بسم اللَّه الرَّحْمَن الرحيم وهو حسبي
الحمد لله الَّذِي من علينا بمحمد ﷺ، ورزقنا اتباعه، وجبل قلوبنا عَلَى حب التقرب إليه بالطاعة، وحبب إلينا اقتفاء السنة، ولزوم الجماعة، وأشهد أن لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شريك لَهُ، شهادة أدخرها لليوم الآخر أعظم بضاعة، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الَّذِي أطاع اللَّه من أطاعه، أرسله بالهدى ودين الحق، فلا تزال طائفة من أمته ظاهرين عليه إِلَى قيام الساعة ﷺ صلاة تعم آله وصحبه وأشياعه، وبعد:
فلما كَانَ علم الحديث أجل علم، وصناعته أشرف صناعة، وَكَانَ مما اختص اللَّه بِهِ هَذِهِ الأمة أن حبب إليهم نقله، وروايته، وسماعه، وحفظه - سبحانه - بالأئمة الأعلام عَلَى تطاول الأعوام من الإضاعة، وَكَانَ أجل من بقي منهم شيخنا الإِمَام العلامة قاضي القضاة، خطيب الخطباء ذو البراعة الَّذِي جمع بين المنقول والمعقول، وتفرد فِي عصرنا باقتفاء سنن الرسول، حتى اضمحل لديه حاصل ذي محصول، وانتمى إليه كل صاحب مخبرة وبراعة، بدر الدين أَبُو عَبْد اللَّه مُحَمَّد بْن الشَّيْخ الإِمَام الزاهد القدوة الأوحد، ذي المآثر والكرامات المشهودة بكل مشهد، برهان الدين أَبِي إسحاق إبراهيم بْن سَعْد اللَّه بْن جماعة أيد اللَّه علوه، وخلد ارتفاعه، وأدام لكل مسلم بحياته أمتاعه، فإنه رحل بنفسه إِلَى الْمِصْرَيْنِ، وحصل شيوخ الإقليمين، ولم
[ ١ / ٨١ ]
تشغله سعة الرواية عَن تحقيق الدراية، ولا حرفه مَا يعانيه من القيام بأعباء الأمة عَن قصد العلم بعلو الهمة ومزيد العناية، أحببت مع مَا وقع إلي من شيوخه فِي هَذَا المجموع، وإيراد بعض مَا لَهُ من مجاز ومسموع، ليكون ذلك عجالة لمن يقصد الانتماء إليه، ويحب أن يمتاز بالسماع عليه، ولم أجترأ عَلَى ذلك إِلا لعلمي باستغراق أوقاته بأمور المسلمين، والقيام بمصالح الأمة والدين، مع أنني مَا جمعته إِلا بإفادته وتعليمه، ولا رصعته إِلا بعد مراجعته وتفهيمه، فالله سبحانه يبلغني من إتمامه المرام، ويسعفني بإكماله عَلَى أحسن نظام، وقد رتبته عَلَى حروف المعجم لا عَلَى علو الإسناد لا نترك فيه بالابتداء بوالده سيد العباد والزهاد، وأسأل اللَّه تَعَالَى حسن التوفيق، ومزيد الإسعاد، وأن يبلغنا من رضاه غاية الأمل ونهاية المراد، وهذا أول الشروع فِي المعجم، فلنقدم الحديث المسلسل بالأولية قبل ذكر رجاله ليحصل تسلسله لمن سَمِعَ هَذَا المعجم، فإن فِي الابتداء بِهِ تحقق شرط اتصاله.
