إمام من أئمة العلم، وشيخ من شيوخ الإسلام، لَهُ مهابة، وعليه جلالة، وَكَانَ شيخ وقته، وفريد عصره، عظيم القدر رفيع الذكر، حسن الخلق، وضيء الوجه كثير الفضائل والمحاسن، وَكَانَ عارفا بالفقه، كثير النقل، صحيح المناظرة، حسن الاستدلال، بصيرا بالجمع والفرق، ثاقب الذهن، قوي الحافظة، يلقي دروسا مطولة من التفسير والحديث والفقه، وَكَانَ لَهُ معرفة بالحديث والأصول والعربية، وله تلامذة كثيرة قرؤوا عليه وانتفعوا بِهِ، ووردت إليه الفتاوى من البلاد، وقصد من الأقطار، وَكَانَ كثير الصلاح والديانة، حسن السمت، متواضعا ملازما للأشغال لا يقطع الوقت إِلا بخير، مطرحا للتكلف متبعا للسنة، يقف مع ذي الحاجة من صغير وكبير حتى يقضي حاجته، لكل طائفة من الطوائف مِنْهُ نصيب وافر، لا يبخل بماله وجاهه عمن يقصده لم يره أحد إِلا عظمه وبجله واستمع إليه وقضى حاجته، وَكَانَ لَهُ عبادة وتوجه وعمل صالح ومعاملة فِي السفر، وظهرت لَهُ
[ ١ / ٣١٢ ]
كرامات وأشياء حسنة، ورويت لَهُ منامات صالحة، ولما ولي القضاء فِي جمادى الأولى سنة أربع وَسِتِّينَ وستمائة، امتنع من أخذ جامكية عَلَى الحكم، وَقَالَ: أنا فِي كفاية، وَكَانَ يخطب بالجامع المظفري بسفح قاسيون، ويؤم بِهِ، ويدرس بدار الحديث الأشرفية بالجبل وبمدرسة ابْن الجوزي بالبلد، وسمع الحديث الكثير من جماعة من الشيوخ منهم: والده الشَّيْخ أَبُو عُمَر شيخ الحنابلة، وعمه إمام الحنابلة، وعالمهم أَبُو مُحَمَّد عَبْد اللَّه بْن أَحْمَد، والشيخ الزاهد أَبُو إسحاق إبراهيم بْن عَبْد الواحد بْن عَلِيّ بْن سرور، وابن أخيه الْحَافِظ أَبُو الفتح مُحَمَّد بْن الْحَافِظ عَبْد الغني، وَأَبُو عَلِيّ حَنْبَل الرصافي، وَأَبُو حفص بْن طبرزد، وَأَبُو اليمن الكندي، والقاضي أَبُو القاسم بْن الحرستاني، وَأَبُو المعالي مُحَمَّد بْن وهب بْن الزنف السلمي، وَأَبُو المحاسن مُحَمَّد بْن كامل التنوخي، والقاضي أَبُو المعالي أسعد بْن المنجي التنوخي، وَأَبُو عَبْد اللَّه الْحُسَيْن بْن عَلِيّ بْن الْحُسَيْن الأنباري، وَأَبُو مُحَمَّد عَبْد المجيب بْن زهير بْن زهير الحربي، وَأَبُو البركات بْن ملاعب، وَأَبُو عَبْد اللَّه بْن البناء، وَأَبُو الفتوح بْن الْجُلاجِلِيِّ، وَأَبُو الفتوح بْن البكري، وَأَبُو الفضل أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن سيدهم، وَأَبُو نصر موسى بْن الشَّيْخ عَبْد القادر الجيلي، وَأَبُو المجد مُحَمَّد بْن مُحَمَّد الكرابيسي، وست الكتبة بنت عَلِيّ بْن يَحْيَى بْن الطراح، وسمع بالقاهرة من أَبِي بكر بْن
[ ١ / ٣١٣ ]
باقا، ومرتضى بْن العفيف المقدسي، وطبقتهما، وسمع بالقدس من أَبِي عَلِيّ الأوقي، وحج فِي سنة تسع عشرة وستمائة، وسمع بمكة والمدينة شرفهما اللَّه، رَوَى عَنْهُ أَبُو الفتح عُمَر ابْن الحاجب فِي معجمه، ومات قبله بأكثر من خمسين سنة، وَقَالَ: سألت عَنْهُ الْحَافِظ أَبَا عَبْد اللَّه مُحَمَّد بْن عَبْد الواحد؟ فقال: إمام عالم خير، تفقه عَلَى عمه، وقد شرح كتاب عمه المسمى بالمقنع، وَكَانَ الشَّيْخ الإِمَام أَبُو زكريا النواوي الشافعي يقول: هُوَ أجل شيوخي، مولده فِي الخامس والعشرين من المحرم سنة سبع وَتِسْعِينَ وخمسمائة، بسفح جبل قاسيون، وَتُوُفِّيَ فِي ليلة الثلاثاء سلخ شهر ربيع الآخر سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وستمائة، ودفن يوم الثلاثاء بمقبرة والده بسفح جبل قاسيون ظاهر دمشق، وحضر جنازته خلق كثير ﵀ وإيانا.
