أحد الأئمة الأعلام وشيوخ الإسلام، كان متسع العلم، ويعرف فنونا شتى من التفسير والحديث والفقه والفرائض والنحو والأصلين، وطرفا صالحًا من الحكمة.
سمع بالإسكندرية أول دخوله البلاد من محمد بن عماد الحراني، ودخل
[ ٢ / ٤٧٣ ]
الشام وسمع بدمشق من مكرم بن محمد بن أبي الصقر، والقاضي أبي نصر بن الشيرازي، وأبي الحسن بن المقير، وسمع بإربل من محمد بن إبراهيم بن مسلم الإربلي، ودخل بغداد وأقام بها مدة؛ للتفقه، وسماع الحديث، وتحصيل العلوم، والتزيد من الفضائل، فسمع من أبي الحسن بن روزبة القلانسي، وأبي الحسن بن القطيعي، وأبي صالح نصر بن عبد الرزاق الجيلي، وعبد العزيز بن دلف الخازن، وأبي بكر بن عمر بن كمال الضرير، وأبي بكر ابن بهروز، والحافظ أبي عبد الله محمد بن سعيد بن الدبيثي، وأبي محمد عبد الواحد بن نزار الحمال، والأنجب الحمامي، وجماعة كثيرة، ثم رجع إلى الشام وسمع في طريقه بحلب من ابن رواحة، وابن خليل، ويعيش النحوي، وغيرهم ووصل دمشق وسمع
[ ٢ / ٤٧٤ ]
بها أيضا من شيوخها، ومدحه إذا ذاك الشيخ العلامة أبو الحسن السخاوي بقصيدة كتب بها إليه ذكر فيها فضائله ومحاسنه، واستوطن بلاد الشرق مدة، واستوطن دمشق مدة، وباشر بها مشيخة الرباط الناصري بسفح قاسيون، وهو أول من درس فيه بحضور واقفه ﵀، ثم دخل الديار المصرية وأقام بها مدة يدرس بالمدرسة الفاضلية، ويفتي، ويقرئ العلوم، ثم رجع إلى البيت المقدس زائرا ومستوطنا فأقام به مدة، وعاد إلى دمشق ودرس بالرباط الناصري أيضا على قاعدته الأولى، وولي مشيخة الحديث بالتربة الصالحية، ثم طلب إلى ولاية القضاء بدمشق فامتنع من ذلك وتركه وباشر التدريس بالمدرسة النورية، والجامع، وبقي منصب القضاء شاغرا من أجله إلى أن مات، وكان مولده في سنة إحدى وستمائة بشريش بالمغرب، وتوفي يوم الاثنين بن الصلاتين الرابع والعشرين من شهر رجب سنة خمس وثمانين وستمائة، ودفن ضحى يوم الثلاثاء بسفح جبل قاسيون بالقرب من الرباط الناصري الذي توفي فيه ﵀ وإيانا.
أخبرنا الشَّيْخُ الإِمَامُ الْعَلامَةُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سجْمَانَ الْبَكْرِيُّ الشَّرِيشِيُّ قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ بِالكلاسَةِ مِنْ
[ ٢ / ٤٧٥ ]
جَامِعِ دِمَشْقَ، قَالَ: أنا أَبُو طَاهِرٍ خَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ خَلِيلٍ الْجَوْسَقِيُّ الْخَطِيبُ قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ بِبَغْدَادَ، قَالَ: أَخْبَرَتْنَا الْكَاتِبَةُ، فَخْرُ النِّسَاءِ، شُهْدَةُ بِنْتُ أَحْمَدَ بْنِ الْفَرَجِ بْنِ عُمَرَ الإِبَرِيِّ الدِّينَوَرِيِّ.