أخبرنا الشَّيْخُ الصَّدْرُ الْجَلِيلُ الْمُسْنِدُ أَبُو الْفَرَجِ عَبْدُ اللَّطِيفِ ابْنُ الإِمَامِ أَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِ الْمُنْعِمِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ نَصْرِ بْنِ مَنْصُورِ بْنِ هِبَةِ اللَّهِ بْنِ الصَّيْقَلِ الْحَرَّانِيُّ، ﵀، وَهُوَ أَوَّلُ حَدِيثٍ سَمِعْتُهُ مِنْ لَفْظِهِ بِالْقَاهِرَةِ، قَالَ: ثنا الإِمَامُ الْحَافِظُ أَبُو الْفَرَجِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْجَوْزِيِّ، وَهُوَ أَوَّلُ حَدِيثٍ سَمِعْتُهُ مِنْهُ، قثا أَبُو سَعْدٍ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ الْمُؤَذِّنُ النَّيْسَابُورِيُّ، مِنْ لَفْظِهِ وَكِتَابِهِ، وَهُوَ أَوَّلُ حَدِيثٍ سَمِعْنَاهُ مِنْهُ، قَالَ: أنا وَالِدِي أَبُو صَالِحٍ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عَلِيٍّ الْحَافِظُ، وَهُوَ
[ ١ / ٨٢ ]
أَوَّلُ حَدِيثٍ سَمِعْتُهُ مِنْهُ، قثا الأُسْتَاذُ أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَحْمِشٍ الزِّيَادِيُّ، وَهُوَ أَوَّلُ حَدِيثٍ سَمِعْتُهُ مِنْهُ، قثا أَبُو حَامِدٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ بِلالٍ الْبَزَّازُ، وَهُوَ أَوَّلُ حَدِيثٍ سَمِعْتُهُ مِنْهُ، قثا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرِ بْنِ الْحَكَمِ، وَهُوَ أَوَّلُ حَدِيثٍ سَمِعْتُهُ مِنْهُ، ثنا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، وَهُوَ أَوَّلُ حَدِيثٍ سَمِعْتُهُ مِنْهُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي قَابُوسٍ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرو ﵄، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا مَنْ فِي الأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ».
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ أَخْرَجَهُ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ أَبِي عُمَرَ الْعَدَنِيِّ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيُّ فِي
[ ١ / ٨٣ ]
سُنَنِهِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبِي الْحَسَنِ مُسَدَّدِ بْنِ مُسَرْهَدٍ الْبَصْرِيِّ، ثَلاثَتُهُمْ، عَنِ الإِمَامِ أَبِي مُحَمَّدٍ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ الْكُوفِيِّ، ثُمَّ الْمَكِّيِّ، فَوَقَعَ لَنَا بَدَلا عَالِيًا لَهُمَا، وَهُوَ حَدِيثٌ مَشْهُورٌ مِنْ حَدِيثِ
[ ١ / ٨٤ ]
سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، رَوَاهُ عَنْهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ، وَأَبُو بَكْرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ الْحُمَيْدِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ الْمَكِّيُّ، وَغَيْرُهُمْ، وَرَوَاهُ أَيْضًا، عَنْ سُفْيَانَ أَبُو أَحْمَدَ بِشْرُ بْنُ مَطَرٍ الْوَاسِطِيُّ، إِلا أَنَّهُ وَقَفَهُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، وَرَوَاهُ أَيْضًا عَنْ سُفْيَانَ أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ الزَّعْفَرَانِيُّ، إِلا أَنَّهُ قَالَ: عَنْ أَبِي قَابُوسَ، عَنِ ابْنِ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، وَلَمْ يُوَافِقْ عَلَى هَذِهِ الزِّيَادَةِ فِيمَا نَعْلَمُ. وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ بْنِ الْوَائِلِ السَّهْمِيُّ، لَهُ ثَلاثُ كُنًى: أَبُو مُحَمَّدٍ، وَأَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَأَبُو نُصَيْرٍ، بِضَمِّ النُّونِ، وُلِدَ لأَبِيهِ، وَأَبُوهُ ابْنُ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، رَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ مِنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وَكَانَ عَابِدًا صَوَّامًا قَوَّامًا حَافِظًا، كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَقُولُ: مَا أَحَدٌ أَحْفَظُ لِحَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنِّي إِلا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، كَانَ يَكْتُبُ وَأَنَا لا أَكْتُبُ. وَاخْتُلِفَ فِي وَفَاةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، وَفِي الْمَوْضِع الَّذِي مَاتَ فِيهِ عَلَى أَقْوَالٍ، وَالَّذِي قَالَهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: تُوُفِّيَ لَيَالِيَ الْحَرَّةِ فِي وِلايَةِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، وَكَانَتْ وَقْعَةُ الْحَرَّةِ يَوْمَ الأَرْبَعَاءَ لِلَيْلَتَيْنِ بَقِيَتَا مِنْ ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ ثَلاثٍ وَسِتِّينَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[ ١ / ٨٦ ]
وَأَبُو قَابُوسَ، لا يُوقَفُ لَهُ عَلَى اسْمٍ، إِلا مَا حُكِيَ عَنْ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ الأَصْبَهَانِيِّينَ: أَنَّ اسْمَهُ الْمُبَرِّدُ، وَقَابُوسُ مَعْنَاهُ جَمِيلُ الْوَجْهِ حَسَنُ اللَّوْنِ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ الْمَكِّيُّ، كُنْيَتُهُ أَبُو مُحَمَّدٍ، رَوَى عَنْ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ مِنْهُمُ ابْنُ عُمر، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَابْنُ الزُّبَيْرِ، وَجَابِرٌ.
