأسد بن موسى عند الطبراني ٢٠/ (٩) كلاهما عن أبي معاوية، عن هشام، عن أبيه، عن المسور، به. دون زيادة عاصم في الإسناد، وهو الموافق لرواية الجماعة عنه، والتي سلفت برقم (١٨٩١٧) (١٨٩١٨)، وهو الصواب.
(٢) إسناده صحيح على شرط الشيخين. وأخرجه البخاري مختصرًا (١٨١١) من طريق عبد الرزاق، بهذا الإسناد. وقد سلف برقم (١٨٩١٠) . وسيرد مطولًا (١٨٩٢٨) .
[ ٣١ / ٢٣٦ ]
١٨٩٢١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَوْفِ بْنِ الْحَارِثِ، وَهُوَ ابْنُ أَخِي عَائِشَةَ لِأُمِّهَا، أَنَّ عَائِشَةَ حَدَّثَتْهُ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ الزُّبَيْرِ قَالَ فِي بَيْعٍ أَوْ عَطَاءٍ أَعْطَتْهُ: وَاللهِ لَتَنْتَهِيَنَّ عَائِشَةُ أَوَ لَأَحْجُرَنَّ عَلَيْهَا، فَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: أَوَقَالَ: هَذَا قَالُوا: نَعَمْ، قَالَتْ: هُوَ لِلَّهِ عَلَيَّ نَذْرٌ، أَنْ لَا أُكَلِّمَ ابْنَ الزُّبَيْرِ كَلِمَةً أَبَدًا، فَاسْتَشْفَعَ عَبْدُ اللهِ بْنُ الزُّبَيْرِ الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ وَهُمَا مِنْ بَنِي زُهْرَةَ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ (١)، وَطَفِقَ الْمِسْوَرُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ يُنَاشِدَانِ عَائِشَةَ، إِلَّا كَلَّمَتْهُ وَقَبِلَتْ مِنْهُ، وَيَقُولَانِ لَهَا: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدْ نَهَى عَمَّا قَدْ عَلِمْتِ (٢) مِنَ الْهَجْرِ، " إِنَّهُ لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ " (٣)
_________________
(١) لفظ: فذكر الحديث، ليس في (ظ ١٣) .
(٢) في (م) عملت، وهو تحريف.
(٣) إسناده صحيح على شرط البخاري، عوف بن الحارث: هو ابن الطفيل، روى عنه جمع، وذكره ابن حبان في الثقات، وانتقى له البخاري هذا الحديث، وقد اختلف في اسمه فجاء في الرواية الآتية برقم (١٨٩٢٢) الطفيل ابن الحارث، وفي الرواية (١٨٩٢٣) عوف بن مالك بن طفيل. وقد نقل الحافظ في "الفتح" ١٠/٤٩٣ عن علي ابن المديني قوله: هكذا اختلفوا، والصواب عندي وهو المعروف عوف بن الحارث بن الطفيل، وقد صوبها البخاري في رواية أبي ذر عنه فيما ذكر الحافظ في "الفتح" ١٠/٤٩٣، وانظر كذلك ما قاله الحافظ في "التعجيل" ١/٦٨٧-٦٨٨، وبقية رجاله ثقات رجال الشيخين غير عبد الرحمن بن الأسود، فمن رجال البخاري، وهو تابعي كبير، فحديثه مرسل، لكنه توبع.=
[ ٣١ / ٢٣٧ ]
١٨٩٢٢ - حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنِ الطُّفَيْلِ بْنِ الْحَارِثِ، وَكَانَ رَجُلًا مِنْ أَزْدِ شَنُوءَةَ، وَكَانَ أَخًا لِعَائِشَةَ لِأُمِّهَا أُمِّ رُومَانَ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، فَاسْتَعَانَ عَلَيْهَا بِالْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ، فَاسْتَأْذَنَا عَلَيْهَا، فَأَذِنَتْ لَهُمَا، فَكَلَّمَاهَا وَنَاشَدَاهَا اللهَ وَالْقَرَابَةَ، وَقَوْلَ رَسُولِ اللهِ ﷺ: " لَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مُسْلِمٍ يَهْجُرَ (١) أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثٍ (٢) "، (٣)
_________________
(١) = وهو في "مصنف" عبد الرزاق (١٥٨٥١)، ومن طريقه أخرجه الطبراني في "الكبير" ٢٠/ (٢٤) . وأخرجه البخاري في "الأدب المفرد" (٣٩٧)، والطبراني ٢٠/ (٢٥) من طريق عبد الرحمن بن خالد بن مسافر، ويعقوب بن سفيان في "المعرفة والتاريخ" ١/٤٠٢- ومن طريقه الطبراني ٢٠/ (٢٧) - من طريق أبي منيع، كلاهما عن الزهري، به. وسيرد بالأرقام (١٨٩٢٢) و(١٨٩٢٣) . وفي الباب عن سَعْد بن أبي وقاص، سلف برقم (١٥١٩) وذكرنا هناك بقية أحاديث الباب، وانظر حديث ابن عمر السَّالف برقم (٥٣٥٧) . قال السندي: قوله: أعطته، أي: أعطت عائشة ذلك العطاء. وقبلتِ منه، بالخطاب، أي: قبلت منه ما يعطي لإسقاط النذر عن الذمة.
(٢) في (م): أن يهجر.
(٣) في (ق): ثلاث ليال.
(٤) حديث صحيح، الوليد بن مسلم مدلس ويسوي، ولم يصرح بالتحديث في جميع طبقات الإسناد، وقد خالف في روايته عن الأوزاعي، فقال: عن الطفيل بن الحارث، والصواب: عوف بن الحارث بن الطفيل، كما بينا ذلك في الرواية السالفة برقم (١٨٩٢١)، ورواه كذلك على الصواب من=
[ ٣١ / ٢٣٨ ]
١٨٩٢٣ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، حَدَّثَنِي عَوْفُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ طُّفَيْلِ، وَهُوَ ابْنُ أَخِي عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ لِأُمِّهَا، أَنَّ عَائِشَةَ حَدَّثَتْهُ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ (١)
١٨٩٢٤ - حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ مَرْوَانَ، وَالْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، يَزِيدُ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ، " خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ فِي بِضْعَ عَشْرَةَ مِائَةً مِنْ أَصْحَابِهِ، فَلَمَّا كَانَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ قَلَّدَ الْهَدْيَ، وَأَشْعَرَ، وَأَحْرَمَ مِنْهَا "، وَقَالَ سُفْيَانُ مَرَّةً: بِالْعُمْرَةِ (٢) وَلَمْ يُسَمِّ الْمِسْوَرَ، " وَبَعَثَ عَيْنًا لَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَسَارَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى إِذَا " (٣)
_________________
(١) = طريق الأوزاعي عبد الله بن كثير القاري فيما أخرجه الطبراني في "الكبير" ٢٠/ (٢٦) فقال: عن الأوزاعي، عن الزهري، عن عوف بن الحارث بن الطفيل، به. وقال: وكان أخًا لعائشة لأمها أم رومان، والصواب أنه ابن أخيها كما جاء مصرحًا به في الرواية السالفة (١٨٩٢١) .
