بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
الحمد لله الذي جعل في السماء بروجا وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا، وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا، وصلى الله على من بعث بالهدى ودين الحق بشيرا ونذيرا، وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه واقتفى أثره وسلم تسليما كثيرا.
وبعد:
فقد جاء الإسلام فأعلى من قيمة المرأة وكرمها، ومن هنا ظهر دور بارز للمرأة على مدى التاريخ الإسلامي، فها هي أم المؤمنين السيدة خديجة ﵂ وأرضاها، تقف بجوار الرسول في دعوته، وتؤيده وتنصره، حتى قال رسول الله ﷺ: أمرت أن أبشر خديجة ببيت من قصب لا صخب فيه ولا نصب". والقصب: اللؤلؤ المجوف.
وأم المؤمنين السيدة عائشة ﵂ وأرضاها أفقه النساء مطلقا، حتى قال عنها النبي صلى الله عليها وسلم: " فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام".
وقال عنها أبو موسى الأشعري: ما أشكل علينا أصحاب محمد ﷺ حديث قط فسألنا عائشة عنه إلا وجدنا عندها منه علما.
وقال عنها الزهرى: لو جمع علم عائشة إلى علم جميع أزواج النبي ﷺ وعلم جميع النساء؛ لكان علم عائشة أفضل.
وفي غزوة أحد، ظهرت مواقف البطولة، فقد قاتلت أم عمارة حول رسول الله فضربها ابن قمئه على عاتقها ضربة تركت جرحا أجوف، وضربته فنجا بدرعه، وبقيت تقاتل حتى أصابها اثنا عشر جرحا.
وفي غزوة الأحزاب جاء رجل من بني قريظة بعد أن خانوا عهد رسول الله فجعل يطوف بالحصن الذي فيه النساء والذراري، فرأته صفية بنت عبد المطلب عمة رسول الله
[ ٥ ]
فشدت على وسطها ثم أخذت عمودا، ونزلت من الحصن، فضربته بالعمود حتى قتلته، ثم رجعت إلى الحصن، وهذا ظن اليهود أن للمسلمين ظهرا فلم يقربوهم.
ومواقف البطولة كثيرة وكثيرة، والاهتمام بالعلم كان أكثر وأكثر، اقتداء بأم المؤمنين السيدة عائشة ﵂.
فهناك نفيسة العلم، السيدة نفيسة بنت الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب: صاحبة المشهد المعروف بمصر. تقية صالحة، عالمة بالتفسير والحديث.
ولدت بمكة، ونشأت في المدينة، وتزوجت إسحاق المؤتمن ابن جعفر الصادق. وانتقلت إلى القاهرة فتوفيت فيها.
حجت ثلاثين حجة. وكانت تحفظ القرآن. وسمع عليها الإمام الشافعي، ولما مات أدخلت جنازته إلى دارها وصلت عليه. وكان العلماء يزوروها ويأخذون عنها، وهي أمية، ولكنها سمعت كثيرا من الحديث. وللمصريين فيها اعتقاد عظيم.
وهناك شهدة بنت أبي نصر أحمد بن الفرج بن عمر الإبري. فقيهة، من العلماء في عصرها، أصلها من الدينور، مولدها ووفاتها ببغداد، روت الحديث وسمع عليها خلق كثير، وطار صيتها، وتزوج بها ثقة الدولة ابن الأنباري، وكان من أخصاء المقتفي العباسي، وتوفي عنها سنة ٥٤٩ هـ، وعرفت بـ (الكاتبة) لجودة خطها.
وانطلاقا من كل هذا أحيينا أن نقدم معجم الشيخة مريم، لنظهر للأمة الإسلامية والعالم بأسرة أن المرأة كان لها دورا بارزا في أهم العلوم الحديث والفقه والتفسير، وكانت تحضر مجالس العلم، ويسمع منها الفقهاء والمحدثون.
وأحببنا أن نقدم لكتابنا هذا بمقدمة نستعرض فيها مكانة المرأة في مختلف الثقافات قبل الإسلام، وعلو مكانتها بعد أن أعزها وأكرمها الإسلام، ونسأل الله التوفيق.
[ ٦ ]