الحمد الله أجزل الحمد وأوفاه، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، رب كل شيء وخالقه ومولاه، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، خيرته من خلقه، كرّمه ربه واجتباه، وأنعم عليه بالنبوة وهداه، وهدى به من الضلالة، وبصَّر من العمى، بلَّغ الرسالة، وبه ختمت الرسالات، فلا نبي بعده ولا رسول، وكان ما جاء به من الحق والهدى، ختما لكل الأديان، فلا يسع بشرا على وجه الأرض إلا الإيمان به، والانضواء تحت رايته ولوائه، صلوات ربي وسلامه عليه، فقد قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (١)، فهذا كتاب الله ينطق بالحق، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وقد رُوِيَ عن الخليفة الراشد على بن أبي طالب - ﵁ - أنه قال: أما أني قد سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «ألا إنها ستكون فتنة» فقلت: ما المخرج منها يا رسول الله؟، قال: «كتاب الله، فيه نبأ ما كان قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، وهو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، هو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا يشبع منه العلماء، ولا يخلق على كثرة الردّ، ولا تنقضي عجائبه، هو الذي لم تنتهي الجن إذ سمعته حتى قالوا: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾ (٢) من قال به صدق، ومن عمل به أُجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هُدي إلى صراط مستقيم» (٣).
وقد كرم الله عبده ورسوله نبينا محمد - ﷺ - بأن جعله لا ينطق عن الهوى، فقوله وفعله وتقريره حق وشرع متبع، منزل على الأحكام الخمسة، ولذلك قال - ﷺ -: «ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه، ألا يوشك رجل ينثني شبعانا على أريكته يقول: عليكم
_________________
(١) الآية (٣) من سورة المائدة.
(٢) الآيتان (١، ٢) من سورة الجن.
(٣) أخرجه الترمذي، وقال غريب، إسناده مجهول. قلت: لكن متنه لم يخالف العموم من الكتاب والسنة، وهو موافق للمعقول، وألفاظه جزلة وافية مقبولة، وقد تناقله العلماء.
[ ١ / ٤ ]
بالقرآن، فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه، ألا لا يحل لكم لحم الحمار الأهلي، ولا كل ذي ناب من السباع، ألا ولا لقطة من مال معاهد، إلا أن يستغني عنها صاحبها، ومن نزل بقوم فعليهم أن يقروه، فإن لم يقروه فلهم أن يُعْقِبُوه بمثل قِراهم» (١) وإذا كان الله تكفل بحفظ كتابه العزيز، فقال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (٢) فإن أعظم ما بذل فيه الجهد، واستنفرت له الهمم، وقضيت فيه الأوقات، خدمة كتاب الله العزيز، وسنة رسول الله البشير النذير - ﷺ -، أما الكتاب العزيز فجهود العلماء فيه ظاهرة معلومة، وهو محفوظ من الله - ﷿ -، وتحقق وعد الله - ﷿ -، إذ وعته العقول، واستوعبته الصدور، وفي وقت قريب من عهد رسول الله - ﷺ - دُوِّن في مصحف واحد بعناية واهتمام، فتحقق له الحفظ والصون والأمان، فلا ينال منه شيطان من إنس ولا جان.
أما سنة رسول الله - ﷺ - فقد تكفل الله - ﷿ - بحفظها إذ قيَّض لنبيه - ﷺ - رجالا اختارهم لصحبته - ﷺ -، فكانوا خيارا عدولا أمناء، حفظوا ما سمعوا من رسول الله - ﷺ -، وأدَّوه بحرص وأمانة، لكن بقيت السنة مُعَرَّضة بعدهم - ﵃ - للتزوير والتحوير، وهو أمر خطير وشر مستطير، حذر منه البشير النذير - ﷺ - فقال: «من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار» (٣) وهذه لفتة نبوية إلى أن الكذب عليه سيقع لا محالة، لذلك حذر منه أمته، فكان هذا الخبر منه - ﷺ - دافعا قويا لأمته من بعده لأخذ الحيطة والحذر في النقل عنه - ﷺ - فالحديث عنه شديد كما قال زيد بن أرقم - ﵁ - (٤)، وهكذا احتاط الأصحاب - ﵃ - لأنفسهم، يقول أنس بن مالك - ﵁ -: «لولا أني أخشى أن أخطئ لحدثتكم بأشياء سمعتها من رسول الله - ﷺ -، أو قالها رسول الله - ﷺ -» (٥) وشددوا في التثبت من النقلة عن رسول الله - ﷺ - فهذا أبو بكر - ﵁ - في قصة ميراث الجدة لم يقبل خبر المغيرة بن شعبة - ﵁ -، بل قال: هل معك غيرك؟ فقام محمد بن مسلمة الأنصاري - ﵁ - فشهد له (٦)، وهذا عمر بن الخطاب - ﵁ - يشدد على أبي موسى الأشعري - ﵁ - في نقله حديث الاستئذان ويقول: " تأتيني على ذلك ببينة - وفي
_________________
(١) رجال ثقات أخرجه أبو داود حديث (٤٦٠٤) وصححه الألباني.