(٢) إسناده صحيح على شرط البخاري على خطأ في اسم أحد رواته، فقد جاء في هذه الرواية: عوف بن مالك بن طفيل، والصواب عوف بن الحارث ابن الطفيل، كما بينا ذلك في الرواية السالفة برقم (١٨٩٢١)، وبقية رجاله ثقات رجال الشيخين، وهو موصول بالإسناد السالف برقم (١٨٩٢١) . أبو اليمان: هو الحكم بن نافع الحمصي، وشعيب: هو ابن أبي حمزة. وأخرجه البخاري (٦٠٧٣) و(٦٠٧٤) و(٦٠٧٥)، ويعقوب بن سفيان في "المعرفة والتاريخ" ١/٤٠٢ من طريق أبي اليمان، بهذا الإسناد.
(٣) في (م): من عمرة.
(٤) إسناده صحيح على شرط الشيخين، وهو مكرر (١٨٩٠٩) سندًا ومتنًا.
[ ٣١ / ٢٣٩ ]
١٨٩٢٥ - حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ يَعْنِي ابْنَ سَعْدٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ عِرَاكٍ، أَنَّهُ سَمِعَ مَرْوَانَ، بِالْمَوْسِمِ يَقُولُ: " إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَطَعَ فِي مِجَنٍّ، وَالْبَعِيرُ أَفْضَلُ مِنَ الْمِجَنِّ " (١)
١٨٩٢٦ - حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ يَعْنِي ابْنَ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُولُ: " إِنَّ بَنِي هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ اسْتَأْذَنُونِي فِي أَنْ يُنْكِحُوا ابْنَتَهُمْ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، فَلَا آذَنُ لَهُمْ "، ثُمَّ قَالَ: " لَا آذَنُ "، ثُمَّ قَالَ: " " لَا آذَنُ، فَإِنَّمَا ابْنَتِي بَضْعَةٌ مِنِّي يُرِيبُنِي مَا أَرَابَهَا وَيُؤْذِينِي مَا آذَاهَا " (٢)
_________________
(١) مرفوعه صحيح لغيره، وهذا إسناد مرسل، مروان- وهو ابن الحكم- لم تثبت له صحبة، وبقية رجاله ثقات رجال الشيخين غير عراك: وهو ابن مالك الغفاري، فمن رجال البخاري. وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٦/٢٧٣، وقال: رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح. وقوله: إن رسول الله ﷺ قطع في مجن. له شاهد من حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب بإسنادِ صحيح، سلف برقم (٤٥٠٣) . وانظر حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، السالف برقم (٦٦٨٧) . قال السندي: قوله: والبعير أفضل، أي: أكثر ثمنًا وأغلى.
(٢) إسناده صحيح على شرط الشيخين. هاشم بن القاسم: هو أبو النضر.=
[ ٣١ / ٢٤٠ ]
١٨٩٢٧ - حَدَّثَنَا هَاشِمٌ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ قَالَ: أُهْدِيَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ أَقْبِيَةٌ مُزَرَّرَةٌ بِالذَّهَبِ، فَقَسَمَهَا فِي أَصْحَابِهِ، فَقَالَ مَخْرَمَةُ: يَا مِسْوَرُ، اذْهَبْ بِنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَإِنَّهُ قَدْ ذُكِرَ لِي أَنَّهُ قَسَمَ أَقْبِيَةً، فَانْطَلَقْنَا، فَقَالَ: ادْخُلْ، فَادْعُهُ لِي، قَالَ: فَدَخَلْتُ فَدَعَوْتُهُ إِلَيْهِ، فَخَرَجَ إِلَيَّ وَعَلَيْهِ قَبَاءٌ مِنْهَا، قَالَ: " خَبَأْتُ لَكَ هَذَا يَا مَخْرَمَةُ "
_________________
(١) = وأخرجه البيهقي في "السنن" ١٠/٢٨٨-٢٨٩ من طريق هاشم بن القاسم، بهذا الإسناد. وأخرجه بتمامه ومختصرًا البخاري (٥٢٣٠) و(٥٢٧٨)، ومسلم (٢٤٤٩)، وأبو داود (٢٠٧١)، وابن ماجه (١٩٩٨)، والترمذي (٣٨٦٧)، والنسائي في "الكبرى" (٨٣٧٠)، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (٢٩٥٥)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (٤٩٨٣) و(٤٩٨٤) و(٤٩٨٥)، وابن حبان (٦٩٥٥)، وابن قانع في "معجم الصحابة" ٣/١١٠، والطبراني في "الكبير" ٢٢/ (١٠١٠)، وأبو نعيم في "الحلية" ٢/٤٠، والبيهقي ٧/٣٠٧ و٣٠٨، والبغوي في "شرح السنة" (٤٣٥٨) من طرق عن الليث، به، وزاد بعضهم: "إلا أن يريد ابن أبي طالب أن يُطَلَّقَ ابنتي، ويَنْكِحَ ابنتهم". وأخرجه مختصرًا وبتمامه البخاري (٣٧١٤) و(٣٧٦٧)، ومسلم (٢٤٤٩) (٩٤)، والنسائي في "الكبرى" (٨٣٧١)، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (٢٩٥٤)، والطبراني في "الكبير" ٢٢/ (١٠١٢)، والبيهقي ١٠/٢٠١-٢٠٢، والبغوي في "شرح السنة" (٣٩٥٧) من طريق عمرو بن دينار، عن ابن أبي مليكة، به. وأخرجه الطبراني ٢٢/ (١٠١١) من طريق ابن لهيعة، عن ابن أبي مليكة، به! وقد سلف (١٨٩١١) .
