الشيخ التاسع
أخبرنا الشيخ الجليل المسند ناصر الدين أبو عبد الله محمد بن محمد ابن محمد بن إسماعيل بن يوسف البكري الفيومي ثم المصري، قراءة عليه وأنا أسمع بالقاهرة، في شوال سنة أربعٍ وثلاثين وسبعمائة، وأجاز لي جميع مروياته.
قال: أنا أبو عيسى عبد الله بن عبد الواحد بن علاق الأنصاري سماعًا، قال: أنا أبو القاسم هبة الله بن علي بن سعود البوصيري، قال: أنا أبو صادق مرشد بن يحيى، قال: أنا أبو الحسن علي بن ربيعة بن علي التميمي، قال: أنا أبو محمد الحسن بن رشيق العسكري العدل، قال: ثنا محمد بن عبد السلام بن أبي السوار السراج، قال: ثنا عبد الله بن صالح أبو صالح كاتب الليث بن سعد، قال: حدثني إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، عن ابن شهاب، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن أبي هريرة أنه قال: قال الناس: يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة، قال: فقال رسول الله ﷺ:
«هل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب؟ هل تضارون في القمر ليلة البدر، قالوا: لا، قال: فكذلك ترونه يجمع الله ﷿ الناس يوم القيامة، فيقول: من كان يعبد شيئًا فليتبعه، فيتبع من يعبد الشمس
[ ٢٢١ ]
الشمس، ويتبع من يعبد القمر القمر، ويتبع من يعبد الطواغيت الطواغيت، وتبقى هذه الأمة فيها شافعوها أو منافقوها، فيأتيهم الله في صورةٍ غير صورته التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: نعوذ بالله منك، هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، فإذا جاء ربنا عرفناه، فيأتيهم الله في الصورة التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا، فيتبعونه، فيضرب الصراط بين ظهراني جهنم، فأكون أنا وأمتي أول من يجيز، ولا يتكلم يومئذٍ إلا الرسل، ودعوى الرسل يومئذٍ: اللهم سلم سلم، وفي جهنم كلاليب كشوك السعدان. هل رأيتم السعدان؟ قالوا: نعم يا رسول الله، قال: فإنه مثل شوك السعدان غير أنه لا يدري ما قدر عظمها إلا الله، فتخطف الناس بأعمالهم فمنهم المؤمن بقي بعمله، ومنهم المخردل -أو كلمة تشبهها- ثم ينجى، فإذا أراد الله أن يخرج من النار برحمته من يشاء أمر الملائكة أن يخرجوا من النار من كان لا يشرك بالله شيئًا ممن يقول: لا إله إلا الله، ممن أراد الله أن يرحمه، فيعرفونهم في النار بأثر السجود، حرم الله على النار أن تأكل أثر السجود، فيخرجونهم من النار قد امتحشوا، فيصب عليهم ماء الحياة فينبتون تحته كما تنبت الحبة في حميل السيل، ويبقى رجلٌ مقبلٌ بوجهه إلى النار، فيقول: يا رب اصرف وجهي عن النار، فقد
[ ٢٢٢ ]
قشبني ريحها، وأحرقني ذكاؤها، فيدعو ما شاء الله أن يدعو، فيقول: هل عسيت إن أعطيت ذلك أن تسأل غيره، فيقول: لا وعزتك لا أسألك غيره، فيعطي ربه مما يشاء من عهودٍ ومواثيق، فيصرف الله وجهه عن النار، فيسكت ما شاء الله أن يسكت، ثم يقول: أي رب، قدمني إلى باب الجنة، فيقول الله ﷿: أليس قد أعطيت عهودك ومواثيقك ألا تسأل غير ما أعطيت، ويلك يا ابن آدم ما أغدرك، فلا يزال يدعو حتى يقول: هل عسيت إن أعطيت أن تسأل غيره، فيقول: لا وعزتك لا أسألك غيرها، فيعطي ربه من عهودٍ ومواثيق ما شاء الله، فيقدمه إلى باب الجنة، فإذا قام على باب الجنة، انفهقت له الجنة، فرأى ما فيها من الحبرة والسرور، فيسكت ما شاء الله أن يسكت، ثم يقول: أي رب أدخلني الجنة، فيقول: ويلك ابن آدم ما أغدرك، ألم تعط عهودك ومواثيقك أن لا تسألني غير ما أعطيت، فيقول: أي رب لا أكون أشقى خلقك، فلا يزال يدعو الله حتى يضحك الله منه، فإذا ضحك الله منه قال له: ادخل الجنة، فإذا دخل الجنة قال الله له: تمن، فيتمنى، حتى إن الله ليذكره فيقول: تمن كذا وكذا، وإذا انقطعت به الأماني قال الله ﷿، ذلك لك ومثله معه» .
[ ٢٢٣ ]
قال عطاء بن يزيد: قال أبو سعيدٍ الخدري وهو مع أبي هريرة يحدث هذا الحديث لا يرد عليه شيئًا من حديثه حتى إذا قال: ذلك لك ومثله معه، قال أبو سعيد: أشهد لحفظت من رسول الله ﷺ: «ذلك لك وعشرة أمثاله معه» . قال أبو هريرة: وذلك آخر أهل الجنة دخولًا الجنة.