(٢) الآية (٩) من سورة الحجر.
(٣) أخرجه البخاري حديث (١٠٧).
(٤) أخرجه ابن ماجه حديث (٢٥) وصححه الألباني.
(٥) البخاري حديث (١٠٨) ومسلم حديث (٢) وانظر: (اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان حديث ٢).
(٦) البخاري حديث (٢٨٩٤).
[ ١ / ٥ ]
رواية - لتقيمن عليه بينة " (١) ويقول في قصة طلاق فاطمة بنت قيس: "لا نترك كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة لا ندري أصدقت أم كذبت، حفظت أم نسيت" (٢)، ويزداد الموقف شدة بانقضاء الصدر الأول من الصحابة، فهذا حبر الأمة عبد الله بن عباس - ﵁ - لم يأذن لحديث بشير بن كعب العدوي إذ يقول: قال رسول الله - ﷺ -. فلما رآه لا ينظر إليه ولا يستمع لحديثه قال: يا ابن عباس مالي أراك لا تسمع لحديثي؟ أحدثك عن رسول الله - ﷺ - ولا تسمع؟ . فقال ابن عباس - ﵁ -: "إنا كنا مرة إذا سمعنا رجلا يقول: قال رسول الله - ﷺ - ابتدرته أبصارنا وأصغينا إليه بآذاننا، فلما ركب الناس الصعب والذلول لم نأخذ من الناس إلا ما نعرفه" (٣)، هكذا مرّ عهد أصحاب رسول الله - ﵃ - بين حيطة وتوثُّق من صحة النقل، فلما ظهرت الفتنة برز التفتيش عن أحوال الرجال وما هم عليه من الصفات، يقول ابن سيرين ﵀: " لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدعة فلا يؤخذ حديثهم" (٤)، وكذلك تكلم في هذا الباب جمع من التابعين منهم: الحسن البصري، وسعيد بن المسيب، وعامر الشعبي، والإمام مالك وغيرهم، ومن هنا أصبح الإسناد أمرا لا مفرّ منه في الرواية، وما ليسله إسناد كمن لا نسبله، ومن أهمية الإسناد نشأت الرحلة إلى الأمصار، بحثا عن التوثق والعلو في الإسناد، واعتبر الأئمة ذلك من الدين، إذ ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، كما هو معلوم في علم الأصول، يقول ابن سيرين ﵀: "إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم" (٥).
ومن هنا نعلم أن الخطوط العريضة لنقد الأسانيد والمتون برزت الحاجة إليها مبكرة في عهد الأصحاب - ﵃ -، كما هو واضح مما تقدم ذكره، وهكذا نما الاعتناء بهذا الجانب العظيم، في مراحل تاريخية متفاوتة وهي أربع مراحل:
١ - عهد الأصحاب - ﵃ - وما أبدوا فيه من خطوط عريضة لقواعد الحيطة والتثبت في النقل عن رسول الله - ﷺ -، وتعتبر هذه المرحلة من بداية القرن الأول إلى نهايته، غير أنه لم يدون شيء
_________________
(١) البخاري حديث (٧٣٥٣) ..
(٢) أخرجه مسلم حديث (١٤٨٠).
(٣) أخرجه الإمام مسلم في مقدمة الصحيح حديث (٧).
(٤) ذكره الإمام مسلم في مقدمة الصحيح (١/ ١٥) باب (٥).
(٥) أخرجه مسلم في مقدمة الصحيح (١/ ١٤) باب (٥).