[ ٣١ / ٢٤١ ]
قَالَ: فَنَظَرَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: رَضِيَ، فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ (١)
_________________
(١) إسناده صحيح على شرط الشيخين. هاشم: هو ابن القاسم أبو النضر، وليث هو ابن سَعْد. وأخرجه ابن زنجويه في "الأموال" (٩٠٩)، والبخاري (٢٥٩٩) و(٥٨٠٠)، ومسلم (١٠٥٨) (١٢٩)، وأبو داود (٤٠٢٨)، والترمذي (٢٨١٨)، والنسائي في "المجتبى" ٨/٢٠٥، وفي "الكبرى" (٩٦٦٣)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (٣٠٤٤) و(٣٠٤٥) و(٣٠٤٦)، وابن حبان (٤٨١٧) و(٤٨١٨)، والبيهقي ٣/٢٧٣ من طرق عن الليث، بهذا الإسناد. وعلقه البخاري برقم (٥٨٦٢) في باب المزرَّر بالذهب بصيغة الجزم عن الليث، فقال: قال الليث. وقد وصله البخاري من طريق الليث كما سلف. وأخرجه البخاري (٢٦٥٧)، ومسلم (١٠٥٨) (١٣٠)، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (٦١٩)، وأبو يعلى (٧٢٢٠)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (٣٠٤٧)، والطبراني في "الأوسط" (٥٧٢٠) و(٧٥٥٣)، والحاكم ٣/٤٩٠ و٥٢٣ من طريق حاتم بن وردان، عن أيوب السختياني، عن ابن أبي مُليكة، به. وفيه: ومعه قباء وهو يريه محاسنه، وهو يقول: "خبأت هذا لك، خبأت هذا لك" وزاد أبو يعلى والطحاوي والطبراني قولَ صالح بنِ حاتم بن وردان: فقلتُ لأبي: من أيَّ شيء فعل هذا النبي ﷺ بمخرمة؟ فقال: كان يتقي لسانه. وأخرجه ابن زنجويه في "الأموال" (٩٠٨)، والبخاري (٣١٢٧)، والبيهقي ٣/٢٧٣ من طريق حماد بن زيد، والبخاري (٦١٣٢) من طريق إسماعيل ابن علَية، كلاهما عن أيوب السختياني، عن ابن أبي مليكة، مرسلًا. وفيه: أهديت للنبي ﷺ أقبية من ديباج مزررة بالذهب. وعند حماد: فتلقاه به واستقبله بأزراره، وقال أيضًا: "يا أبا المسور، خبأت هذا لك" وكررها. وقال إسماعيل: قال أيوب بثوبه أنه يُريه إياه، وكان في خُلُقه شيء. وقال البخاري في إثره: وقال حاتم بن وردان: حدثنا أيوب، عن ابن أبي=
[ ٣١ / ٢٤٢ ]
١٨٩٢٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، قَالَ الزُّهْرِيُّ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، وَمَرْوَانَ بَنِ الْحَكَمِ، يُصَدِّقُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَدِيثَ صَاحِبِهِ قَالَا: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ زَمَانَ الْحُدَيْبِيَةِ فِي بِضْعَ عَشْرَةَ مِائَةً مِنْ أَصْحَابِهِ، حَتَّى إِذَا كَانُوا بِذِي الْحُلَيْفَةِ، قَلَّدَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْهَدْيَ وَأَشْعَرَهُ، وَأَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ، وَبَعَثَ بَيْنَ يَدَيْهِ عَيْنًا لَهُ مِنْ خُزَاعَةَ يُخْبِرُهُ عَنْ قُرَيْشٍ، وَسَارَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى إِذَا كَانَ بِغَدِيرِ الْأَشْطَاطِ قَرِيبٌ مِنْ عُسْفَانَ، أَتَاهُ عَيْنُهُ الْخُزَاعِيُّ، فَقَالَ: إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ كَعْبَ بْنَ لُؤَيٍّ وَعَامِرَ بْنَ لُؤَيٍّ قَدْ جَمَعُوا لَكَ الْأَحَابِشَ، (١) - وَقَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ وَقَالَ: قَدْ جَمَعُوا لَكَ الْأَحَابِيشَ (٢) - وَجَمَعُوا لَكَ جُمُوعًا وَهُمْ مُقَاتِلُوكَ وَصَادُّوكَ عَنِ الْبَيْتِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "
_________________
(١) = مليكة، عن المسور بن المخرمة: قدمت على النبي ﷺ أقبية. تابعه الليث، عن ابن أبي مليكة. قال الحافظ في "الفتح" ١٠/٥٢٩: أراد بهذا التعليق بيان وصل الخبر، وأن رواية ابن علية وحماد وإن كانت صورتهما الإرسال، لكن الحديث في الأصل موصول. قال السندي: قوله: مزررة بالتشديد، اسم مفعول، أي: جعلت أزرارها من ذهب. إليَّ: كأنه نادى ورجع، ثم خرج هو ﷺ إلى الخارج حيث كان المسور.
(٢) في (ق)، وهامش (س): الأحابيش.
(٣) قوله: وقال يحيى بن سعيد، عن ابن المبارك، وقال: قد جمعوا لك الأحابيش. ساقط من (م) .
[ ٣١ / ٢٤٣ ]
أَشِيرُوا عَلَيَّ، أَتَرَوْنَ أَنْ نَمِيلَ إِلَى ذَرَارِيِّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَعَانُوهُمْ فَنُصِيبَهُمْ، فَإِنْ قَعَدُوا قَعَدُوا مَوْتُورِينَ مَحْرُوبِينَ، وَإِنْ نَجَوْا "، وَقَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ: عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ: " مَحْزُونِينَ، (١) وَإِنْ يَحْنُونَ (٢) تَكُنْ عُنُقًا قَطَعَهَا اللهُ، أَوْ تَرَوْنَ أَنْ نَؤُمَّ الْبَيْتَ، فَمَنْ صَدَّنَا عَنْهُ قَاتَلْنَاهُ "، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، يَا نَبِيَّ اللهِ، إِنَّمَا جِئْنَا مُعْتَمِرِينَ، وَلَمْ نَجِئْ نُقَاتِلُ أَحَدًا، وَلَكِنْ مَنْ حَالَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْبَيْتِ قَاتَلْنَاهُ. (٣) فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: " فَرُوحُوا إِذًا ". قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَقُولُ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا قَطُّ كَانَ أَكْثَرَ مَشُورَةً لِأَصْحَابِهِ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ. قَالَ الزُّهْرِيُّ: فِي حَدِيثِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، وَمَرْوَانَ: (٤) فَرَاحُوا حَتَّى إِذَا كَانُوا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: " إِنَّ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ بِالْغَمِيمِ فِي خَيْلٍ لِقُرَيْشٍ طَلِيعَةً، فَخُذُوا ذَاتَ الْيَمِينِ "، فَوَاللهِ مَا شَعَرَ بِهِمْ خَالِدٌ حَتَّى إِذَا هُوَ بِقَتَرَةِ الْجَيْشِ، فَانْطَلَقَ يَرْكُضُ
_________________
(١) في (ظ١٣) و(ق): محرومين. وضبطها السندي: بزاي معجمة ونون.
(٢) هكذا في النسخ الخطية و(م): يحنون، وفي نسخة السندي: يجيئون، وكذلك قرأها الحافظ في "الفتح" ٥/٣٣٤، وقال السندي: من المجيء، إلا أن الظاهر: يجيئونا، يدل عليه رواية البخاري: فإن يأتونا، فكأنه في القراءة كذلك إلا أنه سامَحَ بعضُ الكاتبين، فحذف الألف خطأ. قلنا: رواية البخاري التي أشار إليها هي برقم (٤١٧٨) و(٤١٧٩) .
(٣) في (س): قاتلنا، وقد ضرب على الهاء في (ص)، وضبب فوقها في (ظ١٣)، والمثبت من (ق) و(م) .
(٤) في (م): مروان بن الحكم.