وكان حَافِظًا، ثَبْتًا، قَالَ شعبة بْن الحجاج: مَا رأيت أَحَدًا أثبت من عَمْرو بْن دينار لا الحكم، ولا قتادة. مَاتَ أول سنة ست وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ، وقد جاوز التسعين.
وسفيان بْن عُيَيْنَةَ بْن أَبِي عمران الهلالي، كنيته أَبُو مُحَمَّد، واسم جده أَبِي عمران ميمون، وَهُوَ كوفي سَكَنَ مَكَّةَ، وبها مَاتَ عدة رجب سنة ثمان وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ، ودفن بالحجون، وَكَانَ مولده سنة سبع وَمِائَةٍ، وأدرك
[ ١ / ٨٧ ]
ستة وَثَمَانِينَ من التَّابِعِينَ.
رَوَى عَنْهُ الأكابر مثل الأعمش، ومسعر، وسفيان الثَّوْرِيّ، وابن جريج، وشعبة، وابن المبارك، ووكيع، وَيَحْيَى بْن سعيد القطان، وَعَبْد الرَّحْمَن بْن مهدي، وحماد بْن زيد، وأحمد بْن حَنْبَل، وعلي ابْن المديني، وَيَحْيَى بْن معين، وإسحاق بْن رَاهَوَيْهِ.
وكان ابْن وهب يقول: مَا رأيت أعلم بكتاب اللَّه من سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ. وَقَالَ أَبُو يوسف الغسولي الزاهد: دخلت عَلَى سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ وبين يَدَيْهِ قرصان من شعير، فقال لي: يا أَبَا يوسف إنهما طعامي مُنْذُ أربعين سنة.
وحكى عَنْهُ الْحَسَن بْن عمران بْن عُيَيْنَةَ، وَهُوَ ابْن أخيه قَالَ: كنت معه بجمع آخر حجة حجها فقال: قد وافيت هَذَا الموضع سبعين مرة أقول فِي كل مرة: اللهم لا تجعله آخر العهد من هَذَا المكان، وقد استحييت مِنَ اللَّهِ من كثرة مَا أسأله، فرجع فتوفي فِي السنة الداخلة. وَكَانَ أثبت الناس فِي عَمْرو بْن دينار.
وقال الشافعي ﵁: مَا رأيت أَحَدًا من الناس فيه من آلة العلم مَا فِي سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ.
وَكَانَ لسفيان تسعة إخوة، حدث منهم:
[ ١ / ٨٨ ]
مُحَمَّد، وإبراهيم، وآدم، وعمران، وَكَانَ أبوهم صيرفيا بالكوفة، فركبه الدين فانتقل إِلَى مَكَّةَ، قَالَ سُفْيَان: فلما دخلنا مَكَّةَ ورحنا لصلاة الظهر إذا بشيخ عَلَى حمار عَلَى باب المسجد، فقال لي: يا غلام! أمسك هَذَا الحمار حتى أدخل المسجد، فأركع. فقلت: مَا أنا بفاعل، أو تحدثني. قَالَ: وما تصنع أنت بالحديث، واستصغرني فقلت: حدثني، فحدثني بثمانية أحاديث. فأمسكت حماره، وجعلت أتحفظ مَا حدثني بِهِ، فلما خرج قَالَ: مَا نفعك مَا حدثتك؟ فقلت: حدثتني بكذا، وحدثتني بكذا، فأعدت عليه مَا حدثني بِهِ، فقال: بارك اللَّه فيك تَعَالَ غدا إِلَى المجلس، فإذا هُوَ عَمْرو بْن دينار.