[ ١ / ٦ ]
كبير في هذا الصدد، سوى ما كان من كتابة عبد الله بن عمر وغيره، فهذا القرن خير القرون، كان فيه الحذر والتشدد في النقل عن رسول الله تدينا، فلا سبيل لتهمة الكذب، بل كان الخوف من الخطأ والنسيان، وجرى الحرص على صحة المنقول وثبوته.
٢ - عهد كبار التابعين ﵏ وهو فترة نشط فيها الاهتمام بالإسناد، والتعرف على أحوال الرجال، وقد تقدم قول ابن سيرين ﵀: لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدعة فلا يؤخذ حديثهم، وقد تبع هذا القول اتجاهان متضادان في شأن التدوين للسنة وما يتعلق بها من آراء شخصية: فالصدر الأول من التابعين تأثروا بمنهج الأصحاب في عدم الرضى عن كتابة ما سوى القرآن الكريم (١)، وآخرون من التابعين منهم: سعيد بن جبير، وكان يقول: كنت أسير بين ابن عمر وابن عباس، فكنت أسمع الحديث منهما، فأكتبه على واسطة الرحل حتى أنزل فأكتبه (٢)، وسعيد بن المسيب رخص لعبد الرحمن بن حرملة في الكتابة حين شكا إليه سوء الحفظ (٣)، والشعبي كان يقول: " الكتابة قيد العلم، إذا سمعتم مني شيئا فاكتبوه ولو في حائط " ووجدله بعد موته كتاب في الفرائض والجراحات (٤)، فهؤلاء وغيرهم من التابعين رأوا ضرورة تقييد العلم واعتمدوا قول من سمح به من الأصحاب آخرا، منهم أبو بكر وعمر وعلي - ﵃ - (٥)، وعللوا الكراهة بأن لا يضاهى بكتاب الله تعالى غيره، أو يشتغل عنه بسواه (٦)، وقصة الخليفة عمر بن عبد العزيز ﵀ في الأمر بتدوين العلم مشهورة معلومة، ولا شك أنه استأنس برأي العلماء، وكان أول من حققله هذه الغاية الإمام الزهري ﵀، وكان يفخر بذلك ويقول: لم يدون هذا العلم أحد قبل تدويني (٧)، وإن وجد للزهري من القول ما يُضاد هذا مثل قوله: " لولا
_________________
(١) انظر: تذكرة الحفاظ (١/ ٥) تقييد العلم (٥٠) وجامع بيان العلم ١/ ٦٤).
(٢) تقييد العلم (١٠٣) وجامع بيان العلم وفضله (١/ ٧٢).
(٣) تقييد العلم ٩٩، وجامع بيان العلم وفضله ١/ ٧٣.
(٤) المحدث الفاصل رقم ٣٥٠، وتقييد ص ٩٩.
(٥) انظر (المحدث الفصل ص ٣٦٣ - ٤٠٠، والمستدرك (١/ ١٠٦) وجامع بيان العلم وفضله (١/ ٧٢) وتقييد العلم (٩٠).
(٦) تقييد العلم (٥٧) ..
(٧) الرسالة المستطرفة (٤).
[ ١ / ٧ ]
أحاديث تأتينا من قبل المشرق، ننكرها لا نعرفها، ما كتبت حديثا ولا أذنت في كتابته " (١)، فهذا يؤكد أن مبادرة الخليفة عمر بن عبد العزيز إلى الأمر بكتابة السنة وتدوين ما تفرق بصورة أوسع مما كان في بعض الصحف (٢)، وموافقة العلماء من أمثال الإمام الزهري على رأيه كان خوفا من دروس (٣) العلم وذهاب أهله، وأن يدخل في سنة رسول الله - ﷺ - ما ليس منها، وهو ما تنبهله الزهري من تلك الأحاديث الآتية من قبل المشرق، ونجزم أن بداية جِدية التفكير في تدوين السنة وتصنيف علومها كانت في عهد التابعين من أيام الزهري وأقرانه، لكنها بالنسبة لقواعد علوم الحديث لم تتجاوز نقل أقوال مبثوثة (٤)، أُثرت عن الأصحاب والأئمة من التابعين، وهي لا تمثل مادة علمية كاملة لقواعد مصطلح الحديث، سوى أنها فتحت الباب على مصراعيه للبحث والنظر في هذا الموضوع الخطير.