[ ٣١ / ٢٤٤ ]
نَذِيرًا لِقُرَيْشٍ، وَسَارَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى إِذَا كَانَ بِالثَّنِيَّةِ الَّتِي يَهْبِطُ عَلَيْهِمْ مِنْهَا، بَرَكَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ، وَقَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ: بَرَكَتْ بِهَا رَاحِلَتُهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: " حَلْ حَلْ "، فَأَلَحَّتْ، فَقَالُوا: خَلَأَتِ الْقَصْوَاءُ خَلَأَتِ الْقَصْوَاءُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: " مَا خَلَأَتْ الْقَصْوَاءُ، وَمَا ذَاكَ لَهَا بِخُلُقٍ، وَلَكِنْ حَبَسَهَا حَابِسُ الْفِيلِ ". ثُمَّ قَالَ: " وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا يَسْأَلُونِي خُطَّةً يُعَظِّمُونَ فِيهَا حُرُمَاتِ اللهِ إِلَّا أَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا ". ثُمَّ زَجَرَهَا، فَوَثَبَتْ بِهِ، قَالَ: فَعَدَلَ عَنْهَا حَتَّى نَزَلَ بِأَقْصَى الْحُدَيْبِيَةِ عَلَى ثَمَدٍ قَلِيلِ الْمَاءِ، إِنَّمَا يَتَبَرَّضُهُ النَّاسُ تَبَرُّضًا، فَلَمْ يَلْبَثْهُ النَّاسُ أَنْ نَزَحُوهُ، فَشُكِيَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ الْعَطَشُ، فَانْتَزَعَ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِهِ، ثُمَّ أَمَرَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوهُ فِيهِ، قَالَ: فَوَاللهِ مَا زَالَ يَجِيشُ لَهُمْ بِالرِّيِّ حَتَّى صَدَرُوا عَنْهُ. قَالَ: فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ جَاءَ بُدَيْلُ بْنُ وَرْقَاءَ الْخُزَاعِيُّ فِي نَفَرٍ مِنْ قَوْمِهِ، وَكَانُوا عَيْبَةَ نُصْحٍ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، مِنْ أَهْلِ تِهَامَةَ، وَقَالَ: إِنِّي تَرَكْتُ كَعْبَ بْنَ لُؤَيٍّ وَعَامِرَ بْنَ لُؤَيٍّ نَزَلُوا أَعْدَادَ مِيَاهِ الْحُدَيْبِيَةِ، مَعَهُمُ الْعُوذُ الْمَطَافِيلُ، وَهُمْ مُقَاتِلُوكَ وَصَادُّوكَ عَنِ الْبَيْتِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: " إِنَّا لَمْ نَجِئْ لِقِتَالِ أَحَدٍ، وَلَكِنَّا جِئْنَا مُعْتَمِرِينَ، وَإِنَّ قُرَيْشًا قَدْ نَهَكَتْهُمُ الْحَرْبُ، فَأَضَرَّتْ بِهِمْ، فَإِنْ شَاءُوا مَادَدْتُهُمْ مُدَّةً وَيُخَلُّوا بَيْنِي وَبَيْنَ النَّاسِ، فَإِنْ أَظْهَرُ، فَإِنْ شَاءُوا أَنْ يَدْخُلُوا فِيمَا دَخَلَ فِيهِ النَّاسُ فَعَلُوا، وَإِلَّا فَقَدْ جَمَوْا،
[ ٣١ / ٢٤٥ ]
وَإِنْ هُمْ أَبَوْا، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَأُقَاتِلَنَّهُمْ عَلَى أَمْرِي هَذَا حَتَّى تَنْفَرِدَ سَالِفَتِي أَوْ لَيُنْفِذَنَّ اللهُ أَمْرَهُ "، قَالَ يَحْيَى، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ: " حَتَّى تَنْفَرِدَ "، قَالَ: " فَإِنْ شَاءُوا مَادَدْنَاهُمْ مُدَّةً ". قَالَ بُدَيْلٌ: سَأُبَلِّغُهُمْ مَا تَقُولُ. فَانْطَلَقَ حَتَّى أَتَى قُرَيْشًا فَقَالَ: إِنَّا قَدْ جِئْنَاكُمْ مِنْ عِنْدِ هَذَا الرَّجُلِ، وَسَمِعْنَاهُ يَقُولُ قَوْلًا، فَإِنْ شِئْتُمْ نَعْرِضُهُ عَلَيْكُمْ. فَقَالَ سُفَهَاؤُهُمْ: لَا حَاجَةَ لَنَا فِي أَنْ تُحَدِّثَنَا عَنْهُ بِشَيْءٍ، وَقَالَ ذُو الرَّأْيِ مِنْهُمْ: هَاتِ مَا سَمِعْتَهُ يَقُولُ. قَالَ: قَدْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ كَذَا وَكَذَا، فَحَدَّثَهُمْ بِمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ. فَقَامَ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ، فَقَالَ: أَيْ قَوْمُ، أَلَسْتُمْ بِالْوَالِدِ؟ قَالُوا: بَلَى. قَالَ: أَوَلَسْتُ بِالْوَلَدِ؟ قَالُوا: بَلَى. قَالَ: فَهَلْ تَتَّهِمُونِي؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ (١) أَنِّي اسْتَنْفَرْتُ أَهْلَ عُكَاظٍ، فَلَمَّا بَلَّحُوا عَلَيَّ جِئْتُكُمْ بِأَهْلِي، وَمَنْ أَطَاعَنِي؟ قَالُوا: بَلَى، فَقَالَ: إِنَّ هَذَا قَدْ عَرَضَ عَلَيْكُمْ خُطَّةَ رُشْدٍ، فَاقْبَلُوهَا، وَدَعُونِي آتِهِ. فَقَالُوا: ائْتِهِ، فَأَتَاهُ، قَالَ: فَجَعَلَ يُكَلِّمُ النَّبِيَّ ﷺ، فَقَالَ لَهُ نَحْوًا مِنْ قَوْلِهِ لِبُدَيْلٍ، فَقَالَ عُرْوَةُ عِنْدَ ذَلِكَ: أَيْ مُحَمَّدُ، أَرَأَيْتَ إِنْ اسْتَأْصَلْتَ قَوْمَكَ، هَلْ سَمِعْتَ بِأَحَدٍ مِنَ الْعَرَبِ اجْتَاحَ أَصْلَهُ قَبْلَكَ؟ وَإِنْ تَكُنِ الْأُخْرَى، فَوَاللهِ إِنِّي لَأَرَى وُجُوهًا، وَأَرَى أَوْبَاشًا مِنَ النَّاسِ خَلِيقًا (٢) أَنْ يَفِرُّوا وَيَدَعُوكَ. فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ
_________________
(١) في (ظ ١٣)، وهامش (ق): هل تعلمون.
(٢) في (ظ ١٣) وهامش (س): خلقاء.
[ ٣١ / ٢٤٦ ]
رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: امْصُصْ بَظْرَ اللَّاتِ، نَحْنُ نَفِرُّ عَنْهُ وَنَدَعُهُ؟ فَقَالَ: مَنْ ذَا؟ قَالُوا: أَبُو بَكْرٍ. قَالَ: أَمَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْلَا يَدٌ كَانَتْ لَكَ عِنْدِي لَمْ أَجْزِكَ بِهَا لَأَجَبْتُكَ. وَجَعَلَ يُكَلِّمُ النَّبِيَّ ﷺ، فَكُلَّمَا كَلَّمَهُ، أَخَذَ بِلِحْيَتِهِ، وَالْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِ النَّبِيِّ ﷺ، وَمَعَهُ السَّيْفُ وَعَلَيْهِ الْمِغْفَرُ، وَكُلَّمَا أَهْوَى عُرْوَةُ بِيَدِهِ إِلَى لِحْيَةِ النَّبِيِّ ﷺ ضَرَبَ يَدَهُ بِنَصْلِ (١) السَّيْفِ، وَقَالَ: أَخِّرْ يَدَكَ عَنْ لِحْيَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَرَفَعَ عُرْوَةُ رَأْسَهُ، فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ. قَالَ: أَيْ غُدَرُ، أَوَلَسْتُ أَسْعَى فِي غَدْرَتِكَ. وَكَانَ الْمُغِيرَةُ صَحِبَ قَوْمًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَقَتَلَهُمْ، وَأَخَذَ أَمْوَالَهُمْ، ثُمَّ جَاءَ، فَأَسْلَمَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: " أَمَّا الْإِسْلَامُ فَأَقْبَلُ، وَأَمَّا الْمَالُ، فَلَسْتُ مِنْهُ فِي شَيْءٍ ". ثُمَّ إِنَّ عُرْوَةَ جَعَلَ يَرْمُقُ النَّبِيَّ ﷺ بِعَيْنِهِ، قَالَ: فَوَاللهِ مَا تَنَخَّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ نُخَامَةً إِلَّا وَقَعَتْ فِي كَفِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ، فَدَلَكَ بِهَا وَجْهَهُ وَجِلْدَهُ، وَإِذَا أَمَرَهُمْ ابْتَدَرُوا أَمْرَهُ، وَإِذَا تَوَضَّأَ كَادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَى وَضُوئِهِ، وَإِذَا تَكَلَّمُوا، خَفَضُوا أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَهُ، وَمَا يُحِدُّونَ إِلَيْهِ النَّظَرَ تَعْظِيمًا لَهُ. فَرَجَعَ إِلَى أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: أَيْ قَوْمِ، وَاللهِ لَقَدْ وَفَدْتُ عَلَى الْمُلُوكِ، وَوَفَدْتُ عَلَى قَيْصَرَ وَكِسْرَى وَالنَّجَاشِيِّ، وَاللهِ إِنْ رَأَيْتُ مَلِكًا قَطُّ يُعَظِّمُهُ أَصْحَابُهُ مَا يُعَظِّمُ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ مُحَمَّدًا ﷺ،
_________________
(١) في (م): بنصل.