ح وَكَتَبَ إِلَيْنَا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَرَّجِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مُسْلِمٍ الأُمَوِيُّ، عَنِ الشَّيْخَتَيْنِ؛ شُهْدَةَ الْكَاتِبَةِ، وَفَاطِمَةَ الْمَدْعُوَّةِ نَفِسيَةُ بِنْتُ أَبِي غَالِبٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْبَزَّازَةِ الْخَفَّافِ، قَالَتَا: أنا الشَّرِيفُ النَّقِيبُ أَبُو الْفَوَارِسِ طِرَادُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي تَمَّامٍ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الإِمَامُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ الْهَاشِمِيُّ قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَنَحْنُ نَسْمَعُ فِي سَنَةِ تِسْعِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَمَاتَ بَعْدَ ذَلِكَ بِسَنَةٍ قَالَ: أنا أَبُو الْحُسَيْنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ
[ ٢ / ٤٧٦ ]
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بِشْرَانَ الْمُعَدَّلُ فِي شَعْبَانَ سَنَةَ إِحْدَى عَشْرَةَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، قَالَ: أنا أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ صَفْوَانَ الْبَرْدَعِيُّ فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةَ أَرْبَعِينَ وَثَلاثِمِائَةٍ، قثا أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الدُّنْيَا الْقُرَشِيُّ، قثا عَلِيُّ بْنُ جَعْدٍ، قثا شُعْبَةُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ خُمَيْرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ سُلَيْمَ بْنَ عَامِرٍ يُحَدِّثُ، عَنْ أَوْسَطَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَوْسَطَ، سَمِعَ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ﵁ يَقُولُ: بَعْدَ مَا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِسَنَةٍ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَامَ أَوَّلَ مَقَامِي هَذَا قَالَ: ثُمَّ بَكَى أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ قَالَ: «عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ فَإِنَّهُ مَعَ الْبِرِّ، وَهُمَا فِي الْجَنَّةِ، وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ، فَإِنَّهُ مَعَ الْفُجُورِ، وَهُمَا فِي النَّارِ، وَسَلُوا اللَّهَ الْمُعَافَاةَ، فَإِنَّهُ لَمْ يُؤْتَ أَحَدٌ شَيْئًا بَعْدَ الْيَقِينِ خَيْرًا مِنَ الْمُعَافَاةِ وَلا تَقَاطَعُوا وَلا تَدَابَرُوا، وَلا تَحَاسَدُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا».
أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ الدِّرْهَمِيِّ، عَنْ أُمَيَّةَ بْنِ خَالِدٍ.
وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ سَعِيدٍ، كِلاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ، بِهِ. وَكُنْيَةُ أَوْسَطَ أَبُو إِسْمَاعِيلَ الْبَجَلِيُّ.
[ ٢ / ٤٧٧ ]
وَاخْتُلِفَ فِي اسْمِ أَبِيهِ فَقِيلَ: إِسْمَاعِيلُ كَمَا فِي رِوَايَتِنَا. وَقِيلَ: عَمْرٌو. وَقِيلَ: عَامِرٌ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَبِهَذَا الإِسْنَادِ إِلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي الدُّنْيَا، ثنا دَاوُدُ بْنُ عَمْرٍو الضَّبِّيُّ، قثا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زَحْرٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ أَبِي عِمْرَانَ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَلَّ مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُومُ مِنْ مَجْلِسٍ حَتَّى يَدْعُوَ بِهَؤُلاءِ الْكَلِمَاتِ لأَصْحَابِهِ: «اللَّهُمَّ اقْسِمْ لَنَا مِنْ خَشْيَتِكَ مَا تَحُولُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَعَاصِيكَ، وَمِنْ طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَا بِهِ جَنَّتَكَ، وَمِنَ الْيَقِينِ مَا تُهَوِّنُ عَلَيْنَا بِهِ مَصَائِبَ الدُّنْيَا، وَمَتِّعْنَا بِأَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا مَا أَحْيَيْتَنَا، وَاجْعَلْهُ الْوَارِثَ مِنَّا، وَاجْعَلْ ثَارَنَا عَلَى مَنْ ظَلَمَنَا، وَانْصُرْنَا عَلَى مَنْ عَادَانَا، وَلا تَجْعَلْ مُصِيبَتَنَا فِي دِينِنَا، وَلا تَجْعَلِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا وَلا مَبْلَغَ عِلْمِنَا، وَلا تُسَلِّطْ عَلَيْنَا مَنْ لا يَرْحَمُنَا».
أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ فِي كِتَابِ «عَمَلِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ» عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَكَمِ، عَنْ بَكْرِ بْنِ مُضَرَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زَحْرٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ أَبِي عِمْرَانَ قَاضِي إِفْرِيقِيَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ نَافِعٍ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵁.
وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ نَفْسَهُ كَمَا وَقَعَ فِي رِوَايَتِنَا، وَرُوِيَ أَيْضًا، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ.
[ ٢ / ٤٧٨ ]