أخبرنا الشيخ الجليل، أبو محمد طغريل بن عبد الله التركي، المحسني، قراءةً عليه ونحن نسمع، أخبركم الشيخ أبو حفص عمر بن محمد البغدادي، قراءةً عليه، أخبرنا أبو القاسم الشيباني، أخبرنا أبو طالب محمد بن محمد البزاز، أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله الشافعي، حدثنا الحارث، حدثنا أبو النضر، حدثنا أبو معاوية، عن عاصم.
[ ١٣٩ ]
عن زر، قال: استأذن ابن جرموز (-يعني-) على علي، فقال: من بالباب؟ قال: ابن جرموز يستأذن، فقال: ائذنوا ليدخل قاتل الزبير في النار. سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لكل نبي حواري، وحواري الزبير» .
رواه الإمام أحمد، عن أبي النضر، فوقع موافقة.
وأخبرنا أبو محمد المحسني، قراءةً عليه، أخبركم عمر بن محمد المؤدب قراءةً عليه، أخبرنا هبة الله بن محمد الشيباني، أخبرنا محمد بن محمد البزاز، أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله، حدثني بشر بن أنس أبو الخير، حدثنا أبو هشام محمد بن سليمان، بن الحكم بن أيوب بن سليمان بن زيد بن ثابت الكعبي، الربعي، الخزاعي، حدثني عمي أيوب بن الحكم.
ح قال أبو بكر محمد بن عبد الله، وحدثنا أحمد بن يوسف بن تميم البصري، حدثنا أبو هشام محمد بن سليمان بقديد، حدثني عمي أيوب بن الحكم، عن حزام بن هشام، عن أبيه هشام.
[ ١٤٠ ]
عن جده حبيش بن خالد صاحب رسول الله ﷺ: أن النبي ﷺ حسن خرج من مكة خرج منها مهاجرًا إلى المدينة هو وأبو بكر ومولًا لأبي بكر عامر بن فهيرة، ودليلهما الليثي عبد الله بن أريقط، مروا على خيمتي أم معبد الخزاعية، وكانت برزة جلدةً تحتبي بفناء القبة، ثم تسقي وتطعم، فسألوها تمرًا ولحمًا يشتروه منها، فلم يصيبوا عندها من ذلك شيئًا، وكان القوم مرملين مسنتين، فنظر رسول الله ﷺ إلى شاةٍ في كسر الخيمة، فقال: «ما هذه الشاة يا أم معبد»؟ قالت: شاة خلفها الجهد عن الغنم. قال: «هل بها من لبنٍ»؟ قالت: هي أجهد من ذلك. قال: «أتأذنين أن أحلبها»؟ قالت: نعم، بأبي أنت وأمي، إن رأيت بها حلبًا فاحلبها.
فدعا رسول الله ﷺ، فمسح بيده ضرعها، وسمى الله ﷿، ودعا لها في شاتها، فتفاجت عليه، ودرت واجترت، ودعا بإناء يربض الرهط، فحلب ثجًا حتى علاه البهاء، ثم سقاها حتى رويت، ثم سقى أصحابه حتى رووا، ثم شرب آخرهم، ثم حلب ثانيًا بعد بدء حتى ملأ الإناء، ثم غادرها وبايعها، وارتحلوا عنها، فقل ما لبثت حتى جاء زوجها أبو معبد يسوق أعنزًا عجافًا يتساوكن هزالًا مخهن قليل. فلما رأى أبو معبد اللبن عجب، وقال: من أين لك هذا يا أم معبد؟ والشاء عازبٌ حيال، ولا حلوب في البيت! فقالت: لا والله، إلا أنه مر بنا رجل مبارك من حاله كذا وكذا. قال: صفيه لي يا أم معبد. قالت: رجل ظاهر الوضاءة، أبلج الوجه، حسن الخلق، لم تبعه ثجلة، لم تزريه صعلة، وسيمٌ قسيم، في عينيه دعج، وفي أشفاره وطف، وفي صوته صحل، وفي عنقه سطع، وفي لحيته كثاثة، أزج، أقرن، إن صمت فعليه الوقار، وإن تكلم سما وعلاه البهاء، أجمل الناس وأبهاه من بعيد، وأحسنه وأحلاها من قريب، حلو المنطق، فصلٌ، لا نزر ولا هذر، كأن منطقه خرزات نظمٍ يتحدرن، ربعة لا بيائسٍ من طول، ولا تقتحمه عينٌ من قصر، غصنٌ بين غصنين، فهو أنضر الثلاثة منظرًا، وأحسنهم قدرًا، له رفقاؤه يحفون به، إن قال أنصتوا لقوله، وإن أمر تبادروا إلى أمره، محفودٌ، محشودٌ، لا عابس ولا مفند.