٣ - مرحلة بداية التدوين: هذه المرحلة تقدر بما يقارب (١٥٠) سنة من بداية القرن الثالث إلى منتصف الرابع تميزت هذه الفترة عن سابقتها بإبراز بعض قواعد علوم الحديث في مصنفات مستقلة، مثل كتاب العلل لابن المديني، ومعظم المادة العلمية في هذه المرحلة إما قواعد مستقلة في كتب متفرقة، كما في الرسالة والأم للإمام الشافعي، أو مبثوثة في مصنفات الحديث على اختلاف طرائقها في التصنيف، كما في مصنفات الإمام البخاري، ومقدمة صحيح مسلم، وما كتبه الترمذي من العلل، وما نقل عن الإمام أحمد، وعن أبي داود وغيرهم، يقول الإمام مسلم رحمة الله علينا وعليه: وإنما ألزموا أنفسهم الكشف عن معايب رواة الحديث وناقلي الأخبار، وأفتوا بذلك حين سئلوا، لما فيه من عظيم الخطر، إذ الأخبار بأمر الدين إنما تأتي بالتحليل أو
_________________
(١) المحدث الفصل رقم (٣٤٦) وتقييد العلم (١٠٨).
(٢) بدأت كتابة الحديث في عهد رسول الله - ﷺ - دون شك، فهذا أبو هريرة - ﵁ - يقول: " ما من أصحاب النبي أحد أكثر حديثا عنه مني، إلا ما كان من عبد الله بن عمر، فإنه كان يكتب ولا أكتب " أخرجه البخاري حديث (١١٣) وليس بخافٍ على أهل العلم أمر الصحف المكتوبة في عهده - ﷺ -، كصحيفة أبي بكر، وعلي له صحيفة، وصحيفة عمرو بن العاص وغيرهم - ﵃ -، وقد صنف الحافظ الخطيب البغدادي كتابه (تقييد العلم) استوعب فيه كافة الروايات المانعة والمجيزة، وذكر الجمع بينها بعدة أوجه، ويترجح الجواز على المنع لقوة أدلته (بين هذا الأخ الزميل أ. د محمد بن مطر الزهراني ﵀ في كتابه (تدوين السنة ٠٦٥ - ٨٦).
(٣) أي يضيع ويمحى. أنظر (لسان العرب ٦/ ٧٩) ..
(٤) انظر (صحيح البخاريكتاب العلم، باب (٣٤).
[ ١ / ٨ ]
التحريم، أو أمر أو نهي، أو ترغيب أو ترهيب، فإذا كان الراوي لها ليس بمعدن للصدق والأمانة، ثم أقدم على الرواية عنه من قد عرفه، ولم يبين ما فيه لغيره ممن جهل معرفته، كان آثما بفعله ذلك، غاشا لعوام المسلمين، إذ لا يؤمن على بعض من سمع تلك الأخبار أن يستعملها، أو يستعمل بعضها (١)
٤ - مرحلة النضج والاستواء، هذه المرحلة كدَّ العلماء فيها أذهانهم، فأنتجوا علم مصطلح الحديث، وجعلوه علما قائما بذاته، يرتكز على منهج دقيق منضبط، دونت فيه قواعد مصطلح الحديث في مصنفات مستقلة، بعضها لم يستوعب، لكنه حصل بالتكامل بينها، فأصبح الباحث يجد مطلبه في أي باب من أبواب هذا العلم الجليل، وكان أول من دون قواعد هذا العلم القاضي أبو محمد الحسن بن عبد الرحمن بن خلاد الرامهرمزي ﵀ (٢)، في كتابه " المحدث الفاصل بين الراوي والواعي" أجاد ولم يستوعب، وتلاه أبو عبدالله الحاكم بكتابه " معرفة علوم الحديث " تعقبه أبو نعيم في كتابه " المستخرج على كتاب الحاكم " ثم الخطيب البغدادي في كتبه الكثيرة (٣)، وقد أفرد كل فن من فنون الحديث بمؤلف في الغالب، ومن هنا كان كل من جاء بعده من العلماء في هذا العلم عالة على مصنفات الخطيب، ولم ينشط البحث عن الفوائد والنكت في هذا العلم إلا بعد أن أخرج أبو عمرو بن الصلاح كتابه المشهور بمقدمة ابن الصلاح، فإنه اعتنى بمؤلفات من سبقه فجمع شتات مقاصدها، وأضاف إليها من الفوائد الكثيرة ما جعل كتابه بحق أحسن ما كتب في هذا العلم، فاق من سبقه وبقي من بعده مشتغلا بكتابه هذا، ما بين دارس ومدرس وشارح (٤)
_________________
(١) بعض قوله رحمة الله علينا وعليه في مقدمة الصحيح (١/ ٢٨).