[ ٣١ / ٢٤٧ ]
وَاللهِ إِنْ يَتَنَخَّمُ نُخَامَةً، إِلَّا وَقَعَتْ فِي كَفَّ رَجُلٍ مِنْهُمْ، فَدَلَكَ بِهَا وَجْهَهُ وَجِلْدَهُ، وَإِذَا أَمَرَهُمْ ابْتَدَرُوا أَمْرَهُ، وَإِذَا تَوَضَّأَ كَادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَى وَضُوئِهِ، وَإِذَا تَكَلَّمُوا خَفَضُوا أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَهُ، وَمَا يُحِدُّونَ إِلَيْهِ النَّظَرَ تَعْظِيمًا لَهُ، وَإِنَّهُ قَدْ عَرَضَ عَلَيْكُمْ خُطَّةَ رُشْدٍ فَاقْبَلُوهَا. فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي كِنَانَةَ: دَعُونِي آتِيهِ، فَقَالُوا: ائْتِهِ. فَلَمَّا أَشْرَفَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: " هَذَا فُلَانٌ، وَهُوَ مِنْ قَوْمٍ يُعَظِّمُونَ الْبُدْنَ، فَابْعَثُوهَا لَهُ ". فَبُعِثَتْ لَهُ، وَاسْتَقْبَلَهُ الْقَوْمُ يُلَبُّونَ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ، قَالَ: " سُبْحَانَ اللهِ، مَا يَنْبَغِي لِهَؤُلَاءِ أَنْ يُصَدُّوا عَنِ الْبَيْتِ ". قَالَ: فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى أَصْحَابِهِ، قَالَ: رَأَيْتُ الْبُدْنَ قَدْ قُلِّدَتْ وَأُشْعِرَتْ، فَلَمْ أَرَ أَنْ يُصَدُّوا عَنِ الْبَيْتِ. فَقَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ مِكْرَزُ بْنُ حَفْصٍ، فَقَالَ: دَعُونِي آتِهِ. فَقَالُوا: ائْتِهِ. فَلَمَّا أَشْرَفَ عَلَيْهِمْ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: " هَذَا مِكْرَزٌ، وَهُوَ رَجُلٌ فَاجِرٌ ". فَجَعَلَ يُكَلِّمُ النَّبِيَّ ﷺ، فَبَيْنَا هُوَ يُكَلِّمُهُ، إِذْ جَاءَهُ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو. قَالَ مَعْمَرٌ (١): وَأَخْبَرَنِي أَيُّوبُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، أَنَّهُ لَمَّا جَاءَ سُهَيْلٌ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: " سَهُلَ (٢) مِنْ أَمْرِكُمْ " قَالَ الزُّهْرِيُّ فِي حَدِيثِهِ: فَجَاءَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، فَقَالَ: هَاتِ اكْتُبْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ كِتَابًا. فَدَعَا الْكَاتِبَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: " اكْتُبْ بِسْمِ اللهِ
_________________
(١) (١-١) ما بينهما ليس في (ظ ١٣) .
(٢) في (ظ ١٣) و(ق): سهل لكم.
[ ٣١ / ٢٤٨ ]
الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ " فَقَالَ سُهَيْلٌ: أَمَّا الرَّحْمَنُ، فَوَاللهِ مَا أَدْرِي مَا هُوَ، وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: مَا هُوَ، وَلَكِنْ اكْتُبْ بِاسْمِكَ اللهُمَّ كَمَا كُنْتَ تَكْتُبُ. فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: وَاللهِ مَا نَكْتُبُهَا إِلَّا بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: " اكْتُبْ بِاسْمِكَ اللهُمَّ "، ثُمَّ قَالَ: " هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ " فَقَالَ سُهَيْلٌ: وَاللهِ لَوْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللهِ، مَا صَدَدْنَاكَ عَنِ الْبَيْتِ وَلَا قَاتَلْنَاكَ، وَلَكِنْ اكْتُبْ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: " وَاللهِ إِنِّي لَرَسُولُ اللهِ وَإِنْ كَذَّبْتُمُونِي، اكْتُبْ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ " قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ: " لَا يَسْأَلُونِي خُطَّةً يُعَظِّمُونَ فِيهَا حُرُمَاتِ اللهِ إِلَّا أَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا ". فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: " عَلَى أَنْ تُخَلُّوا بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْبَيْتِ فَنَطُوفَ بِهِ " فَقَالَ سُهَيْلٌ: وَاللهِ لَا تَتَحَدَّثُ الْعَرَبُ أَنَّا أُخِذْنَا ضُغْطَةً، وَلَكِنْ لَكَ مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ. فَكَتَبَ، فَقَالَ سُهَيْلٌ: عَلَى أَنَّهُ لَا يَأْتِيكَ مِنَّا رَجُلٌ، وَإِنْ كَانَ عَلَى دِينِكَ، إِلَّا رَدَدْتَهُ إِلَيْنَا. فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: سُبْحَانَ اللهِ، كَيْفَ يُرَدُّ إِلَى الْمُشْرِكِينَ وَقَدْ جَاءَ مُسْلِمًا؟ فَبَيْنَا هُمْ كَذَلِكَ، إِذْ جَاءَ أَبُو جَنْدَلِ بْنُ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو يَرْسُفُ، وَقَالَ يَحْيَى عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ: يَرْصُفُ فِي قُيُودِهِ، وَقَدْ خَرَجَ مِنْ أَسْفَلِ مَكَّةَ حَتَّى رَمَى بِنَفْسِهِ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُسْلِمِينَ. فَقَالَ سُهَيْلٌ: هَذَا يَا مُحَمَّدُ، أَوَّلُ مَا أُقَاضِيكَ عَلَيْهِ أَنْ تَرُدَّهُ إِلَيَّ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: " إِنَّا لَمْ نَقْضِ الْكِتَابَ بَعْدُ " قَالَ: فَوَاللهِ إِذًا لَا نُصَالِحُكَ عَلَى شَيْءٍ
[ ٣١ / ٢٤٩ ]