وعبد الرَّحْمَن بْن بشر بْن الحكم بْن حبيب بْن مهران العبدي النيسابوري كنيته أَبُو مُحَمَّد، وَهُوَ شيخ صاحبي الصحيح، كَانَ الحاكم أَبُو عَبْد اللَّه يقول: «هُوَ العالم ابْن العالم ابْن العالم»، تُوُفِّيَ سنة ستين وَمِائَتَيْنِ، وقيل: بعد ذلك بقليل سَمِعَ بالحجاز، واليمن، والعراق، وخراسان.
وأحمد بْن مُحَمَّد بْن يَحْيَى بْن بلال الْبَزَّاز، أَبُو حَامِد المعروف بالخشاب، كَانَ يسكن محلة الخشابين، سَمِعَ بخراسان، والعراق، والحجاز، كتب عَنْهُ جماعة من الحفاظ والأئمة، تُوُفِّيَ يوم السبت يوم عيد الأضحى سنة ثلاثين وثلاثمائة، ودفن بمقبرة باب معمر، من نيسابور.
[ ١ / ٨٩ ]
وأبو طاهر مُحَمَّد بْن مُحَمَّد بْن محمش بْن عَلِيّ بْن أيوب النيسابوري المعروف بالزيادي، وهي نسبة إِلَى السكن بمحلة ميدان زياد بْن عَبْد الرَّحْمَن، من نيسابور، كَانَ شيخ أهل الحديث فِي وقته بخراسان، وله تبحر فِي معرفة الأدب وكتابة الشروط، ورزق الحديث العالي، مولده سنة ثلاث عشرة، وقيل: سبع عشرة وثلاثمائة، ومات فِي شعبان من سنة عشر وأربعمائة، ودفن بمقبرة الحيرة.
وَأَبُو صالح أَحْمَد بْن عَبْد الملك بْن عَلِيّ بْن أَحْمَد بْن عَبْد الصمد النيسابوري الْحَافِظ المعروف بالمؤذن، أحد حفاظ الحديث ومشايخ الصوفية، صنف الأبواب، وجمع الشيوخ، وخرج لهم، وانتقى عليهم، وجمع لنفسه ألف حَدِيث عَن ألف شيخ من شيوخ الحجاز، والعراق، والشام وخراسان، وَكَانَ لقي أَبَا عَلِيّ الدقاق شيخ أَبِي القاسم القشيري، ثم لزم
[ ١ / ٩٠ ]
القشيري بعده وصحبه، ولد سنة ثمان وَثَمَانِينَ وثلاثمائة، وَتُوُفِّيَ يوم الاثْنَيْنِ تاسع شهر رمضان سنة سبعين وأربعمائة.
وأبو سَعْد إِسْمَاعِيل بْن أَبِي صالح أَحْمَد بْن عَبْد الملك المؤذن، كَانَ فقيها مناظرا من أصحاب الإِمَام أَبِي المعالي بْن الجويني، نشأ بِنَيْسَابُورَ، وأقام بكرمان، وفيها مَاتَ، وسمع من أَبِي سهل الحفصي، والأستاذ أَبِي القاسم القشيري، وأبي حَامِد الأزهري، وخلق كثير، وخرج لَهُ أخوه صالح مائة حَدِيث عَن مائة شيخ، وكانت لَهُ مكانة عند الملوك، ولد فِي ذي الحجة سنة اثْنَتَيْنِ وَخَمْسِينَ وأربعمائة بِنَيْسَابُورَ، وَتُوُفِّيَ ليلة عيد الفطر سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلاثِينَ وخمسمائة، ودفن من الغد.