وأخبرنا به مختصرًا محمد بن إسماعيل بن عبد العزيز الأيوبي قراءة عليه وأنا أسمع، قال: أنا محمد بن إسماعيل الأنماطي سماعًا، قال: أنا عبد الصمد بن محمد الحرستاني حضورًا، وأبو روح الهروي إجازة، قال: أنا، وقال الأول أنبأنا زاهر بن طاهر، قال: أنا سعيد بن محمد، قال: أنا زاهر بن أحمد.
ح وكتب إلي عاليًا جدًا أحمد بن نعمة، عن عبد الله بن عمر، عن مسعود بن حسن القاسمي، قال: أنبأنا عبد الرحمن بن محمد بن إسحاق، عن زاهر ابن أحمد المذكور، قال: أنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي، قال: ثنا محمد بن جعفر الوركاني، قال: ثنا إبراهيم بن سعد، عن ابن شهابٍ، عن عطاء بن يزيد، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال الناس: يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال: «هل تضارون في القمر ليلة البدر، قالوا: لا، قال: فكذلك ترونه يجمع الله العباد يوم القيامة فيقول: من كان يعبد شيئًا فليتبعه.
[ ٢٢٤ ]
وذكر الحديث. كذا في الأصل.
أخرجه البخاري، عن عبد العزيز بن عبد الله، ومسلم عن أبي خيثمة، عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد بالحديث جميعه، فوقع لنا بدلًا عاليًا للبخاري، وعاليًا لمسلم، لا سيما في الطريق الأخيرة، وأخرجه البخاري عن أبي اليمان، ومسلم عن الدارمي، عنه، عن شعيب، عن الزهري، عن سعيدٍ وعطاء، عن أبي هريرة بالحديث كله، وقد وقع لنا هذا الحديث موافقة لهما عاليةً، لكنه مختصر.
أخبرنا أحمد بن أبي طالب الحجار، فيما أذن لنا أن أبا المنجا ابن اللتي أخبره سماعًا، قال: أنا عبد الأول بن عيسى الصوفي، قال: أنا عبد الرحمن بن محمد الفقيه، قال: أنا عبد الله بن أحمد، قال: أنا عيسى بن عمر، قال: أنا عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، قال: ثنا الحكم بن نافع، عن شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري، قال: أخبرني سعيد بن المسيب، وعطاء بن يزيد الليثي أن أبا هريرة أخبرهما أن الناس قالوا للنبي ﷺ: هل نرى ربنا يوم القيامة، فقال النبي ﷺ:
«هل تمارون في القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب؟ قالوا: لا يا رسول الله قال: فهل تمارون في الشمس ليس دونها سحاب، قالوا: لا، قال: فإنكم ترونه كذلك» .
[ ٢٢٥ ]
أخبرنا محمد بن محمد بن محمد بن إسماعيل الفيومي سماعًا، قال: أنا عبد الله بن عبد الواحد، قال: أنا هبة الله بن علي، قال: أنا مرشد بن يحيى، أنا علي بن ربيعة البزار، قال: أنا الحسن بن رشيق، قال: أنا محمد بن عبد السلام السراج، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني إبراهيم بن سعد.
ح وأنبأني بصعود درجة أبو العباس أحمد بن أبي أحمد الخياط -واللفظ له- عن محمد بن أحمد بن الحسين المورخ، قال: أنا ابن فتحان المقرئ إجازةً، عن أبي الحسين الكرخي، قال: أنا عيسى بن علي الويزر. قال: أنا أبو القاسم البغوي، قال: ثنا منصور بن أبي مزاحم، قال: ثنا إبراهيم بن سعد، عن الزهري، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة قال: «سئل رسول الله ﷺ أي الأعمال أفضل؟ قال: إيمانٌ بالله، قيل: ثم ماذا، قال: ثم الجهاد في سبيل الله، قيل: ثم ماذا، قال: ثم حج مبرور» .
أخرجه مسلم، عن منصور على الموافقة العالية بدرجتين.
وبه إلى عبد الله بن صالح قال: حدثني إبراهيم بن سعد، عن صالحٍ بن كيسان، عن ابن شهابٍ، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيفٍ، عن أبي سعيد الخدري أنه سمع رسول الله ﷺ يقول:
[ ٢٢٦ ]
«بينما أنا نائم رأيت الناس يعرضون علي وعليهم قمصٌ، منها ما يبلغ الثدي ومنها ما يبلغ دون ذلك، وعرض علي عمر بن الخطاب وعليه قميص يجره، فقال من حوله: فما أولت ذلك يا رسول الله قال: الدين» .
وأخبرناه المعمر أبو المعالي عبد الله بن الحسين الأنصاري كتابة قال: أنا عثمان بن علي القرشي.