أَبَدًا. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: " فَأَجِزْهُ لِي " قَالَ: مَا أَنَا بِمُجِيزُهُ لَكَ. قَالَ: " بَلَى، فَافْعَلْ " قَالَ: مَا أَنَا بِفَاعِلٍ. قَالَ مِكْرَزٌ: بَلَى قَدْ أَجَزْنَاهُ لَكَ. فَقَالَ أَبُو جَنْدَلٍ: أَيْ مَعَاشِرَ الْمُسْلِمِينَ، أُرَدُّ إِلَى الْمُشْرِكِينَ وَقَدْ جِئْتُ مُسْلِمًا، أَلَا تَرَوْنَ مَا قَدْ لَقِيتُ؟ وَكَانَ قَدْ عُذِّبَ عَذَابًا شَدِيدًا فِي اللهِ. فَقَالَ عُمَرُ ﵁: فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقُلْتُ: أَلَسْتَ نَبِيَّ اللهِ؟ قَالَ: " بَلَى " قُلْتُ: أَلَسْنَا عَلَى الْحَقِّ؟ وَعَدُوُّنَا عَلَى الْبَاطِلِ؟ قَالَ: " بَلَى " قَالَ: قُلْتُ: فَلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا إِذًا؟ قَالَ: " إِنِّي رَسُولُ اللهِ، وَلَسْتُ أَعْصِيهِ، وَهُوَ نَاصِرِي ". قُلْتُ: أَوَلَسْتَ كُنْتَ تُحَدِّثُنَا أَنَّا سَنَأْتِي الْبَيْتَ فَنَطُوفُ بِهِ؟ قَالَ: " بَلَى " قَالَ: " أَفَأَخْبَرْتُكَ أَنَّكَ تَأْتِيهِ الْعَامَ؟ " قُلْتُ: لَا. قَالَ: " فَإِنَّكَ آتِيهِ، وَمُتَطَوِّفٌ بِهِ "، قَالَ: فَأَتَيْتُ أَبَا بَكْرٍ ﵁، فَقُلْتُ: يَا أَبَا بَكْرٍ، أَلَيْسَ هَذَا نَبِيُّ اللهِ حَقًّا؟ قَالَ: بَلَى. قُلْتُ: أَلَسْنَا عَلَى الْحَقِّ وَعَدُوُّنَا عَلَى الْبَاطِلِ؟ قَالَ: بَلَى. قُلْتُ: فَلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا إِذًا؟ قَالَ: أَيُّهَا الرَّجُلُ، إِنَّهُ رَسُولُ اللهِ، وَلَنْ (١) يَعْصِي رَبَّهُ ﷿، وَهُوَ نَاصِرُهُ، فَاسْتَمْسِكْ بِغَرْزِهِ، وَقَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ: تَطَوَّفْ بِغَرْزِهِ حَتَّى تَمُوتَ، فَوَاللهِ إِنَّهُ لَعَلَى الْحَقِّ. قُلْتُ: أَوَلَيْسَ كَانَ يُحَدِّثُنَا أَنَّا سَنَأْتِي الْبَيْتَ وَنَطُوفُ بِهِ؟ قَالَ: بَلَى. قَالَ: أَفَأَخْبَرَكَ أَنَّهُ
_________________
(١) في (م): وليس.
[ ٣١ / ٢٥٠ ]
يَأْتِيهِ (١) الْعَامَ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: فَإِنَّكَ آتِيهِ، وَمُتَطَوِّفٌ بِهِ. قَالَ الزُّهْرِيُّ: قَالَ عُمَرُ: فَعَمِلْتُ لِذَلِكَ أَعْمَالًا. قَالَ: فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ قَضِيَّةِ الْكِتَابِ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِأَصْحَابِهِ: " قُومُوا، فَانْحَرُوا، ثُمَّ احْلِقُوا " قَالَ: فَوَاللهِ مَا قَامَ مِنْهُمْ رَجُلٌ، حَتَّى قَالَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَلَمَّا لَمْ يَقُمْ مِنْهُمْ أَحَدٌ، قَامَ، فَدَخَلَ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ، فَذَكَرَ لَهَا مَا لَقِيَ مِنَ النَّاسِ، فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَتُحِبُّ ذَلِكَ؟ اخْرُجْ، ثُمَّ لَا تُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ كَلِمَةً حَتَّى تَنْحَرَ بُدْنَكَ، وَتَدْعُوَ حَالِقَكَ، فَيَحْلِقَكَ. فَقَامَ، فَخَرَجَ، فَلَمْ يُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ: نَحَرَ هَدْيَهُ، وَدَعَا حَالِقَهُ. فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ قَامُوا، فَنَحَرُوا، وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَحْلِقُ بَعْضًا حَتَّى كَادَ بَعْضُهُمْ يَقْتُلُ بَعْضًا غَمًّا. ثُمَّ جَاءَهُ نِسْوَةٌ مُؤْمِنَاتٌ، فَأَنْزَلَ اللهُ ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ﴾ [الممتحنة: ١٠] حَتَّى بَلَغَ ﴿بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠]، قَالَ: فَطَلَّقَ عُمَرُ يَوْمَئِذٍ امْرَأَتَيْنِ كَانَتَا لَهُ فِي الشِّرْكِ، فَتَزَوَّجَ إِحْدَاهُمَا مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، وَالْأُخْرَى صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ. ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَجَاءَهُ أَبُو بَصِيرٍ، رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ، وَهُوَ مُسْلِمٌ، وَقَالَ يَحْيَى، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ: فَقَدِمَ عَلَيْهِ أَبُو بَصِيرِ بْنُ أُسَيْدٍ الثَّقَفِيُّ مُسْلِمًا مُهَاجِرًا، فَاسْتَأْجَرَ الْأَخْنَسَ بْنَ شَرِيقٍ
_________________
(١) في (ظ ١٣): أنك تأتيه.
[ ٣١ / ٢٥١ ]
رَجُلًا كَافِرًا مِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ وَمَوْلًى مَعَهُ، وَكَتَبَ مَعَهُمَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ يَسْأَلُهُ الْوَفَاءَ فَأَرْسَلُوا فِي طَلَبِهِ رَجُلَيْنِ، فَقَالُوا: الْعَهْدَ الَّذِي جَعَلْتَ لَنَا فِيهِ. فَدَفَعَهُ إِلَى الرَّجُلَيْنِ، فَخَرَجَا بِهِ حَتَّى بَلَغَا بِهِ ذَا الْحُلَيْفَةِ، فَنَزَلُوا يَأْكُلُونَ مِنْ تَمْرٍ لَهُمْ، فَقَالَ أَبُو بَصِيرٍ لِأَحَدِ الرَّجُلَيْنِ: وَاللهِ إِنِّي لَأَرَى سَيْفَكَ يَا فُلَانُ هَذَا جَيِّدًا. فَاسْتَلَّهُ الْآخَرُ، فَقَالَ: أَجَلْ وَاللهِ إِنَّهُ لَجَيِّدٌ، لَقَدْ جَرَّبْتُ بِهِ، ثُمَّ جَرَّبْتُ. فَقَالَ أَبُو بَصِيرٍ: أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْهِ. فَأَمْكَنَهُ مِنْهُ، فَضَرَبَهُ بِهِ حَتَّى بَرَدَ، وَفَرَّ الْآخَرُ حَتَّى أَتَى الْمَدِينَةَ، فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ يَعْدُو، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: " لَقَدْ رَأَى هَذَا ذُعْرًا ". فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: قُتِلَ وَاللهِ صَاحِبِي، وَإِنِّي لَمَقْتُولٌ. فَجَاءَ أَبُو بَصِيرٍ، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ، قَدْ وَاللهِ أَوْفَى اللهُ ذِمَّتَكَ قَدْ رَدَدْتَنِي إِلَيْهِمْ، ثُمَّ أَنْجَانِي اللهُ مِنْهُمْ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: " وَيْلُ أُمِّهِ مِسْعَرَ حَرْبٍ لَوْ كَانَ لَهُ أَحَدٌ ". فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ عَرَفَ أَنَّهُ سَيَرُدُّهُ إِلَيْهِمْ، فَخَرَجَ حَتَّى أَتَى سِيفَ الْبَحْرِ، قَالَ: وَيَنْفَلَّتُ (١) أَبُو جَنْدَلِ بْنُ سُهَيْلٍ، فَلَحِقَ بِأَبِي بَصِيرٍ، فَجَعَلَ لَا يَخْرُجُ مِنْ قُرَيْشٍ رَجُلٌ قَدْ أَسْلَمَ إِلَّا لَحِقَ بِأَبِي بَصِيرٍ حَتَّى اجْتَمَعَتْ مِنْهُمْ عِصَابَةٌ، قَالَ: فَوَاللهِ مَا يَسْمَعُونَ بِعِيرٍ خَرَجَتْ لِقُرَيْشٍ إِلَى الشَّامِ إِلَّا اعْتَرَضُوا لَهَا، فَقَتَلُوهُمْ، وَأَخَذُوا أَمْوَالَهُمْ. فَأَرْسَلَتْ قُرَيْشٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ تُنَاشِدُهُ اللهَ
_________________
(١) في (ص) و(م): يتفلت، وفي (ق): وانفلت.