[ ١٤١ ]
قال أبو معبد: فهذا والله صاحب قريش الذي ذكر لنا من أمره ما ذكر بمكة، ولقد هممت أن أصحبه، ولأفعلن إن وجدت إلى ذلك سبيلًا.
وأصبح صوتٌ بمكة عالٍ، يسمعون الصوت ولا يدرون من صاحبه، وهو يقول:
جزى الله رب الناس خير جزائه رفيقين قالا خيمتي أم معبد
هما نزلا بالهدي واهتديا به فقد فاز من أمسى رفيق محمد
فيا لقصي ما زوى الله عنكم به من فعالٍ لا يجازى وسؤدد
ليهن بني كعبٍ مكان فتاتهم ومقعدها للمؤمنين بمرصد
سلوا أختكم عن شاتها وإنائها فإنكم إن تسألوا الشاة تشهد
دعاها بشاةٍ حائلٍ فتحلبت عليه صريحًا ضرة الشاة مزبد
فغادرها رهنًا لديها لحالبٍ يرددها في مصدرٍ بعد مورد
فلما سمع بذلك حسان بن ثابت شبب يجاوب الهاتف، فقال:
لقد خاب قوم زال عنهم نبيهم وقدس من يسري إليهم ويعتدي
ترحل عن قومٍ فضلت عقولهم وحل على قومٍ بنورٍ مجدد
هداهم به بعد الضلالة ربهم وأرشدهم من يتبع الحق يرشد
وهل يستوي ضلال قومٍ تسفهوا عمايتهم هادٍ به كل مهتدي
وقد نزلت منه على أهل يثربٍ ركاب هدىً حلت عليهم بأسعد
نبي يرى ما لا يرى الناس حوله ويتلو كتاب الله في كل مسجد
وإن قال في يومٍ مقالة غائبٍ فتصديقها في اليوم أو في ضحى الغد
هذا حديث محفوظ من حديث حزام بن هشام، رواه عنه أيضًا محرز بن
[ ١٤٢ ]
المهدي، الكعبي، ومروان بن معاوية الفزاري، قاله الحافظ أبو القاسم الدمشقي.
و«حبيش» بالحاء المهملة المضمومة والباء الموحدة، وآخره شين معجمة، وقيل بالخاء المعجمة، والنون والسين المهملة. شهد الفتح مع النبي ﷺ، وقتل يوم الفتح هو وكرز بن جابر، كانا في خيل (خالد) بن الوليد ﵁، فسلكا غير طريقه، فلقيمها المشركون فقتلوهما.
قوله: «برزة» أي تكثر البروز، وهي عفيفة آمنةٌ على نفسها، وقيل يشترط مع ذلك كونها كهلة.
وقوله: «مرملين» أي نفد زادهم كأنهم لصقوا بالرمل.
[ ١٤٣ ]
وقوله: «مسنتين» أي مجدبين أصابتهم السنة، وهي القحط.
و«كسر الخيمة» بكسر الكاف: جانبها. ويجوز فتحها.
و«الجهد»: بفتح الجيم المبثقة وبضمها، الطاقة. وقد تفتح.
و«حلبًا» بفتح اللام وسكونها.
وتفاجت: أي بالغت في فتح ما بين رجليها.
واجترت: أي لاكت ما تخرجه من جوفها.
ويربض الرهط: بالباء الموحدة، أي يرويهم ويثقلهم حتى يربضوا. ويروى: يربض: بالياء المثناة من أراض الوادي إذا استنقع فيه الماء.
والثج: السيلان.
والبهاء: أراد به بهاء اللبن. وهو وبيص رغوته.
وتساوكن: أي اضطربت أعناقها من الهزال.
والوضاءة: الحسن والبهجة.
والبلح: إشراق الوجه وإسفاره.
والثجلة: بالثاء المثلثة المضمومة والجيم. ضخم البطن. ويروى بالنون والحاء أي نحول وذمه.
والصعلة: صغر الرأس.
وسيم: أي جميل.
قسيم: أي جميل كله. كأن كل موضع منه أخذ قسمًا من الجمال.
والدعج: شدة سواد العين، وقيل مع شدة بياضها.
والوطف: طور شعر الأجفان.
والصحل: بفتح الصاد والحاء المهملتين. البحة من غير جدة في الصوت.
والسطع: الارتفاع والطول.
والكثاثة في اللحية أن تكون غير دقيقة ولا طويلة.
والرحج: في الحواجب تقوس وامتداد مع طول أطرافها.
والقرن: التقاء الحاجبين.
وقد روي أنه ﷺ كان أزج من غير قرنٍ. وصححه صاحب «النهاية» .
والفصل: أي بين.
[ ١٤٤ ]