(٢) طلب العلم وهو حدث، وساد أصحاب الحديث، وكتابه المذكور ينبئ بإمامته، وكان أحد الأثبات، عاش إلى قريب الستين وثلاثمائة من الهجرة (السير ١٦/ ٧٣)
(٣) منها الكفاية في معرفة الرواية، والسابق واللاحق، المكمل في بيان المهمل، غنية المقتبس في تمييز الملتبس، قال الذهبي: للخطيب ستة وخمسون مؤلفا، زاد عليها في التذكرة (٣/ ١١٣٩) وذكر أن ابن النجار زاد على ذلك في معجمه (السير ١٨/ ٢٨٩) وذكر ابن خلكان أنه صنف قريبا من مائة مصنف، أحصاها يوسف العش فبلغت واحدا وسبعين (الخطيب البغدادي ص ١٢٠) وشيخنا أكرم العمري بلغت في حصره ستة وثمانين مصنفا (موارد الخطيبص ٥٥) ..
(٤) مثل عمل زين الدين العراقي في كتابه التقييد والإيضاح، وبعده السيوطي في كتابه تدريب الراوي، فإنه كثيرا ما يكمل عبارة ابن الصلاح وهو الكتاب الذي وضعه على تقريب النووي.
[ ١ / ٩ ]
وناظم ومنكت (١) ومختصر قال الحافظ ابن حجر: فكم من ناظمله (٢) ومختصر (٣) ومستدرك عليه ومعارضله (٤) ومنتصر (٥) ونرى أن مراحل التدوين والتدقيق والتحقيق أربع أيضا:
الأولى: بدأت بكتاب الرامهرمزي، فقد حاز السبق في تدوين أبواب من هذا العلم.
الثانية: بدأت بمؤلفات الخطيب البغدادي، فكل من جاء بعده صار عالة على مصنفاته في هذا العلم.
الثالثة: بدأت بكتابة أبي عمرو بن الصلاح، فقد لاقى قبولا كبيرا عند العلماء، فتنافسوا في الاشتغال به على ما تقدم بيانه.
الرابعة: بدأت بكتابة ابن حجر، فقد استفاد منها من أتى بعده من العلماء، فإنه دقيق الملاحظة واسع العلم حسن التنظيم، اشتغل العلماء بمؤلفه النفيس: نخبة الفِكَر، فمنهم الشارحله والناظم، ولا أنفس من شرحه هو لها المسمى: نزهة النظر، وصدق الحافظ العراقي رحمة الله علينا وعليه إذ قال: وبعد فعلم الحديث خطير وضعه، كثير نفعه، وبه يعرف الحلال والحرام، ولأهله اصطلاح لا بد للطالب منفهمه (٦) وهذا كله ينضوي تحت قول نبينا محمد - ﷺ -: «نَضَّر الله امرءا سمع منا حديثا، فحفظه فبلغه غيره، فرب حامل فقه ليس بفقيه» (٧) وكفاهم هذا الدعاء شرفا، بوأهم الله من الجنة غرفا، ولقّاهم الفوز العظيم، قال رسول الله - ﷺ -: «بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن
_________________
(١) منهم بدر الدين محمد بن عبد الله الزركشي، وابن حجر.
(٢) منهم زين الدين عبد الرحيم بن الحسين العراقي، نظم فيه ألفيته المشهورة، وزاد عليه فوائد لا يستغني عنها طالب العلم، أشار إلى هذا فقال: لخصت فيها ابن الصلاح أجمعه وزدتها علما تراه موضعه
(٣) منهم ابن دقيق العيد، ومن بعده الذهبي، وفاقهما الحافظ ابن حجر في كتابه نخبة الفِكَر مختصر لكنه الأجود تدقيقا وتحقيقا.
(٤) منهم ابن حجر نفسه لم يناسبه ترتيب ابن الصلاح فقال: لم يحصل ترتيبه على الوضع المناسب (نزهة النظر ص ١٧) وانظر (توجيه النظر ١/ ٣٦٤).
(٥) نزهة النظرص ١٧.
(٦) التبصرة والتذكرة ٢ - ٣.