[ ٣١ / ٢٥٢ ]
وَالرَّحِمَ لَمَّا أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ، فَمَنْ أَتَاهُ فَهُوَ آمِنٌ، فَأَرْسَلَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَيْهِمْ، فَأَنْزَلَ اللهُ ﷿: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ﴾ [الفتح: ٢٤] حَتَّى بَلَغَ: ﴿حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [الفتح: ٢٦]، وَكَانَتْ حَمِيَّتُهُمْ أَنَّهُمْ لَمْ يُقِرُّوا أَنَّهُ نَبِيُّ اللهِ، وَلَمْ يُقِرُّوا بِبِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَحَالُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ، (١)
_________________
(١) إسناده صحيح على شرط الشيخين إلا بعض فقرات منه ساقها بإسناد فيه انقطاع أو إرسال. كما سننبه عليها بعد التخريج. وطريق يحيى بن سعيد القطان، عن ابن المبارك الذي أشار إليه ضمن الحديث سيرد برقم (١٨٩٢٩) . وأخرجه البيهقي في "السنن" ٥/٢١٥ (مختصر) و٩/١٤٤ و٢١٨ من طريق الإمام أحمد، بهذا الإسناد. وهو في "المصنف" لعبد الرزاق (٩٧٢٠)، ومن طريقه أخرجه البخاري مختصرًا (٢٧٣١) و(٢٧٣٢)، وابن حبان (٤٨٧٢)، والطبراني في "الكبير" ٢/ (١٣)، والبيهقي ٧/١٧١ و١٠/١٠٩، وفي "الدلائل" ٤/٩٩-١٠٨، بهذا الإسناد. وأخرجه مختصرًا ومطولًا أبو داود (٢٧٦٥) و(٤٦٥٥)، والنسائي في "المجتبى" ٥/١٦٩، والطبري في "تفسيره" ٢٦/٩٧-١٠١، وفي "تاريخه" ٢/٦٢٠-٦٢٥ من طريق محمد بن ثور حدَثهم عن معمر، به. وأخرجه مختصرًا البخاري (٢٧١١) و(٢٧١٢) - ومن طريقه البغوي في "شرح "السنة" (٢٧٤٨)، وفي "التفسير" ٧/٧٧-٧٨- من طريق عقيل، والبخاري (٤١٨٠) و(٤١٨١)، والطبراني في "الكبير" ٢٠/ (١٥)، والبيهقي ٧/١٧٠ من طريق ابن أخي الزهري، كلاهما عن الزهري، عن عروة بن الزبير، أنه سمع المسور بن مخرمة ومروان يخبران عن أصحاب رسول الله - وقال: ابن أخي الزهري: من خبر رسول الله- فذكر الحديث بنحوه.=
[ ٣١ / ٢٥٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وقد سلف مختصرًا برقم (١٨٩٠٩)، ومطولًا من طريق ابن إسحاق برقم (١٨٩١٠). وقوله: قال الزهري: وكان أبو هريرة يقول: ما رأيت أحدًا قط أكثر مشورة لأصحابه من رسول الله ﷺ. قال الحافظ في "الفتح": مرسل، لأن الزهري لم يسمع من أبي هريرة. وقوله: قال معمر: وأخبرني أيوب عن عكرمة أنه لما جاء سهيل قال النبي ﷺ: "سَهُل من أمركم" قال الحافظ في "الفتح" ٥/ ٣٤٢: هو موصول بالإسناد الأول إلى معمر، وهو مرسل، ولم أقف على من وصله بذكر ابن عباس فيه، لكن له شاهد موصول عند ابن أبي شيبة من حديث سلمة بن الأكوع، قال: بعثت قريش سهيل بن عمرو وحويطب بن عبد العزى إلى النبي ﷺ ليصالحوه، فلما رأى النبي ﷺ سهيلًا، قال: "قد سهل لكم من أمركم" وللطبراني نحوه من حديث عبد الله بن السائب. قال السندي: قريبٍ، بالجر: بدل من الغدير ولفظ ابن حبان و"المصنف": قريبًا. "فإن قعدوا"، أي: مكانهم، وما جاؤوا إلينا بالقتال. "موتورين" بالتاء المثناة من فوق، أي: منفردين عن الأهل والمال. "محروبين" براء مهملة وبموحدة، أي: مسلوبين منهوبي الأموال والعيال. "تكن"، أي: الذراري. "عُنُقًا"، بضمتين، أي: جماعة. "أن نؤم"، أي: نقصد. يهبط عليهم، على بناء المفعول، ونائب الفاعل الجار والمجرور، والهبوط وإن كان لازمًا، إلا أنه تعدَى بحرف الجر. "حَلْ حَلْ" بفتح مهملة وسكون لام: كلمة تقال في زجر البعير. فعدل عنها، أي: مال عن الثنية، أو عن طرف مكة. على ثمد- بمثلثة وميم مفتوحتين- الماء القليل، والمراد ها هنا: البئر=
[ ٣١ / ٢٥٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = بعلاقة أنه محل له، فلذلك وصفه بقوله: قليل الماء. يتبرضه الناس، أي: يأخذون منه قليلًا قليلًا. فلم يلبثه: من التلبيث. الري، بكسر راءٍ، فتشديد ياء: خلاف العطش، والمراد، أي: بالماء الذي يرويهم. أعداد مياه الحديبية، جمع عِد بكسر العين: وهو الماء الذي لا انقطاع له كالبئر والعين. "نهكتهم" بكسر الهاء وفتحها: ضعفتهم. "ماددتُهم": صالحتهم. "فإن أظهر": من الظهور بمعنى الغلبة. "وإلا فقد جموا"، أي: وإن لم يريدوا الدخول فقد جموا- بالجيم- وتشديد الميم- أي: استراحوا وكثروا. "وإن هم أبوا": "إن" وصلية. "ولينفذن": من الإنفاذ بمعنى الإمضاء، أو من التنفيذ بمعناه. "استنفرت"، أي: طلب خروجهم لنصركم. بلحوا: بموحدة وتشديد لام وتخفيفيها وحاء مهملة، أي: تأخروا. استأصلت، أي: قطعتهم من الأصل. اجتاح، بتقديم الجيم على الحاء المهملة، أي: أهلك. وإن تكن الأخرى، أي: الغلبة للعدو. فوالله إلخ، أي: فذاك قريب إلى الوقوع. يرمُق، بضم الميم، أي: ينظر ويلحظ. ضُغْطة، بضم فسكون، أي: بشدة وضيق. يرسف، كينصر ويضرب، أي: يمشي مشي المقيَّد. قال مكرز: بلى قد أجزناه لك، أي: فلم يقبله سهيل. الدنية، بتشديد الباء وأصله بالهمزة، أي: الحالة الخسيسة. =