أخبرنا الشَّيْخُ الإِمَامُ الْعَلامَةُ قَاضِي الْقُضَاةِ شَيْخُ الإِسْلامِ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ابْنُ الشَّيْخِ الإِمَامِ أَبِي عُمَرَ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ قُدَامَةَ الْمَقْدِسِيُّ، بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الآخِرِ سَنَةَ سَبْعِينَ وَسِتِّمِائَةٍ بِالْجَامِعِ الْمُظَفَّرِيِّ بِسَفْحِ جَبَلِ قَاسِيُونَ، وَقُرِئَ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ وَأَنَا أَسْمَعُ، قَالَ: أنا أَبُو حَفْصٍ عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَعْمَرِ بْنِ طَبَرْزَدَ الدَّارَقَزِّيُّ الْبَغْدَادِيُّ، قِرَاءَةً
[ ١ / ٣١٤ ]
عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ، قَالَ: أنا أَبُو الْقَاسِمِ هِبَةُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ الْحُصَيْنِ الشَّيْبَانِيُّ، قَالَ: أنا أَبُو طَالِبٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ غَيْلانَ الْبَزَّازُ، قَالَ: أنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الشَّافِعِيُّ، قثا مُحَمَّدٌ هُوَ ابْنُ مَسْلَمَةَ الْوَاسِطِيُّ، ثنا يَزِيدُ، أنا ابْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ الدَّانَاجِ، عَنْ حُضَيْنِ بْنِ الْمُنْذِرِ، قَالَ: " صَلَّى الْوَلِيدُ بْنُ عُقْبَةَ أَرَبْعًا وَهُوَ سَكْرَانُ، ثُمَّ انْفَتَلَ، فَقَالَ: أَزِيدُكُمْ؟ فَرُفِعَ ذَلِكَ إِلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، فَقَالَ لَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵄: اضْرِبْهُ الْحَدَّ، فَأَمَرَ بِضَرْبِهِ، فَقَالَ عَلِيٌّ لِلْحَسَنِ: قُمْ فَاضْرِبْهُ، قَالَ: فَمَا أَنْتَ وَذَاكَ؟ قَالَ: إِنَّكَ ضَعُفْتَ وَعَجُزْتَ، ثُمَّ قَالَ: قُمْ يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ، فَقَامَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ، فَجَعَلَ يَضْرِبُهُ وَعَلِيٌّ يَعُدُّ حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَرَبْعِينَ، قَالَ: كُفَّ أَوِ اكْفُفْ. ثُمَّ قَالَ: ضَرَبَ النَّبِيُّ ﷺ أَرْبَعِينَ، وَضَرَبَ أَبُو بَكْرٍ أَرْبَعِينَ، وَضَرَبَ عُمَرُ صَدْرًا مِنْ خِلافَتِهِ أَرْبَعِينَ وَثَمَانِينَ، وَكُلٌّ سُنَّةٌ.
رَوَاهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ، فَوَقَعَ لَنَا مُوَافَقَةً عَالِيَةً لَهُ.
وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ ابْنِ عُلَيَّةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ مِهْرَانَ الْبَصْرِيِّ الْعَدَوِيِّ الْيَشْكُرِيِّ مَوْلاهُمْ، وَكُنْيَتُهُ أَبُو النَّضْرِ، عَنْ
[ ١ / ٣١٥ ]
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ فَيْرُوزَ الدَّانَاجِ الْبَصْرِيِّ بِهِ، فَوَقَعَ لَنَا عَالِيًا بِحَمْدِ اللَّهِ.
وَبِالإِسْنَادِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ الشَّافِعِيِّ، قثا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ النَّرْسِيِّ، ثنا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أنا الْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ﵂، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا رَمَيْتُمْ وَحَلَقْتُمْ فَقَدْ حَلَّ لَكُمُ الطِّيبُ وَالثِّيَابُ وَكُلُّ شَيْءٍ إِلا النِّسَاءَ».
رَوَاهُ الإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ ﵁، عَنْ أَبِي خَالِدٍ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ الْوَاسِطِيِّ، بِهِ، فَوَقَعَ لَنَا مُوَافَقَةً عَالِيَةً.
وَبِالإِسْنَادِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ الشَّافِعِيِّ، قثا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ النَّرْسِيُّ، قثا يَزِيدُ، قثا سَلامُ بْنُ مِسْكِينٍ، عَنْ عُقَيْلِ بْنِ طَلْحَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو جُرَيٍّ الْهُجَيْمِيِّ، وَاسْمُهُ سُلَيْمُ بْنُ جَابِرٍ، قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ، فَعَلِّمْنَا شَيْئًا يَنْفَعُنَا اللَّهُ بِهِ، فَقَالَ: «لا تُحَقِّرَنَّ مِنَ الْمَعْرُوفِ شَيْئًا وَلَوْ أَنْ تُفْرِغَ مِنْ دَلْوِكَ فِي إِنَاءِ الْمُسْتَسْقِي، وَلَوْ أَنْ تُكَلِّمَ أَخَاكَ وَوَجْهُكَ إِلَيْهِ مُنْبَسِطٌ، وَإِيَّاكَ وَتَسْبِيلَ الإِزَارِ، فَإِنَّهُ مِنَ الْخُيَلاءِ، وَالْخُيَلاءُ لا يُحِبُّهَا اللَّهُ، وَإِنِ امْرُؤٌ سَبَّكَ بِمَا يَعْلَمُ مِنْكَ فَلا تَسُبَّهُ بِمَا تَعْلَمُ مِنْهُ،
[ ١ / ٣١٦ ]
فَإِنَّ أَجْرَهُ لَكَ، وَوَبَالَهُ عَلَى مَنْ قَالَهُ».
رَوَاهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ، فَوَقَعَ لَنَا مُوَافَقَةً عَالِيَةً لَهُ.
وَبِالإِسْنَادِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ الشَّافِعِيِّ، قثا أَبُو عِمْرَانَ مُوسَى بْنُ سَهْلٍ الْوَشَّاءُ، ثنا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أنا عَبَّادُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " خَيْرُ يَوْمٍ يُحْتَجَمُ فِيهِ يَوْمُ سَبْعَ عَشْرَةَ، وَتِسْعَ عَشْرَةَ، وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ، وَمَا مَرَرْتُ بِمَلإٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي إِلا قَالُوا: عَلَيْكَ بِالْحِجَامَةِ يَا مُحَمَّدُ ".
رَوَاهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ، بِهِ، فَوَقَعَ لَنَا مُوَافَقَةً عَالِيَةً لَهُ.
وَبِالإِسْنَادِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ الشَّافِعِيِّ، قثا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ هُوَ ابْنُ إِدْرِيسَ، ثنا يَزِيدُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلا إِلَى ثَلاثَةِ مَسَاجِدَ، مَسْجِدِي، وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَالْمَسْجِدِ الأَقْصَى».
رَوَاهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ، فَوَقَعَ لَنَا مُوَافَقَةً عَالِيَةً لَهُ.
[ ١ / ٣١٧ ]