الحمد لله المتفرد بالعلو والقدم، المنزه عن الحدوث والعدم. الذي هدانا بنبيه إلى الملة الحنيفية، وأوضح به طرقها، فتركها كالشمس بيضاء نقية، أحمده على التوفيق لاتباع السنة، وأشكره على إفضاله المتواتر منه بعد منةٍ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة تروي قائلها يوم العطش الأكبر من الماء المعين. وتسمعه منادي: ﴿ادخلوها بسلامٍ آمنين﴾ .
وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله العالي رتبةً سنية، النازل في برج الكمال كل درجةٍ علية، صلى الله عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين وسلم، ورضي عن خلفائه الراشدين، وأبو بكر المقدم، وسائر الصحابة والتابعين، ما أضاء صبح وأظلم ليل. أما بعد:
فإن علم السنن من أجل العلوم الزاهرة، والاعتناء به شرف لصاحبه في الدنيا والآخرة، وقد حث النبي ﷺ على التبليغ عنه بالطلب الحثيث، وحض على ذلك بقوله: «نضر الله امرأً سمع» الحديث.
ولم يزل أئمة هذا الشأن ولا يزالون يرحلون فيه إلى أقاصي البلدان، لا يملون، خصوصًا لطلب أعلاه وروينا عن بعضهم أنه قال:
[ ٥٣ ]
«قرب الإسناد قرب إلى الله» فأحببت مرافقتهم وآثرت موافقتهم، إذ هم الأبدال والأوتاد، وكيف لا، وهم الذين حفظ بهم الدين حتى استقر وشاد.
وكان شيخنا الشيخ الإمام العالم العلامة مفتي المسلمين، بقية السلف الصالحين، قاضي القضاة مسند الدنيا زين الدين أبو المناقب العلية، أبو بكر ابن الشيخ بدر الدين (عبد الله الحسين) بن عمر بن محمد بن يونس بن أبي الفخر بن عبد الرحمن بن نجم بن طولون القرشي العثماني المراغي أصلًا المصري ثم المدني الشافعي -أدام النفع به وبلغه من الخيرات نهاية مطلبه- ممن علا في الحديث سنده وقل رواته، لكن كثر عدده، وقد سمع من قديمٍ صغيرًا من مدة ثمانين عامًا إلا يسيرًا، وسمع بنفسه كبيرًا، حديثًا كثيرًا، وأجاز له من مدة ثلاثٍ وثمانين من السنين عدد من المسندين، منهم: أبو العباس الحجار، وناهيك بها رتبةٌ عليا لا تجد رجلًا يشاركه في ذلك في جميع الأمصار بل في
[ ٥٤ ]
جميع الدنيا، وكم له أسانيد.
للمخرج عفا الله عنه:
في زي ذي قصرٍ بدت لكنه عين السمو
فاعجب لها فهي القصيرة كيف تنسب للعلو
فجمعت له هذه المشيخة عمن ظفرت به من المشايخ الذين سمع منهم دون غيرهم ممن أجازوا له الرواية عنهم، إلا أنني لم أخلها من حديثٍ كثيرٍ منهم في التعليقات، ورتبتهم في الغالب على قدم الوفيات، وبدأت قبل ذلك بالمسلسل بالأولية، والله أسأل في جميع أموري حسن النية، وهو حسبي ونعم الوكيل.
حدثنا مسند مصر صدر الدين أبو الفتح محمد بن محمد بن إبراهيم ابن أبي القاسم الميدومي، وهو أول حديث سمعته منه، قال: ثنا الرئيس أبو الفرج عبد اللطيف بن عبد المنعم بن علي الحراني، وهو أول حديث سمعته منه، قال: ثنا الإمام أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي، وهو أول حديث سمعته منه، قال: ثنا الإمام أبو سعد إسماعيل بن أبي صالح أحمد بن عبد الملك المؤذن، وهو أول حديث سمعته منه، قال: ثنا والدي أبو صالح، وهو أول حديث سمعته منه، قال: ثنا الأستاذ أبو طاهر محمد بن محمد بن محمش الزيادي، وهو أول حديث سمعته منه، قال: ثنا أبو حامد أحمد بن محمد بن يحيى بن بلال البزاز، وهو أول حديث سمعته منه، قال: ثنا عبد الرحمن بن بشر بن الحكم العبدي،
[ ٥٥ ]
وهو أول حديث سمعناه منه، قال: ثنا سفيان بن عيينة، وهو أول حديث سمعته من سفيان، عن عمرو بن دينار، عن أبي قابوس مولى عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن رسول الله ﷺ قال:
«الراحمون يرحمهم الرحمن ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء» .
وأخبرناه الرئيس المعمر أبو العباس أحمد بن إدريس بن مزيز الحموي في كتابه إلي منها، وهو أول حديث رويته عنه، قال: ثنا الحافظ أبو علي الحسن بن محمد بن محمد بن محمد البكري، وهو أول حديث سمعته منه، قال: ثنا الإمام أبو الفضل عبد الرحمن بن عبد الوهاب بن صالح بن المعزم إمام جامع همدان بها، وهو أول حديث سمعته منه، قال: ثنا أبو منصور عبد الكريم بن محمد ابن الخيام من لفظه، وهو أول حديث سمعته منه.
ح قال البكري: وحدثني أبو الفتوح محمد بن محمد بن الجنيد الصوفي
[ ٥٦ ]
بأصبهان، وهو أول حديث سمعته منه. قال: ثنا أبو القاسم -وهو ابن طاهر الشحامي- وهو أول حديث سمعته منه. قالا: ثنا أبو صالح أحمد بن عبد الملك المؤذن، وهو أول حديث سمعناه منه، قال: حدثني أبو طاهر الزيادي، وهو أول حديث سمعته منه، قال: حدثني أبو حامد بن بلال، وهو أول حديث سمعته منه، عن سفيان وهو أول حديث سمعته منه، عن عمرو بن دينار، عن أبي قابوس مولى عبد الله بن عمرو، عن عبد الله ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «الراحمون يرحمهم الرحمن ارحموا أهل الأرض يرحمكم أهل السماء» .
وقال ابن المعز: من في الأرض. هذا حديث حسن.
أخرجه أبو داود السجستاني في «سننه»، عن مسدد، وأبي بكر بن أبي شيبة. ورواه الترمذي في «جامعه» وقال: حسن صحيح، عن محمد بن يحيى بن عمر العدني، ثلاثتهم عن ابن عيينة من غير تسلسل فوقع لنا بدلًا لهما عاليًا.
والله المحمود سبحانه.
[ ٥٧ ]