[ ٣١ / ٢٥٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = فعملت لذلك أعمالًا، أي: من أعمال البر لتكون كفارة لما جرى مني من الشدة في مقابلته ﷺ، وإن كانت تلك غيرة على الدِّين لا شكًا فيه كما سبق. ما قام منهم رجل، أي: رجاء أن يدخلوا مكة بسبب من الأسباب حيث رأوه ما نحر وحلق، وإلا فلم يقصدوا مخالفة الأمر. فأنزل الله تعالى: إما نسخًا لعموم الشرط، أو لأن عبارة الشرط كانت مخصوصة بالرجال غير متناولة للنساء. فجاءه، أي: النبي ﷺ. العهدَ، بالنصب، أي: اذكر أو راع، وفيه متعلق بهذا المقدر، أي راع ذاك العهد في أبي بصير. فدفعه، أي: فدفع النبي ﷺ أبا بصير جريًا على مقتضى: لك العهد الذي كان في الصلح. فاستله، أي: أخرجه من غمده. حتى برد، أي: مات، وهذا كناية، لأن البرودة لازمة للموت. يعدو: يسرع في المشي خوفًا من أن يلحقه أبو بصير فيقتله. ذعرا، بضم الذال المعجمة، أي: خوفًا. "ويل امه" كلمة تعجب. "مِسْعر حرب" بكسر ميم وسكون سين وفتح عين مهملة: هو ما يحرك به النار من آلة الحديد. قال الخطابي فيما نقله الحافظ في "الفتح" ٥/٣٥٠: كأنه يصفه بالإقدام في الحرب والتسعير لنارها. "لو كان له"، أي: لو كان لأبي بصير أحد يعينه على ذلك. سِيف البحر، بكسر السين المهملة وسكون المثناة من تحت، أي: ساحل. وينقلب، أي: انقلب وخرج من مكة، فهو مضارع موضع الماضي. منهم: من المؤمنين الذين خرجوا من مكة. عِصابة، بكسر العين: جماعة وصار الأمر بسبب ذلك منقلبًا على قريش. "لما"، أي: إلا، وكلمة "لما" هاهنا بمعنى "إلا" الاستثنائية.=
[ ٣١ / ٢٥٦ ]
١٨٩٢٩ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ، عُرْوَةَ، عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، وَمَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ فِي بِضْعَ عَشْرَةَ مِائَةً فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَمِنْ هَاهُنَا مُلْصَقٌ بِحَدِيثِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ: وَقَالَ أَبُو بَصِيرٍ لِلْعَامِرِيِّ وَمَعَهُ سَيْفُهُ، إِنِّي أَرَى سَيْفَكَ هَذَا يَا أَخَا بَنِي عَامِرٍ جَيِّدًا؟ قَالَ: نَعَمْ أَجَلْ، قَالَ: أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْهِ، قَالَ: فَأَنْطَاهُ إِيَّاهُ، فَاسْتَلَّهُ أَبُو بَصِيرٍ ثُمَّ ضَرَبَ الْعَامِرِيَّ حَتَّى قَتَلَهُ، وَفَرَّ الْمَوْلَى يَجْمِزُ قِبَلَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَدَخَلَ زَعَمُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ يَطِنُّ الْحَصَا مِنْ شِدَّةِ سَعْيِهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ رَآهُ: لَقَدْ رَأَى هَذَا ذُعْرًا، فَذَكَرَ نَحْوًا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، قَالَ: فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ، رَكِبَ نَفَرٌ مِنْهُمْ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالُوا: إِنَّهَا لَا تُغْنِي مُدَّتُكَ شَيْئًا، وَنَحْنُ نُقْتَلُ وَتُنْهَبُ (١) أَمْوَالُنَا، وَإِنَّا نَسْأَلُكَ أَنْ تُدْخِلَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَسْلَمُوا مِنَّا فِي صُلْحِكَ، وَتَمْنَعَهُمْ، وَتَحْجِزَ عَنَّا قِتَالَهُمْ، فَفَعَلَ ذَلِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَأَنْزَلَ اللهُ ﷿: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ﴾ [الفتح: ٢٤]، فَقَرَأَ حَتَّى بَلَغَ ﴿حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [الفتح: ٢٦] (٢)
_________________
(١) = آمن: من الرد إلى قريش.
(٢) في (ظ١٣) و(ق): وتنتهب.
(٣) إسناده صحيح على شرط الشيخين.
[ ٣١ / ٢٥٧ ]
١٨٩٣٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ الْمَكِّيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ، مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ أُمِّ بَكْرٍ، وَجَعْفَرٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ، عَنِ الْمِسْوَرِ قَالَ: بَعَثَ حَسَنُ بْنُ حَسَنٍ إِلَى الْمِسْوَرِ يَخْطُبُ بِنْتًا لَهُ قَالَ لَهُ: تُوَافِينِي فِي الْعَتَمَةِ، فَلَقِيَهُ، فَحَمِدَ اللهَ الْمِسْوَرُ، فَقَالَ: مَا مِنْ سَبَبٍ، وَلَا نَسَبٍ، وَلَا صِهْرٍ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَسَبِكُمْ، وَصِهْرِكُمْ، وَلَكِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " فَاطِمَةُ شُجْنَةٌ مِنِّي، يَبْسُطُنِي مَا بَسَطَهَا، وَيَقْبِضُنِي مَا قَبَضَهَا، وَإِنَّهُ يَنْقَطِعُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْأَنْسَابُ وَالْأَسْبَابُ (١)، إِلَّا نَسَبِي وَسَبَبِي "، وَتَحْتَكَ ابْنَتُهَا، وَلَوْ زَوَّجْتُكَ قَبَضَهَا ذَلِكَ. فَذَهَبَ عَاذِرًا لَهُ (٢)
_________________
(١) = وأخرجه النسائي في "المجتبى" ٥/١٦٩-١٧٠، والطبري في "تفسيره" ٢٦/١٠١، ٢٨/٧١، وفي "تاريخه" ٢/٦٢١ من طريق يحيى، بهذا الإسناد. وقد سلفت فقرات من هذه الرواية ضمن رواية عبد الرزاق، عن معمر برقم (١٨٩٢٨) . وانظر (١٨٩١٠) . قال السندي: قوله: "فأنطاه" أي: أعطاه. يجمز، كيضرب، بجيم وميم وزاي: يمشي سريعًا. يطن، كَيَفِر، من الطنين: وهو صوت الشيء الصلب.
(٢) لفظ "والأسباب" ليس في (ظ١٣) و(ص)، وهو نسخة في (س) .
(٣) حديث صحيح، دون قول: "وإنه تنقطع يوم القيامة الأنساب والأسباب إلا نسبي وسببي" فهو حسن بشواهده، وقد سلف الكلام عليه في الرواية السالفة برقم (١٨٩٠٧)، فانظره. قال السندي: قوله: "شجنة" بكسر الشين وضمها، وحكي فتحها وسكون الجيم: أصلها شعبة من غصن الشجرة، والمراد ها هنا أنها جزءٌ مني.
[ ٣١ / ٢٥٨ ]