والإمام أَبُو الفرج عَبْد الرَّحْمَن بْن عَلِيّ بْن مُحَمَّد بْن عَلِيّ بْن عبيد اللَّه بْن عَبْد اللَّه بْن حمادي بْن أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن جَعْفَر بْن عَبْد اللَّه بْن القاسم بْن النضر بْن القاسم بْن مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن القاسم بْن مُحَمَّد بْن أَبِي بكر الصديق ﵁، سَمِعَ من أَبِي القاسم ابْن الحصين وأبي الْحَسَن عَلِيّ بْن عَبْد الواحد الدينوري، والقاضي
[ ١ / ٩١ ]
أَبِي بكر الأنصاري، وجماعة كثيرة، ولازم الْحَافِظ أَبَا الفضل ابْن ناصر، وأخذ عَنْهُ علم الحديث، واستفاد مِنْهُ كثيرا، وتعلم الوعظ من أَبِي الْحَسَن ابْن الزاغوني، وتفقه وبرع فِي علوم كثيرة، وأخذ اللغة عَن أَبِي منصور ابْن الجواليقي، وصنف الكتب، وبلغت مصنفاته نحوا من ثلاثمائة مصنف، وعقد مجلس الوعظ فِي حال الشبيبة، واستمر عَلَى ذلك، وَكَانَ يحضر مجلسه الخلفاء والوزراء والعلماء، وأقل مَا كَانَ يحضر عنده عشرة آلاف، وربما حضر مائة ألف، وَكَانَ لَهُ فِي القلوب القبول والهيبة، وَكَانَ زاهدا فِي الدنيا متقللا منها، وذكر وَهُوَ عَلَى منبر الوعظ أنه كتب بخطه ألفي مجلد، وتاب عَلَى يَدَيْهِ مائة ألف، وأسلم عَلَى يَدَيْهِ عشرون ألفا، وَكَانَ لا يخرج من بيته إِلا الجمعة ومجلس الوعظ، وجعفر المذكور فِي نسبه هُوَ الجوزي، وهذه النسبة إِلَى فرضة من فرض البصرة، يقال لها: جوزة وفرضة النهر ثلمته التي يستقى منها، ولد ﵀ ببغداد بدرب حبيب فِي سنة عشر وخمسمائة، وقيل: سنة ثمان، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَتُوُفِّيَ أَبُوهُ وله ثلاث سنين، وكانت لَهُ عمة صالحة، وَكَانَ أهله تجارا فِي النحاس، فلما مَاتَ أَبُوهُ حملته عمته إِلَى ابْن ناصر، وبه تخرج ومنه استفاد، كما ذكرنا، وشهرته فِي العلم والجلالة والنبل والديانة، تغني عَن الإطناب فِي ذكره، والإسهاب فِي أمره، وَتُوُفِّيَ ليلة الجمعة ثاني عشر شهر رمضان سنة سبع وَتِسْعِينَ وخمسمائة ببغداد، ودفن بمقبرة الإِمَام أَحْمَد ﵁، وَكَانَ يوما مشهودا.
وشيخنا أَبُو الفرج عَبْد اللطيف بْن عَبْد المنعم بْن عَلِيّ بْن نصر بْن
[ ١ / ٩٢ ]
الصيقل الحراني التاجر، بكر بِهِ والده وأسمعه ببلده، ورحل بِهِ إِلَى بغداد، وأسمعه من أَبِي الفرج ابْن كليب، وجماعة كثيرة من أصحاب ابْن الحصين، والقاضي أَبِي بكر، وحصل لَهُ الأصول، واستجاز لَهُ جماعة من الأصبهانيين من أصحاب أَبِي عَلِيّ الحداد وغيره، وحدث بالكثير، وصارت الرحلة إليه، سَمِعَ مِنْهُ جماعة من الحفاظ والأئمة، منهم أَبُو الطاهر إِسْمَاعِيل بْن ظفر النابلسي، وَأَبُو عَبْد اللَّه مُحَمَّد بْن يوسف البرزالي، وذكره أَبُو الفتح عُمَر بْن مُحَمَّد بْن الحاجب فِي معجم شيوخه، فقال: حسن الأخلاق، كريم النفس، متودد إِلَى الناس، كثير المعروف، حسن المعاملة، محبوب الصورة، حسن البزة، وَكَانَ والده من الفقهاء الأعيان، ومن أهل الوعظ والتذكير، ولما تُوُفِّيَ والده اشتغل هُوَ بالتجارة والسفر إِلَى البلاد، مولده بحران سنة سبع وَثَمَانِينَ وخمسمائة، وَتُوُفِّيَ بقلعة الجبل ظاهر القاهرة فِي بكرة الأربعاء مستهل صفر سنة اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ وستمائة، ودفن من يومه خارج باب القرافة بمقبرة رباط أزدمر ﵀ وإيانا.
[ ١ / ٩٣ ]