(٧) أخرجه أبو داود حديث (٣٦٦٠) والنسائي في الكبرى حديث (٥٨٤٧) والترمذي حديث (٢٦٥٦) وقال: حديث حسن.
[ ١ / ١٠ ]
بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب علي متعمدا، فليتبوأ مقعده من النار» (١) ومعلومة خطبة رسول الله - ﷺ - في حجة الوداع وفيها «ألا ليبلغ الشاهد الغائب، فرب مبلغ أوعى من سامع» اتفقا عليه في الصحيحين (٢)، فالمبلغون هم الذين جعلهم الله أركان هذه الشريعة، النقية الزاهرة والحجة الباهرة، وهدم بهم كل بدعة شنيعة، لولاهم لكانت ظاهرة، وكل فئة تتحيز إلى هوى ترجع إليه، فهي تتحيز رأيا تعكف عليه، سوى أصحاب الحديث فإن الكتاب هديهم، والسنة حجتهم، والنبي - ﷺ - فيؤهم وإليه نسبتهم، فهم الجمهور العظيم، وسبيلهم الصراط المستقيم، وهم الذين لا يزالون على الحق ظاهرين، ولمن عاداهم وناوأهم قاهرين، قال رسول الله - ﷺ -: «لا تزال طائفة من أمتي إلى الحق، ظاهرين إلى يوم القيامة».
قال الإمام البخاري ﵀: يعني أهل الحديث (٣) وكلام الأئمة كثير في الترغيب في نقل ما ثبت عن رسول الله - ﷺ -، وفي التحذير من الكذب عليه، فإن الكذب عليه مهلكة قال - ﷺ -: «من كذب علي متعمدا، فليتبوأ مقعده من النار» إذا فالإسناد من أهم ما يعتني به طالب العلم، وهو من الدين ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء، ومثل الذي يطلب أمر دينه بلا إسناد كمثل الذي يرتقي السطح بلا سلم، ومن أراد الذب عن سنة رسول الله فسلاحه الإسناد، وطلب الإسناد العالي سنة صحيحة (٤)، روى أنس - ﵁ - حديث الأعرابي " يا محمد أتانا رسولك فزعم " (٥) فقد طلب الأعرابي العلو وتجاوز الشخص الذي أخبره إلى رسول الله - ﷺ - وسأله، وقد ناله من مشقة السفر إلى رسول الله - ﷺ - ما ناله، قال العراقي: ولو كان طلب العلو في الإسناد غير مستحب لأنكر عليه سؤاله عما أخبر به رسوله، لأمره بالاقتصار على ما أخبره الرسول عنه (٦)، ومن هنا نشيد
_________________
(١) أخرجه البخاري حديث (٣٤٦١).
(٢) انظر صدر الحديث وباقيه في الصحيح (٢/ ١٩١، ١/ ٢٤، ٧/ ١٨٥، ٨/ ٩١) وفي صحيح مسلم (٣/ ١٣٠٧) وكلها من طريق ابن سيرين ..
(٣) حديث (٧٣١١) قال الحافظ ابن حجر: قوله: وهم أهل العلم، هو من كلام المصنف - يعني البخاري - وأخرج الترمذي حديث الباب ثم قال: سمعت محمد بن إسماعيل - البخاري - يقول: سمعت علي بن المديني يقول: هم أصحاب الحديث (فتح الباري ١٧/ ١٢٤) وانظر: سنن الترمذي حديث (٢١٩٢).
(٤) انظر (فتح الباقي والتبصرة ٢/ ٢٥١ - ٢٥٢).
(٥) هو حديث نضلة بن عمرو الغفاري أخرجه بهذا اللفظ مسلم حديث (١٠ - ١٢) وعند البخاري " إني سائلك فمشدد عليك " حديث (٦٣).
(٦) التبصرة ٢/ ٢٥٢ ..
[ ١ / ١١ ]
بالإمام الدارمي ﵀، فما هو إلا واحد من أولئك الأفذاذ الذين خدموا السنة وذبوا عنها بالتحقق من المتن والإسناد، وستقف في ترجمته على مكانته ومكانة مسنده هذا، نسأل الله لنا وله ولكل من آمن بمحمد - ﷺ -، وخدم سنته النضارة في الدنيا والآخرة، في مقعد صدق عند مليك مقتدر.
[ ١ / ١٢ ]