ح وكتب إلي عبد الله بن الحسين القاضي المقدسي، عن أبي القاسم السبط قال: أنا، وقال عثمان: أنبأنا أحمد بن محمد الحافظ قال: أنا مكي ابن منصور، قال: أنا أبو بكر الحيري، قال: أنا أبو علي الميداني، قال: ثنا محمد بن يحيى الذهلي، قال: ثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، ثنا أبي، عن صالح، عن ابن شهاب قال: أخبرني أبو أمامة بن سهل بن حنيف أنه سمع أبا سعيد الخدري ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ:
[ ٢٢٧ ]
«[بينا] أنا نائم رأيت الناس يعرضون علي وعليهم قمصٌ، منها ما يبلغ الثدي، ومنها ما يبلغ دون ذلك، ومر علي عمر بن الخطاب وعليه قميص يجره قالوا ما أولت ذلك يا رسول الله، قال: الدين» .
متفق عليه أخرجه البخاري، عن محمد بن عبيد الله، ومسلم، عن منصور بن أبي مزاحم، كلاهما عن إبراهيم بن سعد، فوقع لنا بدلًا لهما، وأخرجه البخاري أيضًا، عن علي بن المديني، ومسلم، والترمذي عن عبد بن حميد، زاد مسلم: وزهير بن حرب، وحسن الحلواني، وأخرجه النسائي عن محمد بن يحيى الذهلي، خمستهم عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد، فوقع لنا موافقة عالية للنسائي، وبدلًا للباقين عاليًا أيضًا، ولله الحمد على ما رزقنا.
وبه إلى عبد الله بن صالحٍ، قال: ثنا إبراهيم بن سعدٍ.
ح وأخبرني أبو الفتح الميدومي، قال أنا إبراهيم بن محمد الحسيني، وعبد الرحيم بن أبي الحجاج الموصلي، قالا: أنا عمر بن أبي بكرٍ، قال: أنا أبو القاسم الشيباني، قال: أنا أبو طالب بن غيلان، قال: ثنا أبو بكر الشافعي، قال: ثنا جعفر بن محمد بن الأزهر أبو بكر قال: ثنا محمد بن خالد بن عبد الله الطحان، قال: ثنا إبراهيم بن سعدٍ.
ح وقرئ على محمد بن إسماعيل الأيوبي، وأنا أسمع، أخبرك
[ ٢٢٨ ]
محمد بن أبي الطاهر المحدث، قال: أنا عبد الصمد بن محمد حضورًا، وأبو روحٍ الهروي، إجازةً، قال: أنا، وقال عبد الصمد: أنبأنا زاهر بن طاهر، قال: أنا سعيد بن محمد، قال: أنا زاهر بن أحمد السرخسي.
ح وأذن لي أبو العباس البياني أن أروي عنه، عن أنجب بن أبي السعادات الحمامي، وغير واحد، عن أبي الفرج بن أبي علي المحمودي، قال: أنبأنا عبد الرحمن بن محمد بن إسحاق الحافظ، قال: أنا زاهر بن أحمد إجازةً، قال: أنا البغوي، قال: ثنا محمد بن جعفر الوركاني، ثنا إبراهيم بن سعد، عن صالح، عن ابن شهاب، عن عبد الحميد بن عبد الرحمن ابن زيد، عن محمد بن سعد بن أبي وقاص، عن سعد بن أبي وقاص قال:
«استأذن عمر بن الخطاب على رسول الله ﷺ، وعنده نساء من قريشٍ يكلمنه ويستكثرنه عاليةً أصواتهن على صوته، فلما استأذن عمر بن الخطاب تبادرن الحجاب، فأذن له رسول الله ﷺ، فدخل عمر ورسول الله ﷺ يضحك، فقال عمر: أضحك الله سنك بأبي أنت وأمي يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ: عجبت من هؤلاء اللاتي كن عندي فلما سمعن صوتك تبادرن الحجاب فقال عمر: فأنت كنت أحق أن يهبن يا رسول الله، ثم أقبل عليهن فقال: أي عدوات أنفسهن أتهبنني ولا تهبن رسول الله ﷺ، قلن: نعم أنت أغلظ وأفظ من رسول الله ﷺ، قال رسول الله ﷺ: إيهًا يا ابن الخطاب، والذي نفسي بيده، ما لقيك الشيطان سالكًا فجًا إلا
[ ٢٢٩ ]
سلك غير فجك» .
اللفظ لحديث عبد الله بن صالح، وحديث الطحان، والوركاني نحوه بمعناه.
هذا متفق على صحته أخرجه البخاري عن عبد العزيز بن عبد الله، وإسماعيل بن عبد الله، وأخرجه مسلم، عن منصور بن أبي مزاحم ثلاثتهم، عن إبراهيم بن سعد، فوقع بدلًا لهما عاليًا ولله الحمد.
شيخنا هذا مولده في عام ستين وستمائة.
وسمع من عبد الله بن علاق «مشيخة الرازي» و«سداسياته»، و«الجمعة» للنسائي، و«نسخة إبراهيم بن سعد» .
وكانت وفاته في يوم الجمعة رابع عشر شوال سنة سبع وأربعين وسبعمائة، ظاهر القاهرة، ودفن بالقرافة رحمه الله تعالى وإيانا والمسلمين.
[ ٢٣٠ ]