[ ١ / ١٩٦ ]
٥٥٣- (أخبرنا): ابن أبي فُدَيْك، عن ابن أبي ذِئْب، عن المَقْبَرِي، عن عبدِ الرحمنِ ابنِ أبي سَعيد الْخُدري، عن أبي سَعيد قالَ:
-حُبِسْنَا يَوْمَ الخَنْدَقِ عن الصلاة حتى كان بَعْدَ المغربِ بِهَوِيّ (الهوى بفتح فكسر: الحين الطويل من الزمان وقيل أنه مختص بالليل ولذا قال بعضهم: هو الساعة الممتدة من الليل وقوله حبسنا عنالصلاة أي منعنا منها لإشتغالنا بحرب الأعداء ولم تكن صلاة الخوف قد شرعت بعد) من الليل حتى كُفينَا وذلكَ قولُ اللَّه عزوجل: (وكَفَى اللَّهُ المؤمنين القِتال وكان اللَّهُ قويًا عزيزًا) فَدَعَا رسولُ اللَّه ﷺ بِلاَلًا فأمَرَهُ فأقامَ الظُّهْر فصلاها فأحْسَنَ صَلاَتَهَا كما كان ⦗١٩٧⦘ يُصَلّيها في وقتها ثم أقام العصر فصلاها كذلك ثم أقام المغْرِبَ فَصَلاَّها كذلك ثم أقام العِشاء فَصَلاَّها أيضًا قال: وذلك قَبْلَ أن يَنْزِلَ في صلاة الخَوْفِ فَرِجَالًا أو رُكْبانًا (يؤخذ من هذا الحديث أمور: الأول وجوب قضاء الفائتة ويجب أن تقضى على الفور إذا تركها بغير عذروهذا هو الأصح ويقل لا يجب على الفور وأما إن تركها بعذر فيستحب قضاؤها فورًا ويجوز التأخير على الصحيح وشذ بعض الظاهرية فقال بعدم قضاء الفائتة إذا تركت بغير عذر لأن هذا الذنب أكبر من أن يتدارك بقضاء ما فات والثاني: أن الفوائت تقضى مرتبة فإنه ﷺ قضى الظهر فالعصر فالمغرب فالعشاء وهذا مستحب عند الشافعي حتى لو صلاها غير مرتبة صح وكان تاركا للأفضل والثالث أن كل فائتة يسبقها الإقامة دون الأذان بقوله أمر بلال فأقام الظهر ثم أقام العصر إلخ وليس في الحديث ذكر للأذان وفي هذه المسألة خلاف عند الشافعية والأصح عندهم أن يؤذن للفائتة كما ثبت في حديث أبي قتادة من أذان بلال في الفائتة من حديث مسلم ومذهب الحنفية ترك الأذان في الفائتة لأنه للإعلام بوقت الصلاة ليحضر الناس لأدائها وقد فات وقتها وهو رأي للشافعية والرابع: أن الفوائت تؤدي بجماعة مثل الحواضر سواء بسواء وأن ذلك مستحب وهو مذهب الشافعية وقوله وذلك قبل أن ينزل في صلاة الخوف فرجالا أو ركبانا لدفع ما قد يرد على البال في هذا المقام فيقال كيف ترك الرسول ﷺ الصلاة في ذلك اليوم وقد شرع اللَّه صلاة الخوف التي يمكن للمحاربين أداؤها من غير تعرضهم لفتك أعدائهم فأجاب بأن صلاة الخوف لم تكن قد شرعت إذ ذاك فأما بعد نزول القرآن فيها فلم يعد النبي ولا أصحابه يؤخرون الصلوات عن أوقاتها) .
[ ١ / ١٩٦ ]
٥٥٤- (أخبرنا) سُفيانُ، عن عَمْرٍو يعني ابن دينار، عن نافعٍ بن جُبير، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال:
-كان النبي ﷺ في سَفَرٍ ⦗١٩٨⦘ (السفر الذي عناه أنه ﷺ كان راجعًا من غزوة خيبر فسار ليلة حتى أدركه الكرى فعرس كما في مسلم برواية أبي هريرة) فَعَرَّسَ (قوله فعرس بالتشديد التعريس: نزول المسافر آخر الليل للنوم والاستراحة وقوله يكلؤنا أي يحرسنا ويحفظنا كلأه يكلؤه من باب نفع كلاءة وكلاء بالكسر فيهما وكلئا بالفتح: حفظه وحرسه) فقالَ: ألاَ رجلٌ صالحٌ يكلؤنا اللَّيْلَةَ فلا يَرْقُدُ عن الصلاة فقال بلالٌ: أنا يا رسولَ اللَّه قال: فاسْتَنَدَ بلالٌ إلى رَاحِلَتِهِ (الراحلة هي البعير القوي على الأسفار والأحمال الذكر والأنثى فيه سواء وهاؤه للمبالغة واستند إلى الشئ اعتمدعليه بظهر هو المعنى أن بلالا ركن ظهره إلى جمله قيل الفجر فغلبه النوم «فلم يفزعوا إلا بحر الشمس» أي فلم يهبوا وينتبهوا من نومهم إلا بحر الشمس أي بعد أن أحسوا بحرارتها على وجوههم يقال فزع بالكسر من نومه أي هب وانتبه وكأنه من الفزع بمعنى الخوف لأن الذي ينبه لا يخلوا من فزع ما وهنا يقال كيف غلب النوم الرسول وهو الذي لا ينام قلبه وإن نامت عيناه والجواب أن القلب إنما يدرك الحسيات المتعلقة به كخروج الريح مثلا فقد عللوا عدم انتقاض وضوئه بالنوم بأن قلبه لا ينام أي يشعر بهذه الحسية أما طلوع الفجر فلا يدرك بالقلب بل بالعين وهي نائمة وإن كان القلب يقظان) واسْتَقْبَلَ الفجرَ فلم يَفْزَعُوا إلاَّ بِحَرِّ الشَّمْسِ في وُجُوههم فقال رسولُ اللَّه ﷺ: يا بلالُ أين ما قلت؟ (أين ما قلت هذا الاستفهام في إحدى النسخ الخطية دون غيرها) فقال بلالٌ يا رسولَ اللَّه: أخَذَ بِنَفْسِي الذي بِنَفْسِك (فقال بلال أخذ بنفسي إلخ أي غلبني على نفسي ما غلبك وهو النوم يعتذر من عدم إيقاظهم كما وعد) قال: فتوضأ رسولُ اللَّه ﷺ ثمَّ صلى رَكْعتى الفَجْر ثم قالَ: اقتادوا شيئًا قالَ: ثمَّ صَلَّى الْفَجْرَ ⦗١٩٩⦘ (اقتادوا أي اقتادوا رواحلكم شيئا أي قليلا فهو نائب عن المفعول المطلق وفي مسلم قال اقتادوا فاقتادوا رواحلهم شيئا وهذا دليل على أن قضاء الفائتة بعذر لا يلزم أن يكون على الفور وإنما أمرهم باقتيادهم لما ذكره في مسلم من أن هذا منزل حضرهم فيه الشيطان وفي الحديث دليل على قضاء سنة الصبح فإنه صلاها أولا ثم انتقل قليلا ثم صلى الفجر وبهذا أخذ الحنفية فقالوا بقضاء سنة الفجر دون غيرها والصحيح عند الشافعية قضاء السنن الراتبة كلها لقوله ﷺ من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها والأحاديث أُخر كثيرة في الصحيح كقضائه سنة الظهر بعد العصر حين شغله عنها الوقد وغير ذلك) .
[ ١ / ١٩٧ ]